|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
لغة الطفل ـــ د.أحمد مطلوب / العراق (1) كان الغرب سبّاقاً إلى الاهتمام بلغة الطفل وأدبه في العصر الحديث، ولم يكن للعرب القدامى اهتمام بذلك؛ لأنهم صرفوا جهودهم للحفاظ على سلامة اللغة العربية، ووضع القواعد التي تصونها من اللحن والانحراف. وكان رفاعة الطهطاوي أول من اهتم بأدب الأطفال في العصر الحديث، معتمداً على ترجمة ما لدى الغرب من أدب الأطفال، وتوالى الاهتمام بهذا اللون من الأدب، وصدرت قصائد وقصص كثيرة في هذا الحقل، وكان أحمد شوقي من أوائل الشعراء العرب الذين التفتوا إلى شعر الأطفال فنظم القصائد الطريفة في موضوعات مختلفة، ودخل بعضها في كتب القراءة إلا أن معظمها كان فوق مدارك الأطفال لما فيها من ألفاظ صعبة أو غريبة، ولما فيها من معان لا يدركها الطفل إلا بعد أن يتقدم به العمر. وسار على نهجه محمد الهراوي الذي زوَّد كتب القراءة في المرحلة الابتدائية بقصائد ترنم بها الأطفال والتلاميذ، وإن كان بعضها بعيداً عن مدارك الأطفال. وعني معروف الرصافي بهذا اللون من الشعر، وصدر له في القدس سنة 1920م كتاب "الأناشيد المدرسية"، وأصدر بعده "تمائم التربية والتعليم"، وقصائد هذه المجموعة فوق مستوى مدارك الصغار، وقد أقر الشاعر بذلك فقال: "لقد نظمتها للتلاميذ واخترت لهم فيها الموضوعات والأغراض المنوعة، ولكني مهما حاولت أن أنزل إلى مستواهم في البيان، وأكلمهم باللغة التي تناسب مداركهم لم أقدر، فالكتابة للصغار عسيرة حقاً". ونظم بعض الشعراء قصائد للأطفال غير هؤلاء الثلاثة، وذلك بعد أن وجدوا حاجة الأطفال والصغار إلى شعر يهز مشاعرهم فيطربون للنغم العذب الجميل، فضلاً عن حاجة مؤلفي كتب الأطفال إلى الشعر الذي هو أكثر تأثيراً من النثر في نفوس الأطفال. وازدهر مسرح الطفل، فكان للمسرحية الشعرية نصيب من الاهتمام وقد نظم عبد الستار القرغولي "مسرحيات لافونتين" و"روايات من تأريخ العرب" وقد مثلت على مسرح الرياض والمدارس الابتدائية، وكان لها وقع كبير؛ لأنها واكبت النهضة العربية، وحركت المشاعر القومية. وانصرف سليمان العيسى بعد أن أدى دوره النضالي إلى أدب الأطفال، فأصدر "ديوان الأطفال" الذي قيل إنه "أول ديوان في الأدب العربي يكتب للأطفال"، وأصدر سنة 1969م "المستقبل" ثم أصدر سنة 1971م "النهر"، وهما مسرحيتان شعريتان غنائيتان للأطفال، ولاهتمامه بأدب الصغار أُطلق عليه ــ أو أطلق هو على نفسه ــ اسم "شاعر الأطفال" وهو ما كان يوقع به عند إهدائه "المستقبل" لأطفال أصدقائه. ولم يكن الشعر وحده لوناً من ألوان أدب الأطفال، فقد نافسته القصة التي هي أكثر تأثيراً في نفوس الصغار من الشعر الذي يطربهم، ولكنه لا يشوقهم كثيراً كما تشوقهم القصة ولاسيما الخيالية التي كانت الأمهات يسردنها ليبعثن السرور في نفوس الصغار، قبل أن يأخذ الكرى بمعاقد الأجفان. وفي الوطن العربي كثير من كتاب القصة للأطفال، وتحفل مجلات