مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 441 كانون الثاني 2008
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

الرصيد اللغوي للطفل العربي وأهمية الاهتمام بمدى استجابته لحاجاته في العصر الحاضر ـــ د.عبد الرحمن الحاج صالح/ الجزائر

إن من أهم ما يطرحه تعليم اللغات من المشاكل يكمن في اختيار المادة اللغوية والبنى والأساليب اللغوية التي يحتاج إليها المتعلم في حياته اليومية وحياته المهنية. وتفطِّن أهل الاختصاص في تعليم اللغات منذ زمان بعيد إلى ما يتصف به هذا التعليم من الحشو فيما يخص المفردات ومن الفقر أيضا (من جانب آخر) فيما يخص المفردات والتراكيب التي يحتاج إليها المتعلم. وظهرت في أوربا محاولات كثيرة في النصف الأول من القرن الماضي وخاصة في الحرب العالمية الثانية لإصلاح هذا الخلل يجعل ما يحتوي عليه التعليم اللغوي يستجيب لاحتياجات المتعلم ولا يكتفي بجانب السلامة اللغوية. وقد ظهرت أيضا محاولتان في البلدان العربية في السبعينيات ومن ذلك مشروع الرصيد اللغوي. وسنتطرق إلى موضوع الرصيد اللغوي فيما يلي مع تقديمنا (لمن يهمه الأمر) لبعض الاقتراحات لتطوير الرصيد –بما يقتضيه التطور الفكري والحضاري وتقديم خطة لمشروع جديد لاستثماره استثمارا عقلانيا وبالتالي مفيدا.‏

يعود اهتمام المسؤولين عن التربية في البلدان العربية بمفردات اللغة العربية التي يتعلمها الطفل العربي أولا إلى اقتراح الأمانة العامة لجامعة الدول العربية لما أسمته بمشروع المفردات المدرسية وذلك في مؤتمر التعريب المنعقد في سنة 1961. وكان يرمي إلى حصر الألفاظ التي يكثر تداولها بين تلاميذ المرحلة الأولى من الابتدائي. ولم يكن لهذا المشروع أي حظ من التنفيذ حتى الإعداد له لم يتم إلى أن حصل حادث هام في اجتماع الجزائر لوزراء التربية للمغرب العربي في سنة 1967. فقد اقتُرحت فيه طريقة كاملة في كيفية إنجازه وحُدّدت أهدافه بالدقة المطلوبة. فاتضح، لأوّل مرة، ما يقصد من هذا المشروع الخطير وكيف تكون طريقة إنجازه. واتفق على تسميته بمشروع الرصيد اللغوي الوظيفي. وتقرّر أن يبدأ في إنجازه على الفور. فشُرع في العمل (بين بلدان ثلاثة وهي تونس والجزائر والمغرب). وانتهى العمل في 1972 بعد أن لاقى المنجزون الصعوبات الكثيرة جرّاء عدم إدراك المسيرين الكبار لغرض هذا العمل العلمي وما يتطلبه من جهود. وأقر الوزراء الثلاثة بعد إنجازه إدراجه في التعليم ابتداء من 1975.‏

ونُشر الرصيد المغاربي في كل من البلدان الثلاثة (وقامت بذلك وزارة التربية في كل منها)، وفي العام نفسه أبدت المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم رغبتها في أن توسع الاستفادة من مثل هذا الرصيد إلى جميع البلدان العربية. فعُرض مشروع بهذا الاسم على المجلس التنفيذي للمنظمة فوافق على تبنّيه وأقرّ الطريقة التي اقترحت له. فأنشأت المنظمة لجنة للإشراف على "مشروع الرصيد اللغوي العربي" تتكوّن من ممثل لكل بلد مشارك. ويشرف هذا الممثل على لجنة محلية وهي التي كُلِّفت بإنجاز العمل في بلدها.فعينت كل وزارة تربية في كل بلد مجموعة من الخبراء للقيام بما قام به إخوانهم في المغرب العربي . واجتمعت لجنة الرصيد لأول مرة في يونيو 1976 بمقر معهد العلوم اللسانية والصوتية بالجزائر وتبنّت اللجنة في هذا الاجتماع وبعد المناقشة طريقة حصر المكتوب، ثم في 1977 تبنت أيضا طريقة حصر المنطوق. وههنا ظهرت الصعوبة فإن بعض إخواننا من المربّين لم يتبينوا ما السرّ في التسجيل لما ينطق به الطفل و من يدخل في بيئته. ثم لم يكونوا تعوّدوا، في الحقيقة، على النظر العلمي في هذا الواقع. ولم يكونوا بالتالي مستأنسين بمناهج البحث الميداني والإحصاء لهذه المعطيات اللغوية. وتواصل العمل العلمي على الرغم من ذلك سنوات مع المراقبة الدورية في كل سنة لكل ما قاموا به من تسجيل المنطوق على المسجلات ثم نسخه بكتابة مناسبة في بطاقات خاصة. ثم أُحصي كل هذا بالحواسيب في معهد العلوم اللسانية بالجزائر. ثم جاء وقت الاختيار الموضوعي لمحتوى الرصيد. فانعقدت عدة اجتماعات إلى أن خرج الرصيد إلى الوجود.‏

