|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
مؤثرات في اكتساب لغة الطفل الأسرة والمدرسة والمجتمع منظور تكاملي (لغة الطفل والواقع المعاصر) ـــ د.عبد النبي اصطيف هل ثمة من داع لمعاودة الحديث عن لغة الطفل واكتسابها والبحث في دور الأسرة والمدرسة والمجتمع في تشكيلها؟ قد يقول قائل: لقد حققت المجتمعات العربية، على تفاوت درجة تطورها، من التنمية في مختلف وجوهها ما يجعل الحديث عن أمر كهذا لغواً لا طائل منه. فالأمية قد اختفت أو كادت تختفي، من هذه المجتمعات، والمدارس الحديثة قد انتشرت في مختلف مرابع الوطن، ومعلمو هذه الأيام أفضل بما لا يقاس من شيوخ الكتاتيب، والكِتاب ميسور للجميع بأشكال متنوعة كان مجرد تخيل بعضها ضرباً من الإسراف والشطط الخيالي الذي يُنسب عادة إلى عوالم السحر والجن، وأجهزة الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية تستعمل اللغة بكفاءة أيما كفاءة، وثورة الاتصالات مست جميع وجوه اللغة العربية ويسرتها، بل إن جُل أنظمة التشغيل ومحركات البحث في عالم المعلوماتية غدت ميسورة بالعربية، وبالتالي فإن الأمة قد تجاوزت مشكلات البحث في لغة الطفل والمؤثرات المختلفة في اكتسابها، وهذه المشكلات لا تعدو كونها صفحة من صفحات ماضيها الذي خلفته وراءها مع ما خلفت من مظاهر التخلف الذي عاشته قروناً عديدة، والأمة، والحمد لله، تعيش عالم الألف الثالثة بكل ثقة وطمأنينة، بل إنها قوة فاعلة في هذا العالم، تنتمي إليه، وتسهم فيه، وتسعى جاهدة إلى الارتقاء بمختلف وجوه حياة مجتمعاتها، ملبية تطلعات جميع شرائح هذه المجتمعات، ومختلف فئاتها، مقدمة لها جميع ما تصبو إليه. ومع أن هناك من يدافع بحق عن وجهة النظر التي تقدمت، غير عابئ بما تثيره في نفوس المنغمسين في مراقبة الواقع العربي المعاصر من استغراب ربما يصل إلى درجة الاستنكار، فإن ثمة وجهة نظر أخرى تتحدث عن خوف متنام، وبخاصة بين محبي العربية والحريصين عليها، على هذه اللغة في عصرنا هذا، عصر العولمة، بما حققته الاتصالات فيه من ثورة هائلة من جانب، وما تشكله اللغات الأخرى، ولا سيما اللغة الإنكليزية، من جانب آخر، من تهديد لها في مختلف وجوه الحياة العربية، ولا سيما في ميادين التجارة وعوالم المصارف والمال والاتصالات والإعلام والتعليم والبحث العلمي. ويكفي المرء أن يذكر بتنامي عدد الجامعات الخاصة التي تنتشر انتشار الفطر في مختلف الأقطار العربية، والتي تغري شبابنا، وأهلهم، بتقليعة استعمال الإنكليزية لغة للتعليم تيسر لحاملي شهاداتها فرص عمل أفضل في عالم أوسع ألغت العولمة معظم حدوده، وما سبق ذلك، وما تزامن معه بعدها، من انتشار للمدارس الخاصة التي تفخر بتعليم أطفالنا اللغات الأجنبية منذ نعومة أظفارهم، وتتقاضى تحت هذه الذريعة ثمناً يتجاوز أحياناً ثلثي دخل الأسرة المتوسطة الحال. والحقيقة أن ثمة من يتحدث عن خطر يحدق بالعربية قد يبلغ في يوم قريب أو بعيد مرتبة التهديد بانقراضها، وقد انقرضت لغات عديدة بإهمال أهلها لها، ومزاحمة غيرها لها في مختلف المجالات، ولينظر أحدنا إلى لغة أطفالنا وإلى ما يعانيه أبناؤنا من مشكلات في تعلم لغتهم الأم، حتى بات التفكير في إتقانها: قراءة وكتابة وحديثاً أمراً عصياً على أرفع شرائح المجتمعات تعليماً. ومعنى هذا أن ثمة ما يدعو إلى التفكير في لغة أطفالنا وفي المؤثرات المختلفة التي تسهم في تكوينها، وقديماً قالوا إن التعلم في الصغر كالنقش في