الصغار بألوان شتى من القصص التي تعبر عن محيط الطفل أو تحرك خياله. ولعل كامل كيلاني وسعيد العريان من أقدم الكتاب الذين اهتموا بأدب الصغار. واستمر الشعراء في نظم القصائد، وأخذ الكتاب في صياغة القصص، وانبرى المؤلفون يضعون كتباً تعلم فن الكتابة، إذ ليس من السهل اليسير نظم قصيدة، أو كتابة قصة، أو تأليف كتاب للأطفال والصغار، فكم يعاني مؤلفو الكتب من المشاق، وبذل الجهد، وإعادة الكتابة حين يوكل إليهم تأليف الكتب المدرسية للمرحلة الابتدائية، ولاسيما السنوات الأربع الأولى. ولا يقل صعوبة تأليف كتب مرحلة التعليم العام على الرغم من القدرة اللغوية، والعلمية، والمهارة الفنية التي يتمتع بها المؤلفون، وما ذلك إلا أنهم ــ كما قال الرصافي ــ لا يستطيعون النزول إلى مستوى مدارك الصغار، فتأتي الكتب صعبة في لغتها ومادتها، ويتعالى صوت النقد، وتغير الكتب، ويعهد إلى مؤلفين جدد القيام بذلك، ويبقى النقد، وتحار وزارات التربية وتردد مع نفسها "فدلوني بمن أثق". (2) لقد انصب الاهتمام في القرن العشرين على أدب الأطفال، ولم تحظ لغته بدراسات مستفيضة تبين خصائصها، وما ينبغي أن تكون عليه، ولعل كتاب "اللغة عند الطفل" للدكتور صالح الشماع أقدم دراسة علمية صدرت سنة 1955م، وهو رسالة جامعية اهتمت بالتنظير وعرض آراء الغربيين أكثر من اهتمامها بالتطبيق. وأخذ الاهتمام بلغة الطفل بمنظور يختلف عن كتاب الدكتور الشماع، منظور يجعل أدب الأطفال محوراً للكلام على لغته، وكان كتاب "اللغة في أدب الأطفال" للدكتور محمد رشدي خاطر ــ صدر سنة 1976م ــ من الكتب التي اهتمت بلغة الطفل من خلال الأدب المكتوب له. ومهما يكن من أمر، فإنه لم تكن العناية كبيرة بلغة الطفل وأدبه، بخلاف الأجانب الذين يزرعون في قلوب الصغار حب اللغة منذ عهد مبكر من أعمارهم، مستعينين بالكتب المصورة قبل أن يكمل الطفل الرابعة، ثم يوجهونه بعد ذلك إلى اللغة المكتوبة بما يناسب سنه، وبذلك ينشأ في نفسه التعلق بلغته، وحب القراءة، والتزود من المعارف. (3) إن نظم الشعر، وكتابة القصص، وتأليف الكتب للأطفال ليس بالأمر السهل اليسير، ولذلك يجب أن تراعى كثير من الأسس التي تعين على ذلك. ومن المؤسف أن كثيراً مما نظم أو كتب كان بعيداً عن مدارك الأطفال بل الصبيان؛ لأن أياً من الناظم، أو الكاتب، أو المؤلف لم يستطع أن يعبر باللغة التي يفهمها الطفل، ولم يعرض الفكرة بأسلوب يدركه الطفل، فكانت الشكوى من أدب الأطفال الذي لا ينسجم وسني الصغار، وكان النقد عنيفاً لكتب المرحلة الابتدائية؛ لأنها لا تناسب هذه المرحلة، وامتدت الشكوى إلى كتب التعليم العامة كله، بل إلى كتب التعليم الجامعي حيث التعقيد اللغوي، والإبهام العلمي. إن لغة الصغار غير لغة الكبار، ويمكن تصور الكلمات الملائمة للطفل بأن تكون: أولاً: عربية فصيحة، ليتعود الطفل على استعمال الفصيح مبكراً، ومما يدعو إلى هذا أن معظم أطفال الوطن العربي يفهمون الفصيح أكثر مما