وانتهى العمل في 1983. أما استثماره في التعليم فسنشير إلى ذلك فيما بعد(1)..‏

فماذا كان يقصد من الرصيد اللغوي؟ والى ماذا كان يهدف؟‏

جاء في تحديد الرصيد ما يلي:‏

"يهدف الرصيد اللغوي العربي إلى:‏

"ضبط مجموعة من المفردات والتراكيب العربية الفصيحة أو الجارية على قياس كلام العرب التي يحتاج إليها التلميذ في مرحلة التعليم الابتدائي والثانوي(2) حتى يتسنى له التعبير عن المفاهيم الحضارية والعلمية الأساسية التي يجب أن يتعلمها في هذه المرحلة من التعليم" (جاء ذلك في تقرير اللجنة الفنية المكلفة بوضع تفاصيل المشروع بتاريخ 6 يونيو 1976 بعد اجتماعها الأول بالجزائر).‏

فهذا الاهتمام بمحتوى ما ينبغي أن يدخل في تعليم الطفل ـــ على اختلاف المواد ـــ من مفردات لغوية هو اهتمام قبل كل شيء بمردود التعليم اللغوي وغير اللغوي. فكثيرًا ما يشكو الناس(3) من تدني التعليم اللغوي والتعليم عامة ولا شك أن من أسباب هذا التدني هو الضعف لتعليم اللغة مع أنها الأداة الأساسية في إبلاغ المعلومات. فإن قصّر المتعلم في استعمالها لضعف تحصيله لها قصّر أيضا في تحصيل جميع العلوم والفنون. فالصعوبة في تحصيل الملكة اللغوية لا تتركز فقط في صعوبة تعلم القواعد النحوية بل أيضا في عدم استجابة المادة اللغوية التي يجدها المتعلم في نصوص الدرس اللغوي وغيره لما يتطلبه التعليم الناجع المفيد. فبما تتصف هذه النصوص التي تقدم للطفل الصغير؟‏

فكإجابة عن هذا التساؤل يجدر بنا أن نذكر ما قاله الاختصاصيون من المشرفين على مشروع الرصيد في مقال لهم تحت عنوان المشاكل التربوية اللغوية المتعلقة بالرصيد الذي يتعلمه الطفل العربي. جاء فيه ما يلي:‏

