مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 441 كانون الثاني 2008
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

تطلعات نحو لغة للأطفال في مجلاتهم ـــ د.عبد الإله نبهان

أخشى يا صديقي أننا في النهاية نقدم للأطفال ما نعتقد نحن أنهم محتاجون إليه، لا ما يحتاجون إليه بالفعل... ؟‏

بهذه العبارة أنهى مخرج مجلة العربي الصغير المرحوم نبيل السلمي حواره مع صديق له ( 1)، وهو بذلك يطرح قضية طال الجدل حولها طويلا وسيطول حول كل مايقدم للأطفال من قصة ومجلة وقصيدة وجريدة.. أيكفي أن يكتب شاعر ما على غلاف ديوانه عبارة ((شعر للأطفال )) حتى يكون ذلك الشعر صالحاً للأطفال مقبولاً منهم؟ ثم أيكفي أن يكتب على غلاف المجلة بأنها للأطفال حتى تكون كذلك حقاً ؟!‏

أتكفي استبانة إحصائية نقوم بتوزيعها على فئة طفلية مختارة في قاعة مغلقة لتدل على آراء الأطفال وتوجهاتهم ؟!!‏

من الشائع أن الأطفال والفتيان لايتحملون قراءة رواية طويلة أو رواية مكونة من عدة مجلدات، ولكننا في أواخر تموز 2007 شاهدنا على شاشة التلفزيون حجم المبيعات الهائل للمجلد السابع من رواية هاري بوتر.. هل السر في الرواية أو السر في الأطفال ..؟‏

إن ما يكتبه الكبار عن أدب الأطفال ومجلات الأطفال إن هو إلاّ اجتهادات مشكورة تضيء الطريق إلى شيء مازال غامضاً اسمه: أدب الأطفال.‏

ولما كان البحث في لغة الأطفال عاماً شاملاً فإني رأيت بعد تفكيكه إلى بحوث أن أتجه إلى القول في اللغة في مجلات الأطفال .‏

وهنا أيضاً يبرز مفهوم جديد للمجلة، فنحن نعني بالمجلة عادة المجلة الورقية المصورة التي كانت متداولة وما زالت.. لكن عدداً كبيراً من الأطفال اليوم يقتنون ويتداولون مجلة أطفال أخرى.. إنها مجلة إلكترونية يشتمل عليها قرص مضغوط (CD) وتصدر دوريا وفيها أبواب عديدة.. فهل يتسع البحث لمثل هذه المجلة ؟‏

إن البحث هذا محصور في مجلة الطفل الورقية، ولكن لايمنع أنه يمكن الاستفادة منه في مجلة غير ورقية، فاللغة واحدة في المجلتين، إلا أنه من المفروض أن يكون الطفل أكثر تركيزاً على لغة المجلة الورقية، لأنه في المجلة الإلكترونية ينتقل بصره انتقالات خاطفة غير مركزة وهو يقرأ على الشاشة.‏

تعد المجلة من الوسائل الهامة في تثقيف الأطفال، والمقصود بالأطفال هم الذين تعلموا القراءة، ذلك لأن المجلة تغدو مصدراً للمتعة بما فيها من قصص مصورة وغير مصورة، كما تغدو مصدراً للتسلية بما يمكن أن تقدمه من أحاجٍ ومسائل ومسابقات تثير الانتباه وتنميه، كما في اكتشاف الفروق الدقيقة بين صورتين متشابهتين جداً.. ومن المهم جدا أن يقبل الطفل بنفسه على طلب المجلة بعد أن تقدم له أول مرة، فإن المجلة إذا لم تلق قبولاً لديه فلا شئ يرغمه على قبولها. ومثل هذه المجلة لا بد لها من مقومات شأنها شأن كل عمل جدي، وهذه المقومات تستمد أصولها من مجتمع الطفل ومن الأهداف التربوية والثقافية والتطلعات المستقبلية التي يشتمل عليها ذلك المجتمع.. فالمجلة الطفلية يجب أن تجتمع فيها السمات الواقعية والمعاصرة والتطلعات المستقبلية التي تلبي جميع مراحل الطفولة وتهيئها لما بعد ذلك.. وهذه المجلة أو تلك المجلات لا مناص لها من استخدام اللغة، سواء كان ذلك في الحكايا أو القصص أو الزوايا الخاصة بالعلوم.. أو في القصص المصورة فما اللغة المستحسن استخدامها ؟‏

إن نظرةً في أعداد مجلة العربي الصغير تبين لنا أن استخدام العربية البسيطة الفصيحة الصحيحة نحوياً ولغوياً يعد أمراً ناجحاً، لأنه يضمن التواصل بين الطفل والمجلة، ولأنه يضمن توزيع المجلة على نطاق واسع في أنحاء العالم العربي، ولا ريب أن مجموعة متعاونة من الكتاب والرسامين والمصورين والخطاطين يضطلعون ويتعاونون في إتقان هذا العمل ( 2)..‏