يفهمون المحكي في غير محيطهم. ولعل تجربة "افتح يا سمسم" خير مثال على ذلك، إذ صيغت الجمل والعبارات من كلمات يعرفها الطفل العربي في بيئته، وذلك أن عمد المسؤولون عنه على استقراء الكلمات المشتركة في محيط الأطفال العرب واستعمالها فيما قصدوا إليه. ومثل ذلك "الصور المتحركة" ــ الكارتون ــ إذ يفهم الحوار فيها معظم الأطفال إذا كانت بالعربية الفصيحة، ولا يفهمونها حين تكون بلغة بيئة أخرى ليس لهم بها معرفة أو اتصال. ثانياً: ثلاثية ليسهل النطق بها، ومعظم الكلمات العربية ثلاثية، وهو ييسر اختيار الكلمات المناسبة للأطفال، وكان البلاغيون والنقاد العرب يفضلون الألفاظ الثلاثية، وينفرون من الكلمة الكثيرة الحروف. وقد قال ابن سنان الخفاجي وهو يضع شروط اللفظة الفصيحة: "أن تكون الكلمة معتدلة غير كثيرة الحروف، فإنها متى زادت على الأمثلة المعتادة المعروفة قبحت وخرجت عن وجه من وجوه الفصاحة". والطفل أولى أن يراعى له اختيار الكلمات القليلة الحروف. ثالثاً: مركبة من حروف يسهل النطق بها؛ إذ بعض الأصوات اللغوية تحتاج إلى تحريك عدد أكبر من العضلات للنطق بها، وهذا ــ ربما ــ يصعب على الطفل أن ينطق بها. وقد يظهر هذا في الكلمات المعرَّبة التي تألفت من حروف متنافرة، لا تقرّها العربية السليمة كاجتماع القاف والجيم، والجيم والقاف، والسين والصاد، والصاد والسين، والسين والزاي، والزاي والسين، والزاي والصاد، والصاد والزاي، وهذا ليس من كلام العرب كما قال ابن سنان الخفاجي. رابعاً: حسنة الوقع على الأذن ليأنس بها الطفل، فإن "للألفاظ في الآذان نغمة لذيذة كنغمة أوتار" كما قال ضياء الدين بن الأثير. خامساً: واضحة المعنى قريبة من مدارك الأطفال، وقد قيل: إن أحمد شوقي ابتعد عن لغة الأطفال في قصائده التي نظمها للصغار. ووقع في مثل هذا بعض من كتب للأطفال كالشاعر سليمان العيسى الذي شرح بعض معاني الكلمات في حواشي صفحات مسرحية "المستقبل"، لأنها بعيدة عن مدارك الأطفال، أو أنها غريبة لم يألفوها. سادساً: مستعمَلة في أنحاء الوطن العربي لتتوحد لغة الأطفال، وتجربة "افتح يا سمسم" خير مثال؛ لأنها عبرت عن المحيط المشترك للأطفال العرب. سابعاً: وضعية؛ لأن الطفل لا يدرك استعمال الكلمة في غير ما وضعت له في أصل اللغة العربية، فلا تستعمل كلمة (العين) مثلاً للدلالة على المُخْبر أو الجاسوس، ولا تُستعمل (اليد) بمعنى النّعمة، أو القوة؛ لأن هذه معانٍ مجازية لا يدركها الطفل إلا بعد سنوات. أما صياغة الجمل والعبارات فيُراعى فيها أن تكون: أولاً: موافقة للرتبة اللغوية، ليس فيها تقديم وتأخير غير ضروري ومهم، أو جمل اعتراضية تحدث تعقيداً لفظياً ومعنوياً، وهذا ما يتجنبه الكبار بله الصغار. ثانياً: منسابة لها إيقاع جميل، ليس في الشعر وحده، وإنما في النثر أيضاً؛ لأن الطفل يأنس بالإيقاع ويطرب له، وانسياب العبارة مما يجعل الطفل قادراً على النطق بها وترديدها، فهي كما قال الجاحظ: "تجري على