"إن تصفّح العلماء لحصيلة المفردات التي تقدم الآن للطفل في الوطن العربي قد أظهر عيوبا ونقائص كبيرة في هذه الحصيلة. أما من حيث الكم فقد لوحظ أن الكمية من الألفاظ التي " يتناولها " المتعلم، بالنسبة إلى مدرسة مغربية أخذت كنموذج في السنة الرابعة من الابتدائي فقط، من خلال الدروس ومطالعـاته للكتب المقررة يبلغ ما يقرب من 2.500 مفردة. فهذه الكثرة الهائلة إذا اقترنت بكثرة التراكيب وتنوعها تنوعا كبيرا من جهة، وغرابة المفاهيم التي تحملها هذه الألفاظ الجديدة بالنسبة للطفل من جهة أخرى صارت دافعا قويا على توقف آليات الاستيعاب الذهني للطفل. أما من حيث الكيف فقد لوحظ أيضا أن الكثير من هذه المفردات لا تستجيب لما يحتاج إليه الطفل في حياته اليومية (والمستجيب له بالفعل في هذا الميدان وفي الوقت الراهن هو، مع الأسف، ما يجده في اللغات الأجنبية وما تقتبسه منها العاميات المحلية). هذا وقد يكثر فيها المترادف من الألفاظ ونعني بذلك الكلمات التي تؤدي معنى واحدا وتدرج في الكتاب الواحد وأحيانا في الدرس الواحد وقد لا يحتاج المتعلم إلى جميعها. ثم إن هناك مفاهيم حضارية تنتمي إلى عصرنا الحاضر ومسميات كثيرة كمثل الأدوات والملابس والمرافق المختلفة فلا يجد لها الطفل فيما يتلقاه في المدرسة لفظا عربيا أصيلا يعبر به عنها وهذا خطير جدا. وقد أُحصيت هذه الأشياء منذ زمان في عدد من الكتب المدرسية العربية (من المستوى نفسه) وتبين للاختصاصيين أن عدد المفردات التي وجدت في هذه الكتب (هي وحدها) يبلغ ما يقرب من الألفين غير أنها لا تغطي وليس تحتها إلا 600 مفهوم ! فهذا يدل على وجود حشو يتمثل في كثرة المترادفات من جهة ومن جهة أخرى على الفراغ المهول الذي تتسم به المادة اللغوية الملقنة في مستوى المعاني والمفاهيم. ثم لوحظ زيادة على كل ما ذكرناه أن اللفظ الواحد قد يستعمله مؤلفو الكتب (وهم واضعو النصوص في هذا المستوى) للدلالة على مسميات مختلفة والسبب في ذلك هو أنهم لم يجدوا في الاستعمال العادي ألفاظا عربية مختلفة يختص كل واحد منها بمسمى واحد. وهذا يعتبر عيبا في مصطلحات العلوم والفنون بل وفي لغة التعليم التي لا تحتمل الغموض والاشتراك الملبس.‏

الحل: ضبط الرصيد اللغوي الأمثل:‏

"فالشعور بكل هذه العيوب وهذه النقائص قد أدى ببعض المربين وعلماء اللغة العرب إلى القيام بأعمال علمية في المغرب العربي أعمال مماثلة ثم تحت إشراف المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم. ووُضع لهذا الغرض برنامج في سنة 1976. والمأمول هو الحصول على قائمة من المفردات موحدة مفصلة بحسب الأعمار.‏

2) مزاياه وفوائده:‏

أــ سيتم بهذا الرصيد الوظيفي [إذا استثمر كما ينبغي] توحيد لغة الطفل العربي والشباب العرب عامة. فبما أنه قد اشتركت في استخراجه وتحريره وضبطه جميع الدول العربية واتفقت هذه الدول على إدخاله في التعليم والاعتماد عليه في تأليف الكتب المدرسية وتسييره في جميع المؤسسات ذات التأثير على الجمهور فانه سيتم بذلك توحيد لغة المتعلمين وذلك من موريتانيا إلى الخليج.‏

ب ـــ سيستجيب لما تقتضيه نواميس التربية السليمة وحضارة العصر الحديث وذلك لأنه:‏

لا يشتمل على أكثر مما يحتاج إليه الطفل في سن معينة من عمره (وفي مرحلة معينة من مراحل تعلمه) ولا ينقص عن هذا القدر أو بعبارة أخرى لا يقل عن الحد الأدنى الذي يحتاج إليه التلميذ ولا يتجاوز الحد الأقصى الذي يكون ما بعده سببا لتضجر التلميذ وعيفه للغة نفسها (فيتفادى بذلك الحشو الذي يثقل ذاكرة الطفل بما لا يحتاج إليه من الألفاظ الغريبة والمترادفات الكثيرة للمفهوم الواحد والألفاظ العُقْمية التي اختفت مفاهيمها من الحياة اليومية والعصرية.‏

وينبني هذا التصور وهدف الرصيد على تثبيت الصلة بين اللغة والمدرسة من جهة وبين لغة التخاطب اليومي من جهة أخرى بحيث يستطيع التلميذ أن يعبر عن كل ما يختلج في نفسه وعن متطلبات العصر في يسر وسهولة (إذ يجب أن يغطي الرصيد كل الشبكة من المفاهيم التي يجب على الطفل أن يكتسبها وتمده المدرسة كذلك بلفظ عربي يعبر به عن المفهوم الذي لا يجد له لفظا فصيحا فيما يسمعه ويقرأه).‏