وبناء على ذلك نرى أن اللغة التي يجب أن تستخدم في مجلة الأطفال هي العربية الفصيحة الملائمة لمستوى الأطفال الذين توجه إليهم المجلة، ويجب حذف كل ما هو عامي حذفاً لا رحمة فيه ولا تساهل تجاهه، حتى في مجال الطرائف والنكت.. وبالمقابل فإنه على المجلة أن تقدم مادتها في تراكيب سهلة مفهومة واضحة لا تحتاج إلى شرح أو توضيح، فإذا اضطر كاتب في موضوع ما إلى استعمال كلمة ما لا بد منها فالأفضل أن تفسر فوراً..‏

قد يقال إن هذا يتطلب وجود معجم طفلي معاصر يكون بين يدي كتاب الطفولة، يهتدون به في استعمال اللغة الطفلية.. ونحن نقول: نعم.. وهذا عمل يجب أن ينجز ثم ينفذ ثم يعاد إنجازه.. حتى يكون لدينا معجم خاص للغة الأطفال في الوطن العربي.. وهناك هيئات ومختصون يعرفون كيفية القيام بمثل هذا العمل( 3). وقد يقال أيضا: إن اللغة التي تتحدث عنها هي اللغة المكتوبة، وهذه يقرؤها الطفل بعيونه، فهي لا تنمي لديه الأداء الصوتي، ولا تحثه على تحريك أواخر الكلمات.. ونقول: نعم ليس هذا ما يشار إليه من أهداف المجلة ولا من مهامها، وإذا كنا نريد أن تكون لها مثل هذه المهمة فإن زيادة في التكاليف من جهة، وزيادة في ثمن مبيع المجلة من جهة أخرى يمكّن من أن يشفع كل عدد منها بقرص مضغوط CD سجلت عليه بعض المواد الموجودة فيها على الشاشة فتنطبع في ذهنه كيفية الأداء وكيفية نطق الحروف والحركات، مما يسهم في ترسيخ الملكة اللغوية لديه، فنكون بذلك قد جمعنا بين الفائدة التثقيفية بالمطالعة وبين تنمية المقدرة على النطق الصحيح. وقد قدم المجمّع الثقافي في((أبو ظبي)) عملاً جديراً بالتقدير، وهو تقديم قصص مقروءة على نحو متقن على شريط مسجل.. إذا أحسن الطفل الاستماع إليه رسخ كثيراً من التعبيرات الصحيحة في ذهنه، ومن ذلك مثلاً أقاصيص لافونتين مترجمة عن الفرنسية بلغة جميلة صحيحة، مقدمة بقراءة ممتازة تجذب الطفل للاستماع إليها..‏

إن لغة الاستماع لم تحظ بالعناية اللازمة حتى الآن، وتقتصر العناية بها على بعض الساعات الصّفية في درس القراءة والنصوص الأدبية، وهي عناية لا تؤتي ثمرتها المرجوة بسبب اكتظاظ الصفوف بأعداد كبيرة في مدارسنا العامّة ومعظم الخاصة.. وقد كان لمسلسل ((افتح يا سمسم)) أثر إيجابي في هذا المجال، لكنه انقطع ولم يكن له خلف..‏

وقد يخطر بالبال ونحن بصدد اللغة أن لغة الكتاب المدرسي للأطفال ولغة مجلتهم هما شيء واحد بوصفهما لغة مكتوبة وكذلك لغة قصص الأطفال ..‏

وهذا وإن كان صحيحاً في ظاهره، إلاّ أن هناك فروقاً يجب أن تراعى بين لغة الكتاب المدرسي ولغة مجلة الطفل، لأن لكل منهما خصوصية ليست للآخر.. فالكتاب المدرسي يخضع لمنهج تعليمي، وموضوعاته مهما تنوعت فهي متقاربة، أما مجلة الطفل فإنها عادة تكون متنوعة الموضوعات، فهناك قسم للطرائف وقسم للعلم ومنجزاته في الفلك والفضاء والطب.. وقسم ذو طابع تاريخي يعنى بعلم من الأعلام أو حدث من الأحداث، وهناك القصة، ثم هناك قصص المغامرات المصورة، إضافة إلى موضوعات من التراث أو من الأدب العالمي، ومثل هذا التنوع يتطلب تنوعاً في لغة التعبير، وبراعة في استخدام المفردات الملائمة لسن الطفل الذي توجه إليه هذه المجلة أو تلك.. ومع ذلك يمكن أن يُقال إنه يفضل أن تكون اللغة في كل الموضوعات المعروضة لغة بسيطة، ضُبِطت فيها أواخر الكلمات أو أواخر بعض الكلمات التي تقدّر المجلة أنها بحاجة إلى ضبط، يفهمها الطفل مباشرة، لأن معظم الأطفال لن يسألوا عما لم يفهموه، إنهم سيمرون به عابرين إلى غيره.. ومما يلاحظ أن مجلات الأطفال في الوطن العربي ذات صفة عمومية، أي هي لا تخص مرحلة عمرية خاصة، فكأن المجلة مقدمة لكل طفل من سن السادسة وحتى سن الرابعة عشرة على الرغم من اختلاف المقدرة لدى هؤلاء الأطفال، ومراعاة لهذه الخلافات بسبب تفاوت السن قسمت مجلة العربي الصغير حسب التوازنات العمرية على النحو الآتي:‏