الحجر، وما لَمْ يتقن المرء لغته الأم في مرحلة الطفولة فإنه واجد لا محالة صعوبات كبرى في إتقانها في مراحل متقدمة من العمر، وإرادة المرء تتفاوت قوة وضعفاً، ولكنها تضعف عادة بالتقدم في السن، وبالتالي فإن تدارك الأمر في بداياته ربما كان من الحكمة بمكان لأنه يدخل في باب الوقاية التي هي خير من ألف علاج، والتي هي بالتأكيد أقل تكلفة من الناحية المادية مادمنا بتنا ننظر إلى جميع أمورنا نظرة محكومة بالجدوى الاقتصادية التي تنصرف إلى التفكير في التكلفة والعوائد قبل كل شيء، متجاوزة الخوف على هوية الأمة وأمنها المعرفي الذي يضمن بقاءها في عالمي التاريخ والجغرافية معاً. مهما كان الأمر، فلندع واقع اكتساب اللغة العربية لدى أطفالنا يقرر درجة أهمية المسألة، ولننظر في مصادر لغة الطفل العربي وسبل اكتسابه للغته الأم. يكتسب الطفل ما يسمى بلغته الأم Mothers tongue من ثلاثة مصادر رئيسة هي الأسرة والمدرسة (في مختلف مراحل الدراسة فيها: رياض الأطفال، التعليم الأساسي بحلقتيه الأولى والثانية إذا كنا نتحدث عن القطر العربي السوري، ومرحلة التعليم الابتدائي، ومرحلة التعليم الإعدادي إن كنا نتحدث عن الأقطار العربية الأخرى) والمجتمع. ويتم اكتسابه هذا من خلال تعلمه، بالمحاكاة في الغالب، أنساقاً لغوية Language Patterns تجسد مختلف مستويات النظام اللغوي الخاص باللغة العربية، أو ما يعرف بالفرنسية بـــ Langue، وبالإنكليزية بـــ Language system، يسمعها الطفل بداية من أمه أو أحد أفراد أسرته الصغرى والكبرى ويحاكيها، (والمحاكاة، كما يذكرنا أرسطو، من أهم طرق التعلم الإنساني) منخرطاً في عملية تفاعل يومي يشترك فيها الشعور واللاشعور معاً، وتتم في سياقات contexts تتسم في الغالب بالدفء العاطفي والحميمية، وتتزامن، وبخاصة في مراحلها المبكرة، مع معززات مهمة جداً للاستيعاب والفهم من مثل لغة الإشارة Language of Signs ووسائل الإيضاح الطبيعية المرئية والمسموعة والملموسة، وغيرها. بعدها يأتي دور المدرسة التي تنمي حصيلة الطفل من هذه الأنساق اللغوية وتغنيها بمزيد من النصوص المستمدة من الموروث القومي والإنساني من جانب، ومن النصوص الوثيقة الصلة بالواقع المعيش من جانب آخر. واستناداً إلى هذه الحصيلة تبدأ عملية استكشاف منظم لمستويات النظام اللغوي الذي يحكم إنتاج اللغة واستعمالاتها المختلفة، من خلال استيعاب تدريجي ومتنام لهذه المستويات: المعجمية، والصوتية، والفونولوجية، والدلالية، والتركيبية، والصرفية، والإنشائية وغيرها، يفترض أن يبني في نفس الطفل القدرة competence على استخدام هذا النظام بالكفاءة المطلوبة: قراءة وكتابة وحديثاً. ويتزامن مع هذا الدور المنظم الذي تؤديه المدرسة في عملية اكتساب الطفل للغة تطبيقاً ونظراً، الدور المستمر للأسرة والمجتمع اللذين يعززان ما تقدمه المؤسسة التعليمية والتربوية الرسمية أو الخاصة من معرفة لغوية بشكل خاص، تحدد في نهاية المطاف أداءه اللغوي Performance الذي يحدد بدوره تفكيره وتعبيره وتواصله مع الآخرين في مجتمعه وتواصله مع الموروث المدون بلغته الأم والمواريث المنقولة من الثقافات الأخرى إلى هذه اللغة. وبعد هذا الإجمال العام لفسح اكتساب الطفل العربي لغته الأم، لننظر بشيء من تأمل إلى واقع هذه الفسح. فسح اكتساب اللغة 1ــ الأسرة: يكتسب الطفل لغته الأم mothers tongue بداية، من أسرته. واكتسابه هذا يقوم ـــ كما قدمنا ـــ على المحاكاة، حيث