يتفادى به أيضا الاشتراك في اللغة العلمية والفنية ومن ثم يتفادى الغموض وعدم الدقة (ونعني بذلك أن لا يكون في القسم العلمي والتقني من الرصيد لفظ مشترك فيه أكثر من معنى وخاصة ما يدل على المسميات التي يجب أن تختلف أسماؤها كأنواع الحيوانات والنباتات والأدوات والأجهزة وغير ذلك وكثرة المشترك هو السبب القريب لعدم الدقة التي نلاحظها في كتابات التلاميذ وخصوصا في تعبيرهم عن المفاهيم الخاصة بالحياة المعاصرة.‏

ويُستوفى بالرصيد شرط لازم من شروط التربية الناجحة وهو التدرج والتسلسل المنطقي للعمليات التعليمية إذ يمكن به أن تخطط المادة الملقنة نفسها بتوزيع الألفاظ على مختلف الصفوف وبحسب ما تقتضيه سن المتعلم ومداركه ومستواه الذهني الطبيعي.‏

فيعتمد في ذلك على اللفظ الفصيح المشهور وعلى القدر المشترك منه في الاستعمال بين البلدان العربية.‏

ثم إن هذا لا يمنع أن يتعلم الغريب والشاذ وشوارد اللغة ونوادرها كل من يرغب في ذلك أو يريد أن يتخصص في فقه اللغة فيما بعد إلا أن هذا الرصيد هو الذي يحتاج إليه أي متكلم في عصرنا في حياته اليومية و هو يلائم سن التلميذ ومدى نضجه العقلي ويستجيب لمتطلبات العصر والدقة العلمية ويسهّل الاتصال بين جميع العرب فهذا القدر هو الذي يجب أن يتعلمه المتعلم قبل أي نوع آخَرَ". انتهى (4).‏

فالعيبان الأساسيان اللذان تتميز بهما النصوص المدرسية (في كل ما ليس علميا وفي بعض الكتب العلمية أيضا) هما كثرة المفردات التي لا يحتاج إليها الطفل –وحتى الراشد- وفي الوقت نفسه غياب لأسماء المسميات الحديثة من الحياة العامة. فهناك حشو وخصاصة في الوقت نفسه. وهذا في نظرنا، هو أحد الأسباب في صعوبة تكيّف العربية الفصحى ومواكبتها للعصر وما يترتب على ذلك من القصور –ويبدأ ذلك من المدرسة- بل وإقصائها من تعليم العلوم والتكنولوجيا في الجامعات (وليس هو السبب الوحيد). وذلك لأن ما يتعلمه الأطفال في المدرسة من الألفاظ التي تدل على مفاهيم ضرورية للحياة هو شيء قليل فيبحث الطفل عنها في لغة أخرى ويستنقص بذلك العربية الفصحى بل وينفر منها لحشوها و يزدريها لنقائصها. وهذا ذنب الآباء الناطقين بهذه اللغة لا ذنب اللغة الفصحى.‏