* الفئة الأولى 5-8 سنوات، ولها ثماني صفحات في وسط المجلة تحت عنوان: لأخيك الصغير ولأختك الصغيرة. وتشتمل الصفحات على مواد للعب والتدريب على مبادئ الحساب والقراءة وملاحظة الفروق الدقيقة بين الرسوم والألوان وإدراك العلاقات بين الأشياء..‏

* الفئتان الثانية والثالثة من 9-12 ومن 12-15 ولهما سائر الصفحات وقد نظر إلى أن الطفل من الفئة الأخيرة قد يستمتع بما يقدم للفئة السابقة، كما أن الناضجين من الفئة الثانية يمكنهم الاستفادة مما يقدم إلى الفئة الثالثة..‏

ومجمل ما يقدم لهاتين الفئتين هو قصص حوارية مصورة ومسلسلات تاريخية قديمة أو معاصرة من التاريخ العربي الإسلامي أو شخصيات وأحداث عالمية، أو مواد تراثية مستمدة من الأدب الشعبي بعد إعادة صوغها بلغة ملائمة للأطفال من الفئتين الثانية‏

والثالثة ( 4).‏

وأمام هذا الواقع، واقع المجلات الطفلية العامة لابد للغة المستخدمة فيها أن تكون صالحة لهذه الفئات جميعا، وكانت ندوة صحافة الأطفال في الوطن العربي التي اجتمعت في بغداد في كانون الأول / ديسمبر / 1973 أصدرت توصية نصها:‏

(( تؤكد الندوة وتلح على وجوب استعمال الفصحى دون سواها في صحافة الأطفال مكتوبة ومسموعة ومرئية، لتعزيز الملكات اللغوية، وللمساهمة في اجتياز الحواجز‏

القطرية ))( 5).‏

ومجلة العربي الصغير ملتزمة باللغة الفصيحة، كما أن هناك غيرها من المجلات تلتزم العربية أيضاً كمجلة أسامة التي تصدرها وزارة الثقافة في سورية ومجلة المختار للصغار التي يصدرها المجلس العربي للطفولة والتنمية.. وبعض المجلات تمزج بين الفصيحة والعامية.. ولاشك في أن الكتابة للأطفال باللغة الفصيحة المناسبة لهم تتطلب جهداً وبراعة ومرونة لا يملكها كل كاتب، نقل عن توفيق الحكيم أنه كتب يوم أقدم على اقتحام ميدان الكتابة للطفل (( إن البساطة أصعب من التعمق، وإنه لمن السهل أن أكتب وأتكلم كلاماً عميقاً، ولكن من الصعب أن أنتقي وأتخير الأسلوب السهل الذي يشعر السامع بأنك جليس معه ولست معلما له.. وهذه هي مشكلتي مع أدب الأطفال ))( 6). والحق أن هذه ليست مشكلته فحسب، بل هي مشكلة كثيرين، لكن الرجل صريح وواضح وبعيد من الادعاء، وغيره لا يعترف اعترافه، ورب عمل نقرأ على غلافه إنه للأطفال فنقدمه لبعض من يقرأ منهم، فلا يستجيبون له ولا يتفاعلون معه، وتقرؤه – أنت الكبير – فتشعر تجاهه بالملل لما فيه من تكلف ومن ((ثقل الدم)).‏