تتلفظ الأم أو الأب أو الأخ أو الأخت أو الجدة أو الجد أو غيرهم من أفراد الأسرة بنسق لغوي Pattern قصير أو طويل فيحاكيه الطفل بطريقته الخاصة ويتقنه بالتدريج بعد تدخل الراشد الذي يقوم بتصحيح نطقه له إلى أن يتمكن من نطقه بالمستوى الذي يرضي ملقنه. والراشد في الأسرة غالباً ما يستعمل اللغة المحكية، التي يمكن أن تكون مغرقة في عاميتها، ويمكن أن تكون كذلك فصيحة تبعاً لمستوى الراشد وعادات استعماله للغة، وسلامتها، ومدى انسجامها مع النظام اللغوي. والتفاوت بين العامية والفصحى يتحدد بالبيئة الأسرية وشروطها التي تحتضن عملية المحاكاة هذه. فالطفل الذي يعيش في بيئة مدنية ضمن أسرة نووية تقتصر على أب متعلم مثقف وأم متعلمة مثقفة، ويظفر باهتمام مستمر من أمه المتفرغة لتربيته والأب المتلهف للقائه بعد يوم عمل في الوظيفة، سيكتسب لغة ربما كانت أقرب إلى الفصحى من لغة طفل يقطن في المدينة كذلك غير أنه يعيش في أسرة فقيرة يعمل أبواها خارج البيت ويتركان أمر العناية به للجيران أو لمربية تعنى بأكثر من طفل أو للظروف التي تسمح بها أوضاع الأسرة. ولغة الطفل الذي يعيش في كنف أسرة ريفية يرى فها جديه المتقدمين في السن أكثر مما يرى أبويه اللذين يعملان سحابة يومهما في الحقل ستكون بالتأكيد أبعد عن اللغة الفصيحة من لغة أي من طفلي المدينة المذكورين. وعندما يبدأ الطفل بالحركة والتنقل تتسع دائرة محاكاته لتشمل أترابه من أطفال الأسرة الصغرى أو الكبرى، أو من أطفال الحي، الذين يمضي معهم جزءاً من وقته، وتشمل كذلك أجهزة الإعلام المسموعة والمرئية فضلاً عن فسح أخرى كالسينما والمسرح إن كان أهله من روادهما، ولغة هذه الدائرة لغة تتراوح كذلك بين العامية والفصحى، بل بين مستويات مختلفة لكل منهما ـــ مستويات تتفاوت كذلك فيما بينها تبعاً لطبيعة المؤسسة الإعلامية واللغة السائدة فيها، وطبيعة نظرتها إلى قضية الازدواج اللغوي الموجود في المجتمعات العربية، وإلى دورها في تنمية المشاعر القومية وتعزيز أواصر القربى بين أفراد هذه المجتمعات. وبالتالي فإن ما يحدث هو عملية إغناء مستمر لرصيد الطفل اللغوي، وتعميق لوعيه بالعالم الذي يحيط به من خلال هذه الأداة الساحرة، التي يستوعب العالم من خلالها. 2ــ رياض الأطفال: بعدها يدخل الطفل روضة الأطفال التي تتفاوت مستوياتها بين الأقطار العربية من جهة، وبين المدينة والريف، وبين العاصمة والضواحي من جهة أخرى، ولكنها تيسر فسحة مهمة للطفل ينعم فيها بدفء العلاقة التي يقيمها مع أترابه إذ يلهو معهم ويلعب ويمارس ما يحبه بإشراف معلم أو معلمة خبيرة تقوم مقام أمه وتعنى به عناية شاملة في تلك الساعات المحدودة التي تنشغل بها الأم في عملها الوظيفي أو المهني وتضطر إلى تركه، أو تلك التي تودها أن تكون تهيئة مناسبة تعد الطفل لمرحلة التعليم الأساسي وتيسر اكتسابه اللغة والمعارف الأخرى. والملاحظ أن اللغة في رياض الأطفال تكون كذلك مزيجاً من العامية والفصحى، وقد تعمد بعض رياض الأطفال إلى البدء بتعليم لغة أجنبية واحدة أو أكثر إيماناً منها بأن التعلم في الصغر كالنقش على الحجر. وعندها تحتوي ثروة الطفل اللغوية على ثلاثة عناصر: العامية والفصحى من لغته الأم، واللغة الأجنبية التي يرطن بها في الروضة والبيت ويبهج بها أبويه وأفراد أسرته ويسعدهم ويضحكهم بها في كثير من الأحايين. 