ولابد من التوضيح أن المشرفين على الرصيد لم يريدوا من تصفية لغة التعليم من الحشو إخراج كل مترادف فقد كان في علمهم أن استعمال اللغة في جميع الأحوال الخطابية يحتاج فيه المتكلم أو الكاتب إلى رصيد وظيفي يستجيب لجميع الحالات التي يكون عليه المتكلم والكاتب. وهذا يقتضي أن تكون فيه زيادة تتجاوز القدر المضبوط. فالمتكلم إنسان وقد تخونه ذاكرته فيعجز عن التعبير فيُفحم لعجزه في بعض الحالات عن استحضار الكلمة اللائقة بالمقام. وإنما مقصودهم، في الواقع، هو أن يتجنّبوا في الرصيد الحشو بمعنى الزائد على الحاجة  في إبلاغ الغرض. وهذا معنى الحشو عند علماء البلاغة. وليس هو الزيادة المفيدة التي لها وظيفة وذلك مثل: قام ونهض، ونام ورقد، وطلع وصعد وارتقى، وجلس وقعد وغير ذلك فكل هذه الألفاظ كثيرة التداول ــ حتى في المنطوق ــ والجمع بينها في اكتسابها ليس حشوًا وقد يكون بين كل منها ومرادفها فارق دقيق قد اختفى الآن أكثره ولا يعرفه إلا من اطلع على كتب فقه اللغة القديمة. وأمثال هذه المترادفات ضرورية في أي خطاب كان. فالزيادة الوظيفية غير الحشو وهي ظاهرة جدّ طبيعية. أما المشترك من الألفاظ فهو أيضا طبيعي. فما من لغة في الدنيا إلا ولها مشترك وقد يفوق غيره عددا ولولا هذا لكان استعمال اللغة والتعامل معها مكلِّّفا جدّا. والمعروف عن عمل الإنسان أنه مبني كله على الاقتصاد في المجهود. ويمس الاقتصاد ههنا المجهود العضلي والمجهود الذاكري. وهذا يعمّ كل خطاب في أي حال من أحواله وفي أي موضوع من موضوعاته. فإن كانت اللغة تمتاز كلها باشتراك المعاني في كل ألفاظها العادية –وهو سرّ من أسرارها- فإن استعمالها في حالة خطابية معينة وهو جانب آخر لا يحتمل أبدا الاشتراك. ويعرف كل واحد أن الكلمة لا يكون لها في الكلام المحصَّل إلا معنى واحد وهو الذي يقصده المتكلم وذلك بفضل السياق والقرائن الحالية. أما اللغة العلمية فتحتاج من جهة أخرى إلى الدقة في أقصى صورها ولا تحتمل اشتراك المعاني في اللفظ الواحد لا في الخطاب فقط بل في وضع الكلمة المعجمي أيضا. فهذا لا يتناقض مع وجود المشترك ـــ وشموله في اللغة ــ لأن كل علم يخصص أصحابه بعض ألفاظه ــ وهي مصطلحاته ــ لمعاني علمية وتقنية بالوضع أي بإحداث لفظ جديد أو باقتباس لفظ من اللغة العادية وإعطائه مدلولا واحدا في داخل هذا العلم هو وحده.‏

أما فيما يخص الألفاظ التي خرجت عن الاستعمال منذ زمان بعيد وصارت من غريب الألفاظ فإن كانت تدل على مسمى قد اندثر هو أيضا فلا يدخل في الرصيد إلا عدد قليل منها وبشرط أن يكون هذا المسمى اشتهر في التاريخ وخاصة في التراث العربي الإسلامي وتبقى لها صفة الطرافة التاريخية كعبارة "عِمْ صباحًا" أو عبارة "طويل النجاد" أو ما جاء في الأمثال المشهورة. وهذا لا يستعمل في الأحوال الخطابية في مكان ما يرادفها بل ولا بد من أن يتحاشى في الرصيد الكثير من الغريب الذي لا يعرفه المثقفون أنفسهم. فهذا أيضا حشو.‏

أما عن النقص الذي تتصف به لغة النصوص التي تقدم للطفل فهو يخص غالبا الحياة المعاصرة. والطامة الكبرى في ذلك أن أكثر الناس لا يشكون من هذه الخصاصة بل وقد لا يشعرون بها لأنهم تعوّدوا أن يعبروا عن هذه الأشياء بالعامية وحدها وأحيانا باللفظ الأجنبي لأنه صار ميزة يتميزون بها ــ ويتباهون بها أحيانا. فجعلوا دور العربية الفصحى هو دور اللغة الأدبية أو الدينية بل وأبعدوها من ميدان النشاط المنتج ومن العلوم والتكنولوجية خاصة، دون ما شعور منهم.‏

وقد كان العلماء في القرن الماضي وما قبله يحاولون أن يضعوا الألفاظ الجديدة لكل ما يحيط بهم من المسميات المحدثة. بل ووضع الشعب نفسه كثيراً من الألفاظ لتغطية حاجاته اللغوية. وكم من كلمة فصيحة تستعمل الآن لمسمى محدث عادي لم يقترحه العلماء ولا المجامع اللغوية كالقطار والسيارة والطيارة والحوالة والطرد وغيرها. وكان المجمعيون الأولون كأحمد الاسكندري رحمه الله وزملائه من مجمع القاهرة وأعضاء المجمع العلمي بدمشق يحاولون طيلة أعمارهم أن يجدوا لفظا عربيا قديما يمكن أن يدل ولو بالتقريب على ما أُحدث في زماننا من المسميات. فانقلب الأمر منذ أن غاب عنا هؤلاء بدعوة أن التعريب للفظ الأجنبي أي الاقتباس من لغة أجنبية هو ظاهرة عامة الوجود. فهذا صحيح إلا أن الاقتصار على الاقتباس في إثراء اللغة ثم طغيانه قد يكون سببا في تشويهها ومسخها وذلك بإزالة ما تتصف به من خصائص اشتقاقية وتصريفية قد لا يخضع لها اللفظ الأعجمي. ومن المعروف أن النظام النحوي الصرفي هو أهم خصائص اللغة بل هو المكوّن لهوية اللغة فإذا زال أكثره زالت معه هويتها ومعها هوية الناطقين بها.‏