ولعل هذا أحد أسباب كساد كثير من المطبوعات التي يظن أصحابها أنها صالحة للأطفال، لكن الأطفال لا يتلقونها بالقبول، أما لتقعّر في لغتها وصعوبة ما في أسلوبها، وأما لعدم قدرتها على الإثارة ولضعف عنصر التشويق فيها، وإما لطغيان النصح والإرشاد والمباشرة.. وهذه كلها عناصر صارفة عن العناية بها.. لكن أين الدراسات الجادة التي تحدد لنا النموذج الأمثل الذي ينبغي أن يقدم للطفل..؟ إن الكتاب يجتهدون ويقدرون كل حسب خبرته، بعضهم يكتب قصة تاريخية لها أصل فيحورها ويشذبها ويعيد صوغها مجتهداً ظاناً أنها أضحت صالحة للأطفال.. وهذا كله مجرد تخمين.. إن المؤسسات التي تنشر مثل هذه الاعمال يجب أن تخضعها للدراسة التجريبية لترى الرأي في هذه الاعمال التي تقدم للأطفال أصالحة لهم حقا ؟ أتجذبهم إلى قراءتها ؟ أتغرس فيهم حب المطالعة.. أتزودهم بالقيم المرادة منها.. ولايكفي أن يحكم الكبار على هذه الأعمال أو يحكموا فيها..‏

إن ما كُتِب من دراسات لغوية عن لغة الأطفال ينحصر في أطروحات جامعية، اتجهت إلى دراسة اللغة في الكتب المدرسية وفي بعض قصص الأطفال ( 7).. أما البحث الخاص بلغة مجلات الأطفال في جميع مستوياته المقالية والقصصية، والقصصية المصورة والعلمية فلم يحظ بالعناية الموسعة اللازمة حسب علمنا، باستثناء أطروحة قُدِّمت لنيل الماجستير في جامعة البعث عن اللغة في مجلة أسامة، وقد غلبت على الدراسة السمة الوصفية الإحصائية، وحبذا لو أن صاحبة هذه الأطروحة كانت لها مشاركة في هذا الملتقى.‏

ولا شك في أن اللغة المستخدمة في مجلة الأطفال تختلف بل يجب أن تختلف من باب إلى باب، ومن مقال إلى قصة مصورة إلى قصة مكتوبة غير مصورة، وإن تأمُّلِنا لعدد من أعداد أي مجلة للأطفال يُبين لنا أن حجم المسلسلات المصورة يشغل حيزاً كبيراً في مجلة الأطفال في بلادنا وربما في غيرها، بحيث نجد أن الصورة تربو على النص كثيراً، ولن نتحدث عن الصور وإنما عما يكتب تحت كل صورة أو في زاويتها أو في (بالون) داخلها.. وتقدّم اللغة في هذه المسلسلات في جمل قصيرة جداً تقترن كل جملة بصورة، وكأن مهمتها أن يستعين بها الطفل لفهم ما يجري في الصورة ويبدو أنه من الصعب رفع مستوى هذه الجمل لتغدو أدبية أو شبه أدبية في مجلاتنا، فهي تكتب لتقرأ خطفاً لفهم ما يجري في الصورة فحسب، دون أن تتيح التعمق في الفهم أو محاولة التذوق والاستمتاع بالقراءة، فإذا استطاع كاتب تلك التعليقات على الصور أن يرتقي بعباراته ويمنحها نفحةً ما إلى جانب صحة اللغة التي يكتب بها غالباً فإن ذلك سيكون إسهاما جاداً في الارتقاء بلغة مجلة الطفل ودفعها نحو الأفضل، وليكون الاقتران مجدياً بين جمال الرسوم وألوانها من جهة وبين اللغة المعبرة عنها من جهة أخرى.. ونلاحظ في بعض مجلات الأطفال التي تصدر في مصر مثل هذه العبارات: دول عيال – زي الوحش – مفيش – دلوقت - ومن المستحسن أن تخلو مجلة الطفل من الكلمات والعبارات ذات الطابع العامي المحلي لأن هذا غير مستحسن تربوياً ولغوياً ولأنه يحول دون انتشارها خارج قطرها ومن المفيد هنا أن نشير إلى تقرير اليونسكو عام 1953 عن صحف الأطفال وأفلامهم وإذاعاتهم في مختلف بلدان العالم، قال التقرير عن قصص الرسوم المسلسلة في مجلات الأطفال: (( إن الرّسوم أصبحت تحتل فيها مكان الكلام، مما يضيّع على الأطفال الفرصة لتنمية ثروتهم اللغوية ويصرفهم عن بذل أي جهد في تعلم القراءة، ويجعل الكتب تبدو لهم ثقيلة‏