3ــ المدرسة: بعدها تأتي الحلقة الأولى من مرحلة التعليم الأساسي حيث يبدأ بتعلم لغته كتابة وقراءة وحديثاً وإلقاءً وفق مناهج وطنية يقوم عليها معلمون مختصون مؤهلون تربوياً ومعرفياً. وإذا كان الازدواج اللغوي بين العامية والفصحى قد بدأ يطل برأسه على خفر ثم على استحياء فيما سبق من فسح اكتساب اللغة، فإن هذا الازدواج يتعمق في نفس الطفل بين لغة فصيحة يمارسها في الصف الدّرسي قراءة وكتابة وحديثاً، ولغة عامية يمارسها في باحة المدرسة وفي البيت وفي الحي، ولكن المهم في هذه المرحلة هو أن الطفل يبدأ بتعرف جوانب ومستويات مختلفة من النظام اللغوي تتناسب مع مستوى تقدمه الدراسي من جهة، وأن الأنساق اللغوية Language Patterns التي يتعرفها هنا تتسع، من جهة أخرى، لتغدو نصوصاً متكاملة من موروث أمته الثقافي وروائع أدبها منتقاة بعناية شديدة وفق ما يراه خبراء التخطيط التربوي وواضعو المناهج اللغوية. وهكذا يستمع الطفل إلى قصص باللغة الفصيحة إلى جانب ما سمعه من قصص بالعامية في أسرته أو في الروضة، وينشد شعراً فصيحاً إلى جانب الأغنيات التي حفظها بالعامية من أترابه وأسرته والمشرفين عليه في روضة الأطفال. وسرعان ما يجد نفسه موزعاً بين لغتين يفترض في كل منهما أن تكون لغته الأم، وعلى الرغم من وشائج القربى الوثيقة بينهما فإنهما تبدوان له لغتين متمايزتين التمايز كله على مختلف المستويات الصوتية، والتركيبية، والدلالية، والصرفية، والإنشائية، ويتعمق هذا التمايز في نفسه عندما ينصح بداية بالتزام اللغة الفصيحة في المدرسة ويشجع على استعمالها ويلزم بها ويحاسب في النهاية على خرق أي من مستوياتها. ولا يختلف الحال عن سابقه عندما يدخل الطالب الحلقة الثانية من مرحلة التعليم الأساسي أو المرحلة الإعدادية، باستثناء أن عليه أن يأخذ مسألة إتقانه للعربية الفصحى على نحو أكثر جدية، لأن نجاحه ورسوبه ومن ثم انتقاله إلى المرحلة الثانوية مشروط بالنجاح فيها، والنجاح هنا أو التلكؤ في تحقيقه يعني تحديداً لمستقبله الذي يمكن أن يكون في التعليم العام أو التعليم المهني، أو ربما انصرافه التام عنهما معاً، وانخراطه في الحياة العملية من خلال تعلم مهنة يرجو أن يكسب بها قوته وقوت أسرته التي يتطلع إلى تكوينها في قابل أيامه. والمهم في هذه المرحلة أن اللغة العربية تتحول من أداة للتعلم إلى موضوع يمكن أن يكون خفيف الظل محبباً قريباً من قلبه وعقله إن حالفه الحظ بمدرس ممتاز، ويمكن أن يكون كذلك موضوعاً بغيضاً ثقيلاً على النفس والقلب والعقل، يغدو في نهاية المطاف شراً لابد منه، أو كابوساً لابد مِن معايشته حتى يتخلص منه في المرحلة اللاحقة إن أمكن. ومما تنبغي الإشارة إليه في هذه المرحلة أن هناك من بات ينافس عربية المدرسة الفصحى الآن وهو: * عربية وسائل الإعلام وبخاصة عربية التلفزيون بأفلامه ومسلسلاته التي يغلب عليها العامية بلهجة قطرية ما (مصرية أو سورية أو لبنانية أو خليجية أو مغربية أو غيرها). * واللغة الأجنبية التي نمت معرفة الطالب بها فانطلق يردد أغانيها حيناً، ويستخدم بعض عباراتها حيناً آخر، وربما يستعين بها في استكشاف بعض المواقع على الشابكة العالمية حيناً ثالثاً. والخلاصة أن الفسحة الثانية المهمة في اكتساب اللغة، والتي هي المدرسة، تخضع لضغوط شديدة من خارجها، ولا تسمح أوضاعها في معظم الحالات بإكساب الطالب لغة عربية فصيحة سليمة يمكن أن يستخدمها في القراءة والكتابة والحديث، وتظل العربية الفصحى لغة خاصة بالمؤسسة التعليمية لا تبارحها في فسح المجتمع