والذي امتاز به الرصيد المغاربي هو ما حاول أصحابه من سدّ للثغرات اللغوية الموجودة في لغة التعليم، فقد تكاد كتب القراءة في الابتدائي والثانوي تخلو كما سبق أن أكّدنا عليه، من كل اسم أو فعل عربي للدلالة على أقرب الأشياء اليوم إلى المواطن مما لم يكن موجودا قديما لان المؤلفين يريدون أن يحافظوا على العربية غيرة منهم عليها بإبعادها عن الألفاظ العامية أو الأعجمية. ولم يحاول أحد منهم في الوقت الحاضر أن يستبدل تلك الألفاظ غير الفصيحة بالفصيحة لأنه قد لا يجدها في الاستعمال وقد لا يجد لها ما يقوم مقامها تماما. والنتيجة هي هذا الفقر المدقع الذي أشرنا إليه فيما يخص الحياة اليومية المعاصرة وهي كارثة عظيمة لا يقدر لها تقدير. وعوضا أن يتهم في ذلك الناطقون باللغة العربية أنفسهم، فإنهم يتهمون،كما قلنا، اللغة العربية بعدم ملاءمتها للعصر وهي بريئة يتراءى فيها عجز أصحابها ليس إلا.‏

هذا ولم يتردد المشرفون على الرصيد المغاربي أن يدخلوا فيه كثيراً من الألفاظ التي خرجت عن الاستعمال منذ زمان لأنها تدل على مسمّى قريب جدا من المسمى المحدث. ونجد مثل ذلك في كثير من المأكولات والملابس والأواني والأدوات وأعمال البيت والزينة وأقسام المنزل والزخرفة وغير ذلك. ومنها ما لا يزال مستعملا في عامية بعض البلدان وهو فصيح في الأصل. ثم لجأوا أيضا إلى ما كانت المجامع تفعل من استعمال المجاز وصوغ الكلمات الجديدة من مادة أصلية تدل على مفهوم عام يمكن أن يدخل فيه المفهوم المحدث وغير ذلك. هذا ولم يمتنعوا من اللجوء إلى اللفظ الأعجمي إذا لاحظوا أنه تغلب على اللفظ العربي الأصيل الذي اقترحته المجامع لأنه قد يوحي لفظه وجرسه إلى المعنى لشدة امتزاجهما في أذهان الناس وقد تكسوه هالة شديدة الإشعاع ونمثل لذلك بكلمة واحدة وهي "الإلكترون" وما يشتق منه. وهذا أمر طبيعي إذا لم يمس سلامة اللغة وعبقريتها.‏

ويؤسفنا أن نقول بأن الرصيد العربي الذي ضبط بعد المغاربي لم يجرؤ أصحابه على تقديم النوع الأول من الألفاظ (المندثر منه والمشتق) لأنه غريب ظنا وخوفا منهم أنه لا يُقبل الناس عليه بل وقد يستهزؤون به(5). فهذا هو الموقف نفسه الذي يقفه مؤلفو الكتب المدرسية وقد اشرنا إلي ذلك فيما سبق: الاشمئزاز من كل كلمة لا تدخل فيما يعرفه المؤلف (والمعلم أحيانا هو نفسه) من مفردات العربية. وهو بذلك قصير النظر جدا. فهو يتجاهل تماما ما للمدرسة من قوة في ترسيخ الألفاظ والأساليب في أذهان التلاميذ لأنها تمثل عندهم النموذج الأمثل الذي يجب احتذاؤه والاعتماد عليه هو وحده. ثم يتجاهل المؤلف أو المعلم ما لوسائل الإعلام وخاصة التلفزة الآن من التأثير العميق الشامل على الناظرين وخاصة الأطفال والتأثير اللغوي والفكري هو أقواه. فالحكومة الذكية هي التي تستغل هذا التأثير فهلا تستغله لنشر وذيوع ما يوضع من ألفاظ عربية فصيحة تقوم مقام العامية والألفاظ الأجنبية ولا سيما في لغة التخاطب؟‏