ومملة ))( 8).‏

وذكر هذا التقرير ملاحظات تربوية هامة إضافة إلى ملاحظاته حول اللغة، فقد لاحظ أن معظم قصص الرسوم المسلسلة تصور بطلاً خارقاً يفعل كل شيء من قتل وتدمير، وفيها حوادث عنف جنونية، دوافعها الرغبة في الانتقام والثأر والجشع. وقال التقرير: (( إن في شخصيات هذه القصص هزالاً فكرياً لايضارعه الاّ فقرها العاطفي المدقع، ويبدو هذا الهزال الفكري في الرسوم، فكثيراً مانرى الأشخاص فيها يسلكون سلوكاً حيوانياً خالصاً .. كما أن المسلسلات كثيراً ماتقف أو تنتهي عند عمل من أعمال العنف أو الجريمة، وهو مايؤدي إلى تصوير العنف للأطفال تصويراً مبهراً وكأنما فيه حل لكل المشاكل))( 9).. فإذا ماعرفنا أن كثيراً من هذه المسلسلات يترجم عن مجلات أجنبية أدركنا أن بعض مجلاتنا تنقل مايضر ولاينفع في هذا المجال، مع الإشارة إلى أنه لاعلاقة لهذه المسلسلات بما يسمى بالخيال العلمي، ولاعلاقة لها بتنمية التفكير العلمي، وقد أطلق عليها أحد الباحثين أسم ((قصص الهذيان)) التي تستعير من العلم أشكاله الخارجية دون مضمونه الحقيقي ))( 10).‏

إن البحث في لغة مجلة الطفل لايجوز أن يتجه إلى صحة اللغة لغوياً ونحوياً فحسب، فالباحثون يتحدثون عن لغة الأدب في مجلة الطفل، وهذه المجلة لاتصدر عن كلية التربية ولا عن معلمي المدارس، إن كبار الأدباء الذين كتبوا للأطفال وكان لهم حظوة ما لديهم ليسوا من المعلمين ولا التربويين، فأحمد شوقي وكامل كيلاني لم يكونا من التربويين ولا من علماء النفس، ونقل لنا أحد الباحثين قولا للكاتبة الأمريكية مادلين لنجل الحائزة على جائزة نيوبري في الكتابة للأطفال. قالت لمن شهد لقاءها من الكتاب في مصر (( في اتحاد الكتاب)):‏

((لاشيء اسمه الكتابة للأطفال، أنا أكتب ((أدباً)) من يجد لديه الرغبة في قراءته فأهلاً وسهلاً، لكنني لا أستهدف قارئاً صغيراً ولا مرحلة عمرية في كتاباتي))( 11). وأظن أن الكاتبة تشير إلى الموهبة الأدبية أولاً، وهي التي يجب أن تتوافر للكاتب سواء أكان متجهاً بكتاباته للأطفال أم لغيرهم. فإذا ما خصص توجهه للأطفال كانت موهبته الأدبية هي الأساس في ذلك وليس صحة اللغة التي يكتب بها فحسب، ومن هنا انتقد تقرير اليونسكو المشار إليه سابقاً تلك العبارات الخاطفة التي تكتب تحت الرسوم.. إن مايقدم في مجلة الطفل ليست الغاية منه تعليمية أو تربوية فحسب، إن مايرجى منه هو تنمية الذائقة الأدبية إضافة إلى إغناء الثروة اللفظية وتنمية العواطف الانسانية وتوجيهها التوجيه الصحيح، وهذا الأمر وثيق الصلة بالقضية اللغوية في المجلات الطفلية.. كتب الأستاذ عبد التواب يوسف في هذا الأمر.. قال:‏

(( إن مجلاتنا للأطفال قليلة العدد، قليلة الصفحات، والأدب في ثناياها نصيبه متواضع إزاء الرسوم ومواد التسلية، ونحن نعني به الأدب الحقيقي رفيع المستوى، إبداعا محلياً أو عربياً أو عالمياً ))( 12).‏

ومن المستحسن في رأينا أن يكون في مجلة الأطفال ركن للشعر، توضع فيه القصائد التي يختارها القراء من الأطفال ويرسلونها للمجلة.. أما الشعر الذي ينظمه الأطفال ويرسلونه لينشر باسمهم فيمكن أن ينشر منه الجيد إن وجد بعد تصحيحه وضبطه.. وذلك لما للشعر من أثر في تنمية الذائقة الأدبية وخصوصاً إذا وفقت المجلة في اختيار الشعر المناسب لأعمار الأطفال الذين تتوجه إليهم.. ومن الملاحظ أن كثيراً من الأطفال لا يقرؤون الشعر في المجلة غالباً مما يدفع إلى التساؤل: أتربيتهم المدرسية هي التي تباعد بينهم وبين الشعر أم هو إخفاق الطريقة التعليمية التي يدرسون الشعر بموجبها أم هو اتجاه عام يرغب عن الشعر وعن قراءته ؟!!‏