اللسان كما يجري الدهان". ثالثاً: قصيرة، ويفضل أن تتركب من كلمتين أو ثلاث، فيقال مثلاً: "الشّمس طلعت" أو "طلعت الشمس" ولا يقال: "طلعت الشمس بعد غياب طويل ففرح الناس بها". رابعاً: ذات دلالة واضحة، فلا تصاغ جمل أو عبارات صحيحة نحوياً وليس لها معنى، وكان سيبويه قد فرق بين المستقيم الحسن والمحال، والمستقيم الكذب، والمستقيم القبيح وما هو محال كذب. خامساً: التقليل من استعمال الضمائر المتصلة لأنها تعود إلى متقدم، يُعَدُّ غائباً عند الطفل، فيقال مثلاً: "جلس خالد بين أحمد ومحمود" بدلاً من "بينهما"، وإن مرَّ اسماهما من قبل، و"كتب خالد الدرس" بدلاً من "دَرْسه"؛ لأن الطفل يسمع دائماً كلمة "الدرس" فيقول له والداه أو معلمه: "اكتب الدرس". سادساً: التقليل من استعمال الظروف المنصوبة، فلا يقال: "سافر خالد ليلاً" بل يقال: "سافر في الليل" لأن الطفل في مراحله الأولى يستعمل الظروف كما هي: "الصباح" ــ "الظهر" ــ "العصر" ــ "المساء" ــ "الليل" ولا يستعملها منصوبة على الظرفية. سابعاً: التقليل من استعمال الحال منصوباً مفرداً، أو مقدراً جملة، فيقال: "جاء خالد يمشي" لا "ماشياً" أو "وهو يمشي"؛ لأن استعمال الصيغ النحوية غير مألوفة لدى الطفل، ولن يدركها إلا حين يتقدم به العمر. ثامناً: الاكتفاء بالمشهور من أدوات الاستفهام والنفي، واختيار ما يَتلفظ به الطفل، وما يشترك فيه الأطفال العرب والشائع بينهم مثل: "أين" و"متى" و"كيف" في الاستفهام، و"لا" في النفي. تاسعاً: إرجاء استعمال الشرط إلى سن متقدمة لما فيه من قواعد لا يدركها الطفل، وإن كان يستعمل هذا الأسلوب في خطابه اليومي أحياناً. عاشراً: تجنُّب العبارات المجازية في المراحل الأولى من عمر الطفل، فلا يقال ــ مثلاً ــ: "جنحت الشمس إلى الغروب" بل يقال: "غابت الشمس". وقد وقع هذا في كثير من أدب الأطفال، فاضطُّر الشعراء والكتاب إلى توضيح العبارة في الحاشية، كما فعل سليمان العيسى في مسرحية "المستقبل". هذه بعض سمات الكلمة وتركيب الجمل والعبارات وفي ضوئها يُكتب أدب الأطفال، فتُختار للشعر ألفاظ لها إيقاع مطرب وجرس موسيقي جذاب، ويختار مجزوء بحر الرمل، أو مجزوء بحر الرجز لقصر المجزوء، ولما في بحري الرمل والرجز من إيقاع يطرب له الأطفال، أما البحور الكاملة فيصعب على الطفل ترديدها لأنها تحتاج إلى جهد لا يمتلكه في سنواته الأولى. ولا تخرج لغة القصة عن لغة الشعر من حيث جمال الألفاظ وحسن إيقاعها ووضوح معانيها، ويصدق هذا على تأليف الكتب المدرسية في السنوات الأربع الأولى من المرحلة الابتدائية. إن اللغة عند الطفل تنمو كما ينمو هو، فإذا ما تجاوز السابعة من عمره زيد في ثروته اللغوية، وطُوّلت الجمل والعبارات لتعبر عن المعارف الجديدة، لأن الجمل القصيرة في هذه المرحلة لا تعبر عن المستجدات وعما يريد الطفل وقد نمت معارفه ومداركه، حتى إذا ما بلغ العاشرة من عمره أصبح قادراً على التعبير بنفسه عما يحس به، وفي هذا