ثم إن كل كلمة جديدة هي غريبة فإذا دخلت في رصيد التلميذ ثم يسمعها بكثرة في التلفزة والإذاعة فقد خرجت من غرابتها.‏

ثم لابد من التذكير أن النصوص المدرسية(غير العلمية) نوعان: نصوص صدرت من كُتّاب وأدباء أو صحفيين أو رجال السياسة وغيرهم ونصوص يضعها مؤلفو الكتاب المدرسي. فالأولى أصيلة يتراءى فيها الاستعمال الحقيقي للغة. واللجوء إليها ضروري جدا إلا أنه قد لا يراعى في اختيارها المبادئ التربوية الأساسية ومنها ملاءمة المستوى اللغوي والفكري للمدارك العقلية للمتعلم ويصعب العثور على النصوص الأدبية الراقية التي تستجيب لهذا المبدأ فلا مانع من وضع النصوص ولكن يتم ذلك على مقاييس دقيقة. ويمكن أن يصفى النص الأصيل من غريبه وهذا أيضا يستلزم مهارة كبيرة. ويدخل الرصيد في هذا النوع من النصوص من كتب القراءة وما يقارب ذلك ولابد أن يأتي باستمرار على لسان المعلم ويسمعه باستمرار التلميذ (فالسمع أم [تّعلم] اللغة كما قال ابن خلدون) ثم نأمل أن يقبل عليه مذيعو التلفزة والمنشطون فيها حتى تتم الفائدة ودورهم عظيم في ذلك.‏

وسنُقدم فيما يلي المنهج الذي سار عليه المنجزون للرصيد المغاربي والرصيد العربي ورأينا أن نضيف إليه بعض الأشياء نقترحها ليكون أكثر تجاوبا مع تقدم البحث العلمي. وغرضنا من ذلك هو تحديث هذا الرصيد القديم وتجديد محتواه أولاً والتفادي للقصور الذي أصابه لشتى الأسباب ثانيًا. ثم، وقبل كل شيء، ليستثمر استثمارا كاملا في جميع البلدان العربية.‏

نبذة عن الطريقة التي اقترحتها لجنة الرصيد وعمل بها المنجزون للرصيد مع اقتراحات نعرضها على من يهمه الأمر لتحديث الرصيد واستثماره.‏

ـــ المبادئ العامة:‏

ـ المرجع الأساسي هو واقع الاستعمال للطفل ولمحيطه الأقرب، والغاية الأولى هو تحديد ما يشترك فيه الأطفال العرب من مفاهيم وألفاظ في سنّ معينة والمفاهيم العلمية التي لا بد من معرفتهم إياها.‏

ـــ من ثم تكون المعطيات التي ستجمع وينطلق منها ثلاثة: ما يقرأ الطفل من الكتب وما يكتبه وما يسمعه وما ينطق به في محيطه،‏

ـــ ويعتمد على شبكة من المفاهيم العالمية الشهرة لتغطية كل ما يحتاج إليه الطفل‏

كيفية إنجازه والمقاييس العامة:‏

تُحصر هذه المعطيات على شكل عينة كبيرة في كل بلد ثم يحصى تردد عناصرها في كل نوع من ذلك في كل بلد(6) ثم يقاس توزعها على البلدان العربية كلها (ورودها أو عدم ورودها وكم مرة) بالتمييز بين الفصيح وغيره‏

تحصر شبكة المفاهيم العالمية التي تمثل ما يعرفه الطفل ضرورة في البلدان الراقية من المفاهيم غير العقائدية (زيادة على المفاهيم الخاصة بالأمة العربية والإسلامية)،‏

تحصى كل الخانات الفارغة في المعطيات (مدونة الطفل ومحيطه) وهي الخانات التي تملأها دائما أو غالبا لفظة مغرقة في العامية (وتختلف من بلد إلى آخر ومن إقليم إلى آخر) أو ألفاظ أعجمية وقد يعثر على لفظ فصيح هنا وهناك، وذلك على مقياس الشبكة من المفاهيم المذكورة أعلاه‏

تضع لجنة من أهل الاختصاص الألفاظ التي ستملأ هذه الخانات بالبحث في التراث أو فيما وضع في زماننا أو تجتهد في وضعها بطرق الوضع المعروفة.‏