على كلٍ إن ما ينشر بقلم الأطفال يجب تصحيحه وضبطه، والغرض من نشره تشجيع الطفل، وحبذا لو شجع الآباء والأمهات أطفالهم على قراءة الشعر بقراءته لهم ومعهم وترغيبهم في ذلك.. ومن الطبيعي أن تكون لغة الشعر في مجلة الطفل لغة مفهومة واضحة صالحة للتنغيم والتغني، فيها من الصور مايدركه الأطفال ويستريحون إليه..‏

وعلى ذكر موسيقى الكلام وتنغيمه قد يلجأ بعض الكتاب إلى الكتابة بأسلوب السجع وهذا غير مستحسن في عصرنا إلاّ خفيفاً إن دعت اليه مناسبة أو تطلبه سياق ما في قصة شعبية يعاد صوغها أو في خبر مقتبس عن المقامات أو ماشابه ذلك، وليس حسنا ماورد في إحدى مجلات الأطفال:((ذات يوم أوصى الملك مروان، ملك بلاد الشجعان، ابنه الأمير كنعان، أمير مدينة الفرسان، أن يعدل بين الرعية، ويفرق في الحق بين فقير وغنية، ولافتى ولا صبية، وأن يحفظ حدود الله صبحة وعشية، ويضرب عصيه، ولو كانت لديه محبوبة محظية، حتى وافته المنية، وذهبت روحه إلى خالق البرية... )) ومثل قول الآخر: ((فلو أصبح أميراً ضاع من الناس الأمن.. وسكب منهم الماء والسمن ))( 13). فمثل هذا الأسلوب غير مستحسن في عصرنا ولأطفالنا، لما فيه من التكلف واستعمال بعض الكلمات غصباً لإحكام السجع دون أن يكون لها مكان.. وإلاّ فما الداعي إلى استخدام كلمة (( محظية )) وكلمة (( السمن )) الاّ الحرص على نغمة مجتلبة لا يستدعيها المعنى وليس لها ذلك الوقع الحسن.‏

كذلك يجب أن يحرص الكاتب في مجلة الأطفال أن يتجنب الألفاظ والعبارات التي لا تناسب مستوياتهم العمرية، فإذا كانت المجلة مخصصة لسن الأطفال 9-12 فلا يجوز أن تستخدم ألفاظاً أو مصطلحات لا يدركون معناها إلاّ إذا كنا بصدد شرحها لهم وتفسيرها كعبارة: الاحتمالات الرياضية، الانشطار النووي، الحرب الوقائية، الحرب الجرثومية، الطبقة الأيونية، المستوى الإدراكي، نبذ التعصب الرياضي.. وما إلى ذلك مما تجنح إليه يد الكاتب الذي ربما نسي أنه يخاطب أطفالا لا يدركون معاني هذه المصطلحات.. وقد يعمد بعض الكتاب بنية حسنة إلى استعمال بعض الكلمات بغية إشاعتها وهذا يجب أن يقيّد بشروط أهمها أنها أفضل وأدق وأخف من بدائلها المستعملة..‏

ونلاحظ في مجلات الأطفال حرصاً على ذكر الأبطال التاريخيين الذين كان لهم أثر في أحداث زمانهم وبرزوا بصفتهم قادة كباراً كأبي عبيدة بن الجراح وخالد بن الوليد وعمرو بن العاص ويزيد بن أبي سفيان وقتيبة بن مسلم ومحمد بن القاسم وغيرهم من كبار الفاتحين، كما تحرص بعض هذه المجلات على تخصيص حيز للعلماء العرب كخالد بن يزيد والخوارزمي والرازي وابن سينا والفارابي ومن في حيزهم، أضف إلى ذلك أخبار بعض الأمراء ممن عُرِفوا بالشجاعة والعدل وبعض الفضلاء ممن عُرِفوا بالتقى والورع.. فأخبار هؤلاء وأمثالهم لا يجوز أن تُنْقَل كما وردت، فلا يجوز أن أقدم أخبار فتوح الشام بلغة الواقدي ولا أخبار موقعة القادسية بلغة الطبري بل إنه يجب إعادة صوغ هذه الأخبار بلغة تناسب سن الطفولة مع الحفاظ على جوهر الخبر، وبدهي أن ما في الخبر من آيات كريمة وأحاديث شريفة وكلمات بليغة يأتي كما هو عليه كقول خالد بن الوليد عندما أدركته الوفاة أو كوصية أبي بكر الصديق لخالد بن الوليد، فهذه الكلمات المأثورة الجامعة لمكارم الأخلاق يحتفظ بها كما وردت.. لأن فكرة غرس القيم الأخلاقية والتربوية لا يجوز أن تغيب عن أي موضوع بل يجب أن تنسرب انسرابا بحيث تغزو عقل الطفل دون أن يُحِس بها أو تُفْرض عليه من الخارج.‏