الأخرى التي تغلب عليها العامية. وإذا كان من المفترض أن يكفل النظام التربوي في ختام مرحلته الأساسية تمكن الطالب من لغته الأم قراءة وكتابة وحديثاً، فإن المرء لا يمكنه إلا أن يأسف أشد الأسف وهو يشير إلى الإخفاق الذريع لهذا النظام في مختلف الدول العربية في إكساب الطالب العربي المستوى المطلوب من إتقان العربية الفصحى(1). وإذا ما تذكر المرء أن اللغة ليست مجرد أداة للتعبير فحسب، وأنها ليست أداة تواصل مع الآخرين ومع التراث فقط، وأنها، وهنا تكمن خطورتها، أداة للتفكير أيضاً، فإنه لا يسعه إلا أن يحزن على ما يخلفه المستوى المتواضع للغة العربية الفصيحة في المؤسسات التعليمية من تأثير سلبي في تفكير النشئ الجديد. 4.ــ المجتمع العربي: والحقيقة أنه إلى جانب إخفاق النظام التربوي في إكساب العربي لغة عربية فصيحة سليمة، نجد أن الفسح الأخرى لاكتساب اللغة في المجتمع العربي لا تعزز ما يكسبه هذا العربي ـــ على تواضعه ـــ من مستوى لغوي، ولا ترتقي به، والعربية الفصيحة التي يفترض بالنظام التربوي والتعليمي أن يكفل اكتسابها من جانب الطفل العربي، تزاحم وفي مختلف الفسح، من جانب: * للغة العربية المفعمة بالأخطاء الشائعة، وبالتراكيب والاستعمالات الأجنبية، وبالكثير من الدخيل عليها من اللغات الأخرى، والتي تسود وسائل الإعلام المقروءة والمرئية والمسموعة. * اللغات الأجنبية وبخاصة اللغة الإنكليزية التي تسود عالم رجال الأعمال، وتُستعمل على نحو واسع في المصارف والدوائر المالية، وفي عالم الطيران، والاتصالات الدولية، والخدمات المالية والصحية (أحياناً)، فضلاً عن البحث العلمي (ومن ينشر بلغة أجنبية في مجلة دولية محكمة، يبدو في نظر بعضهم أرفع شأناً ممن ينشر بالعربية في دورية عربية محكمة) الذي باتت اللغة الإنكليزية لغة مرغوبة فيه، حتى إن بعض المؤتمرات التي تنعقد في البلاد العربية تفضلها على العربية ليس فقط بوصفها لغة لما يلقى فيها من أبحاث، بل لما يدور فيها من مناقشات أيضاً، ولا سيما في مجالات العلوم الهندسية والطبية والطبيعية والبحتة فضلاً عن المعلوماتية. وعندما يتحدث المرء عن مزاحمة اللغة الإنكليزية اللغة العربية في البحث العلمي في الجامعات الحكومية، وفي التدريس في الجامعات الخاصة، في بلد مثل الجمهورية العربية السورية، التزم العربية منذ مطلع القرن الماضي لغةً للتدريس في مختلف كليات جامعاته بما في ذلك كليات الطب والصيدلة والهندسة والعلوم والمعلوماتية، فإن هذه المزاحمة تغدو شيئاً آخر في الأقطار العربية الأخرى التي تدرس بالإنكليزية أو الفرنسية العلوم الطبية والهندسية والطبيعية وغيرها، شيئاً هو أقرب إلى مزاحمة الغزال للنملة التي لا أمل لها حتى في رؤية السابق في نهاية الميدان. * اللغة العامية بلهجاتها المختلفة والتي باتت تسود لغة الفضائيات العربية في أفلامها ومسلسلاتها وفي برامج الحوار والأحاديث، حتى إنّ تطعيم تقديم بعض البرامج بالعامية بات كالملح مكوناً ضرورياً من مكونات لغة الإعلام المرئي. وإذا ما أضفنا إلى ما تقدم ما يلاحظه المرء من إهمال للعربية الفصيحة في المجتمعات العربية المختلفة: * تدريساً في مختلف مراحل التعليم الأساسي والثانوي والجامعي حتى إن بعض المحاضرين باتوا يدرسون النحو العربي بالعامية. * دراسةً وتأليفاً أين هم من خدمة العلماء الأوائل للغة العربية: جمعاً وتأليفاً ودراسة. ويكفي المرء المقارنة بين ما ينتجه الإنكليز أو الفرنسيون