يتم اختيار الرصيد بإقرار الكلمات الفصيحة أو ما هو على قياسها:‏

* الأكثر شيوعا والأكثر توزعا في الوطن العربي‏

* الأكثر ترددا في النصوص بالنسبة لمرادفاتها إذا تعددت‏

* ما يكون أكثر إيحاء للمعنى‏

* الأكثر قبولا للاشتقاق والتصريف‏

أما المفردات الجديدة المقترحة والتي لم تدخل في الاستعمال فيطبق عليها المقياسان الثالث والرابع. وتفضل الكلمة الفصيحة التي تؤدي المفهوم المحدث إذا كانت مستعملة ولو في بلد واحد (ولو في جهة واحدة) على غيرها مما وُضع.‏

تقوم لجنة من العلماء في اللغة والتربية وتعليم العربية بعمل الاختيار المؤقت على هذه المقاييس.ثم تعرض بوسائل الإعلام على الجماهير من المثقفين في كل بلد (تعرض على المعلمين والأساتذة والمفتشين والمشتغلين في وسائل الإعلام) وتحصر الأجوبة ويتم الاختيار النهائي بالاعتماد على ما اختارته الأكثرية في كافة البلدان.‏

هذا وتقام قائمة ألفبائية للمفردات المقترحة (بعد الاختيار الأول) على شكل معجم وبالصور وقائمة أخرى عن مجالات المفاهيم (كل مفردة تدخل في مجال من الحياة العامة وتعرض هاتان القائمتان على الجمهور ممن ذكرنا).‏

أما الطريقة العلمية في التدوين والتسجيل للمعطيات الكتابية والشفاهية وطريقة استجواب الأطفال ومحيطهم وأنواع الأسئلة واختيار الأماكن والأشخاص الذين سيسجل كلامهم وأنواع الموضوعات التي يحتوي عليها في الاستجواب فكل هذا قد أعده المنجزون للرصيدَيْن المغاربي والعربي فيمكن أن يُراجع.‏

ثم يتم استثمار ما اتفق عليه فيدخل الرصيد في الكتب الخاصة بالمعلم والخاصة بالتلاميذ و ينبغي أن تدخل في جميع الكتب: القراءة والتاريخ والجغرافيا وغيرها ولا يكتفى بكتاب واحد أبدا وإلا حصلت فوضى. وههنا يجب أن تلعب وسائل الإعلام دورها الحاسم في ذيوع الرصيد باستعمالها الواسع له وبعد كل سنة تقوم لجنة من الاختصاصيين بتقويم تجربة الرصيد وإثرائه من جديد وبكيفية دورية.‏

(1) هذا وكان لي الشرف أن قدمت بحثا عن هذا العمل ـــ سواء منه المغاربي والعربي- في مؤتمر اللسانيات التطبيقية في بروكسل في عام 1984. وكذلك فعل الأستاذ أحمد العائد المسؤول التونسي للرصيد المغاربي بالنسبة للرصيد المغاربي في مؤتمر المستشرقين في 1975.‏

(2) كان هذا الهدف في البداية إلا أن صعوبة العمل الجماعي المنظم والإصرار على مراعاة منهجية علمية دقيقة اضطر المسؤولين على الاكتفاء بالمفردات وعلى المرحلة الابتدائية.‏

(3) وما يزالون يشكون ولن تزول شكواهم مادام المسؤولون غير مبالين بأهمية البحوث العلمية الميدانية وفوائدها العظيمة لمضاعفة مردود التعليم. فأما الرصيد اللغوي فلم يتم استغلاله إلا في جهات قليلة جدأ.‏

(4) وثيقة المنظمة العربية حول الرصيد. تونس 1981.‏

(5) وقد حذف آخر من نظر في هذا الرصيد كل هذه الألفاظ بدعوى أنها غريبة فحذف بذلك أهم ما كان يهدف إليه الرصيد الوظيفي من سدّ الثغرات اللغوية.‏

(6) فيما يخص الرصيد اللغوي العربي فقد أحصيت بالنسبة للمكتوب: 636.482 مفردة بما فيه المكرر (الكتب المدرسية وكتابات التلاميذ) وبالنسبة للمنطوق المسجل: 1.600.738 مفردة (كلام الطفل وكلام من يحاوره من محيطه).‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244