وإذا كانت المادة ذات العلاقة بالتراث يمكن إعادة صوغها بما يناسب سن الطفل فماذا تفعل بالأخبار العلمية المعاصرة التي ترى بعض المجلات ضرورة إيصالها إلى الأطفال على نحو ما ؟ لا جدال في أن صوغها يجب أن يكون بأسلوب بسيط ومشوق ويقتضي الأمر هنا تبسيطاً في التوضيح وخصوصاً في المصطلحات التي تشيع دون أن يكون لها دلالة واضحة كمصطلح سفينة الفضاء وحرب النجوم وكمفهوم الذّرة وبنيتها والحركة فيها.. وطبعا لا تقدم هذه الأمور بلغة الفيزياء أو في صور معادلات وإنما تقدم وكأنها قصة مشفوعة بالصور التوضيحية وقل مثل ذلك في سائر المسائل العلمية التي يشيع تداول مصطلحاتها ونحب أن يعرف الأطفال فحواها كالتخصيب مثلاً والوقود السائل والحجر البترولي ((السّجيلي)) والماء الثقيل، والنيازك، والعواصف الشمسية وما إلى ذلك، وهذا كله وأمثاله يجب أن يشرح بلغة فصيحة مبسطة ودقيقة بقدر الإمكان، وذلك لغرس الوعي العلمي والمفاهيم العلمية والتصور الكوني الصحيح لما يحيط بعالم البشر ككروية الأرض ودورانها وعلاقتها بالمجموعة الشمسية مما يحظى بعناية خاصة عند الأطفال. وكما أسلفنا فإن استخدام اللغة الفصيحة السهلة ليس موضع جدال بين مصدّري مجلات الأطفال التي يراد لها الانتشار في الوطن العربي، وبناء عليه تبنت مجلة ((سمير)) التي صدرت سنة 1956 العربية الفصيحة لغة لها، وفي هذا السياق كتبت نتيلة راشد ((ماما لبنى)) مسوغةً اختيار ((الفصحى)) لمجلة سمير:‏

(( ونتيجة لتعدد اللهجات المحلية في الوطن العربي تصبح اللغة الفصحى السهلة، لغة الصحافة، هي السبيل الوحيد للوصول إلى لغة يفهمها كل الأطفال، تشجعهم على استخدامها في حياتهم اليومية، وتساهم في تهذيب وتنقية لغة الحوار والحديث بين الأجيال الجديدة فينمو الطفل وهو يعرف أن لغته العربية هي لغة الأم والوطن وأثمن كنز تركه الأجداد والآباء.. وتحرص مجلة سمير على عدم استخدام العامية المصرية الاّ في أضيق الحدود لاعتزازنا بلغتنا العربية التي تربطنا بأشقائنا العرب، فاللغة العربية وحدها قادرة على أن تحفظ لنا قوميتنا ووحدتنا، وعلى حفظ الهوية الثقافية والقومية، فيشب الطفل معتزاً بوطنه وأمته العربية ))( 14).‏

وبعد.. فإنه لاجدال في أهمية مجلات الأطفال لغوياً ونفسياً واجتماعياً وفكرياً، وقد كتب الكثير في ذلك في المؤتمرات والندوات والتوصيات الدولية والمحلية، وصدرت عن هذه المؤتمرات توجيهات لإصدار مجلات عدة كل واحدة تناسب مرحلة عمرية، مع توصيات بإصدار مجلة خاصة بالفتيات اللواتي فوق سن 12 سنة أو ماهو قريب من ذلك فماذا لدينا نحن العرب من كل ذلك ؟‏

* في الجمهورية العربية السورية لدينا مجلة واحدة هي مجلة أسامة /نصف شهرية أو شهرية/ تصدر عن وزارة الثقافة.‏

* في جمهورية مصر العربية هناك مجلة سمير / 1956‏

* في جمهورية مصر العربية مجلة صندوق الدنيا 1977 / ملحق لمجلة الشباب.‏

* في جمهورية مصر العربية مجلة المختار للصغار 1989 عن المجلس العربي الأعلى للطفولة والتنمية /نصف سنوية.‏