الوقت تُذكر له بعض القواعد النحوية لتعينه على تركيب الجمل والعبارات بدقة، على أن تذكر له القواعد الضرورية بأسلوب سهل واضح، لأن إثقاله في هذه السن بما تَزخر به كتب النحو المدرسية الآن يؤدي إلى نفوره من النحو، وكان الجاحظ قد حذّر من هذا فقال في رياضة الصبي: "وأما النحو فلا تشغل قلبه منه إلا بقدر ما يؤديه إلى السلامة من فاحش اللحن، ومن مقدار جهل العوام في كتاب إن كتبه، وشعر إن أنشده، وشيء إن وصفه، وما زاد على ذلك فهو مشغلة عما هو أولى به، ومذهل عما هو أردّ عليه منه من رواية المثل والشاهد، والخبر الصادق، والتعبير البارع". (4) لم يكن هذا التصور بعيداً عن الشعراء والكتاب والمؤلفين، إذ وفق كثير منهم في استعمال اللغة القريبة من مدارك الأطفال، وكادت لغة الأطفال في الوطن العربي تتوحد في النصف الثاني من القرن العشرين بفضل: أولاً: انتشار الوعي القومي في الوطن العربي، ونشأة الصغار في ظل هذا الوعي الذي أرجع للعرب مكانتهم بين شعوب الأرض. ثانياً: الاهتمام بالعربية التي نزل بها القرآن الكريم. ثالثاً: كثرة ما كُتب في أدب الأطفال من شعر وقصص ومسرحيات، وتوجه بعض الأدباء إلى الأطفال وإنتاج ما يروق لهم من أدب يسليهم، ويؤنسهم، ويكسبهم اللغة والمعارف، ويحبب إليهم الأوطان. رابعاً: اهتمام وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية بلغة الضاد مسايرة للوعي القومي في ذلك الحين. خامساً: العناية بمسرح الطفل، وتقديم المسرحيات بلغة فصيحة تلائم الصغار. سادساً: إصدار مجلات خاصة بالأطفال. سابعاً: تقديم جوائز للأطفال الذين يشتركون في المسابقات وإلقاء الشعر والخطب في الاحتفالات والمناسبات القومية والوطنية. وتكاد بعض عقود القرن العشرين تكون من أكثر العقود ازدهاراً في العناية بلغة الطفل وأدبه، وباللغة العربية عامة لأنها من أهم مقومات وحدة العرب، ولم يبق ذلك الازدهار، ولم تظل العناية بالعربية قائمة، إذ بدأ الكرى يلف الصحوة اللغوية منذ العقد الأخير من القرن الماضي، لأسباب منها: أولاً: العولمة التي من أهداف دعاتها السيطرة على العالم، والقضاء على اللغات القومية، والثقافات الوطنية، والاستقلال السياسي والاقتصادي، وتغيير طبيعة المجتمعات البشرية، وقد ظهر تأثيرها في السنوات الأخيرة. ثانياً: التوجيه ــ الداخلي والخارجي ــ نحو اللغات الأجنبية، والاستهانة بالعربية من بعض المسؤولين والخارجين على الأمة العربية. ثالثاً: إيمان بعض المثقفين الذين تنكروا لأمتهم ووطنهم بأن لا مستقبل للعرب إلا باللغات الأجنبية؛ لأن لغة القرآن تخطاها العصر. رابعاً: نشاط المراكز الثقافية الأجنبية والدعاية للغاتها وثقافاتها، وتقديم الجوائز لمن يكتب بها أو يؤلف، كما تفعل الفرنكفونية الآن. خامساً: عودة الدعوة إلى الإقليمية وتجزئة الوطن الواحد، وإحياء ما عفى عليه الزمن ليكون سمةَ تميزٍ وترسيخَ كيان. وظهر لأجل ذلك منتفعون يضعون المعاجم ويؤلفون الكتب ليعززوا