* في دولة الكويت مجلة العربي الصغير / شهرية‏

* في الجمهورية اللبنانية مجلة أحمد‏

وفيما يلي أسماء مجلات أخرى لانعلم أهي مستمرة أم توقفت:‏

* في مصر: ميكي، الفردوس، زمزم، المسلم الصغير‏

* في السودان: الصبيان، صباح، الجيل‏

* أبو ظبي: ماجد‏

* دولة قطر: حمد وسحر، مشاعل‏

* الجمهورية التونسية: بشار، أنيس‏

* دولة الكويت: سعد، المعلم، براعم الأيمان‏

* المملكة السعودية: الشبل، باسم‏

* فلسطين: الحياة‏

* ليبيا: أمل‏

* الجمهورية اليمنية: الهدهد، وضاح، مجلة الأطفال‏

* العراق: مجلتي، المزمار‏

* الجزائر: امقيدش، "جريدتي"‏

* المغرب: أزهار، مناهل‏

* لندن: سعاد وسندباد‏

* باريس: طلال‏

هذه المجلات معظمها لانعرف عنها إلاّ أسماءها، لأن توزيعها محلي غالباً باستثناء مجلة العربي الصغير ومجلة المختار للصغار.. وكلها – إذا كانت ماتزال تصدر لاتتجاوز الأربعين، وكلها موجهة إلى جمهور الأطفال الذين يجاوز عددهم في العالم العربي مئة مليون – ربما – وفرق كبير بين مالدينا ومالدى غيرنا في هذا المجال، ففي اليابان تصدر دار نشر شيكوشا مجلة شهرية لأطفال الحضانة من 3 إلى 6 سنوات وتوزع 82 ألف نسخة. وتصدر مؤسسة شوجاتكس 47 مجلة من بينها 12 مجلة شهرية للأطفال حتى سن 12 سنة، إضافة إلى مجلات طفلية للأطفال الصغار من 8 شهور إلى 12 شهراً ومن سنتين إلى ثلاث سنوات ومن ثلاث سنوات إلى خمس سنوات مما ليس لدينا منه شيء، ويبدو أنه لا أحد يفكر بإنشاء شيء في هذا الاتجاه.. هذا إضافة إلى أنه في بعض الدول مجلات متخصصة للأطفال، ففي الولايات المتحدة تصدر 338 مجلة للأطفال تخاطب الاهتمامات المتنوعة ( 15).. ولانريد الاسترسال في ذكر الأرقام ففيما ذكرناه دلالة واضحة على التقصير في هذا المجال الهام.‏

إن مجلات الأطفال سواء منها الورقية أو الإلكترونية تعد نافذة هامة من نوافذ التثقيف الذاتي، وتوسيع الأفق، وهي تشارك المدرسة في تنمية المعارف وفي التوجيه نحو هوايات مفيدة، إضافة إلى المتعة التي يجدها الأطفال في قراءة المجلة ومتابعة قصصها وحل ألغازها والمشاركة في مسابقاتها.. وإن العناية بلغة هذه المجلات والارتقاء بها يعد خدمة جلّى نقدمها للعربية في هذا العصر الذي زاحمت فيه وسائل الاتصال المسموعة والمرئية كل مجلة وكتاب.‏

أهم مراجع البحث:‏

* التفكير اللغوي بين القديم والجديد د. كمال بشر / دار غريب – القاهرة 2005.‏

* الحلقة الدراسية لعام 1990 حول مجلات الأطفال – مركز تنمية الكتاب العربي – القاهرة 1992.‏

* اللغة والتفكير د. حسن مرضي حسن – دار الفكر – لبنان 1994.‏

* اللغة والطفل. د. حلمي خليل – دار النهضة العربية – بيروت 1986.‏

* علم اللغة التطبيقي وتعليم العربية. د. عبده الراجحي – جامعة الامام محمد بن سعود 1989.‏

مجلة أسامة ومجلة سمير ومجلة العربي الصغير / أعداد مختلفة.‏

( 1) أبو المعاطي ابو النجا / العربي الصغير – من ملامح تجربة ضمن الحلقة الدراسية 1990 حول مجلات الاطفال ص237‏

( 2) البحث السابق في المرجع نفسه 229 وما بعدها‏

(3) د. محمد محمود رضوان. اللغة في مجلات الاطفال – ضمن الحلقة الدراسية 99 وما بعدها.‏

( 4) أبو المعاطي. ابو النجا – مرجع سابق 235‏

( 5) د. محمد محمود رضوان. مرجع سابق 114‏

( 6) المرجع السابق 106‏

( 7) المرجع السابق 107 – 108‏

( 8) يعقوب الشاروني – قصص الرسوم المسلسلة في مجلات الاطفال – ضمن الحلقة الدراسية: 223‏

( 9) المرجع السابق – الموضع نفسه‏

( 10) المرجع السابق 224‏

( 11) عبد التواب يوسف. أدب الاطفال في مجلاتهم. ضمن الحلقة الدراسية 128‏

( 12) المرجع السابق: 128‏

( 13) د. محمود محمد رضوان: مرجع سابق 113‏

(14) نتيلة راشد: ورقة حول مجلة سمير. الحلقة الدراسية: 188‏

( 15) المرجع السابق: 159‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244