دعاة الإقليمية والتجزئة على الرغم من أن الوطن العربي كله لا يكوِّن إلا دولة واحدة، بالمفهوم القومي والعقائدي والفكري والمصيري. إن هذه الأسباب ظاهرة للعيان، ولكن الكثيرين لا يجرؤون على كشف واقع اللغة العربية، لأن كشفها يثير الفزع ويبعث اليأس في النفوس كما فعل أحد الأساتذة الكبار حين صور واقع العربية في بيئته والألم يدمي قلبه ويفجر فيه الأحزان. (5) إن كل الأمم تعتز بلغاتها القومية ولا تفرط بها، ولا تتحدث أو تكتب أو تؤلف بغيرها إلا في حالات معينة تفرضها الظروف كالدراسة في الخارج، أو متابعة ما يكتب في علم من العلوم بإحدى اللغات الأجنبية. وقد وصلت الاستهانة بلغة القرآن الكريم إلى أن بعض العرب يتحدث بلغة أجنبية في إذاعة عربية أو تبث بالعربية، ويترجم المذيع ما يقوله العربي المتنكر لأمته ولغتها، على الرغم من إتقانه العربية، وقد يكون متخصصاً باللغة العربية وآدابها، ومتخرجاً في إحدى الجامعات العربية، ومن العرب الأقحاح كما يقول. ورحم الله الشاعر بشارة الخوري (الأخطل الصغير) حين قال وهو متوجه إلى بغداد عبر صحراء بادية الشام سنة 1936م:
وأسرف قوم في النكاية باللغة العربية وأنشأوا رياضاً ومدارس يلقنون فيها الأطفال والتلاميذ اللغة الأجنبية، ويدرسونهم بها، على الرغم من دعوات الحكومات العربية إلى التعريب فضلاً عن المجامع العلمية واللغوية العربية، ومكاتب تنسيق التعريب في الوطن العربي التي تعمل من أجل التعريب والعناية بلغة الضاد. كل هذا يجري على الرغم من تلك الدعوات، وما يقوله التربويون في تعلم اللغات الأجنبية، إذ الأصل أن يبدأ الطفل بتعلم لغة قومه؛ لأن تعلمه بلغة أجنبية يفقده هويته القومية والوطنية، وأن الجمع بينها وبين لغته ــ إن حصل ذلك في عهد الطفولة ــ يضعه في مفترق الطرق؛ لأنه من الصعوبة تعلم أكثر من لغة في آن واحد، لأنها تتداخل ويجور بعضها على بعض، وقديماً قال الجاحظ وهو يتحدث عن الترجمان: "ومتى وجدناه قد تكلم بلسانين علمنا أنه أدخل الضيم عليهما؛ لأن كل واحدة من اللغتين تجذب الأخرى، وتأخذ منها، وتعترض عليها"، وهذا يخص الكبار، فكيف الصغار؟ وتعلُّم اللغة الأجنبية مهم، ولكن لا على حساب اللغة الأم منذ الطفولة، وإنما يكون بعد أن يتقن الإنسان لغته، ويرى أنه بحاجة إلى تعلم لغة أجنبية لأمر من الأمور التي تقتضيها الحياة المعاصرة. إن اللغة كيان الأمة ووعاء حضارتها، وهي التي تكوِّن شخصية الإنسان وتُظهر سماتها، ولم يتقدم العرب قديماً لولا ازدهار لغتهم واستيعابها الآداب والعلوم والفنون وتعبيرها عن المستجدات، فالحفاظ عليها، والاعتزاز بها، والسعي إلى تنميتها، والأخذ بها في مجال الحياة يجعلها زاهرة، ولكن قبل هذا كله لابدّ من الاهتمام بلغة الطفل وأدبه لينشأ محباً للغته، معتزاً بأمته، مرتبطاً بوطنه، واثقاً بنفسه، وليس هذا بعزيز إذا ما اهتم العرب بلغتهم، ورعوها حق الرعاية وكانوا بها مؤمنين. | |||||||||||||||||||||||||||||||||