والإسبان من كتب ومعاجم وكتب تعليم للغتهم وبين ما ينتجه العرب حتى يتبين مدى عقوق العرب المعاصرين للغة القرآن. فإننا يمكن أن ندرك مدى عمق الأزمة التي تعاني منها اللغة العربية في عقابيل ازدواجها، أو استعمالها المزدوج، في مختلف المجتمعات العربية. ولعل بارقة الأمل الوحيدة التي تخفف من مأساوية وضع الفصحى هو الإقبال المتنامي على حفظ القرآن الكريم، ودراسته على مختلف المستويات، ولكن هذا الإقبال يظل غير قادر على دفع العربية في ميدان العلوم والمعارف الحديثة التي لا تقوى فيه على المنافسة مع اللغات الرئيسة الأخرى في العالم. وفضلاً عما تقدم، فإن المجتمعات العربية، التي فُتنت بالأنموذج الغربي (على تفاوت فيما بينها) وغدت تحاكيه محاكاة تقريد أكثر منها محاكاة تقليد، أصبحت تميل إلى استخدام اللغات الأجنبية، وبخاصة الإنكليزية والفرنسية والإيطالية والإسبانية والألمانية، في لافتات محلاتها وفي علاماتها التجارية وفي إعلاناتها التسويقية، تغري بها سياح بلدانها، وترى فيهم مصدر دخلها الأكثر أهمية، لاهثة من ناحية وراء القطع الأجنبي، ومغرية أو مغوية للاستثمارات الأجنبية من ناحية أخرى. وأخطر مما سلف كله، أن اللغة العربية لم تعد الوعاء المعرفي الذي كانته للحضارة الإنسانية، كما كان حالها في العصور الوسطى. فما ينتجه العرب من بحوث علمية في مختلف مجالات المعرفة والعلوم والتقانة باللغة العربية أقل مما تنتجه أية دولة متقدمة، بل إن ما ينتجه الكيان الصّهيوني من بحوث يحرص أصحابها على نشرها باللغة العبرية أكثر بكثير مما تنتجه الدول العربية مجتمعة، ومعنى هذا أن الطفل العربي الطامح إلى تنمية معارفه وتعميقها لن يستطيع أن يلجأ إلى ما ينتج بالعربية من معارف لأنها لن تطفئ ظمأه المعرفي بأي حال من الأحوال، وعليه أن يتقن لغة أجنبية يستطيع من خلالها أن يرضى طموحه العلمي في الارتقاء بمعارفه وحقل تخصصه مهما كان هذا التخصص لصيقاً بهويته. والخلاصة أن الطفل العربي يكتسب لغته الأم في بيئة تعيش شكلاً من الانفصام اللغوي، الناجم عن الفجوة الواسعة بين العربية الفصحى والعربية المحكية أو العامية في مختلف المجتمعات العربية، وعلى الرغم من الآمال الكبيرة التي علقت على دور محو الأمية وانتشار التعليم في هذا المجتمعات في تضييق هذه الفجوة، فقد أدى انتشار اللغات الأجنبية وتواضع الخدمة التي يقدمها العرب المعاصرون للغتهم، التي يفترض بها أن تكون لغة العلم والمعرفة بحق، إلى تراجع مستوى إتقان العربية الفصحى في المجتمعات العربية إلى درجة باتت تشكل خطراً بيناً على وجود اللغة ذاتها. واستشعار هذا الخطر لا يقتصر على الغيورين على اللغة العربية من الباحثين وعلماء اللغة وأعضاء المجامع اللغوية، بل بات أمراً يتحدث عنه القاصي والداني، حتى وصل الأمر برئيس الجمهورية العربية السورية مؤخراً إلى تخصيص جزء من خطاب القسم للحديث عن أهمية اللغة العربية والتنبيه على ما يتهددها من خطر، إذا لم يعن العرب بها العناية اللائقة. مقترحات وآليات مهما كان الأمر فإن وجود ما يشبه الإجماع بين صفوف العرب المعاصرين على وجود المشكلة وعلى ضرورة مواجهتها بشتى الوسائل، يشجع المرء على التقدم بجملة مقترحات(2) يرجى لها أن ترتقي بمستوى العربية الفصحى المعاصرة لتكون أداة الطفل العربي الأولى في التفكير والتعبير والتواصل مع الآخرين، ومع تراثه والمواريث القومية الأخرى المدونة بها والمنقولة إليها. * وأول هذه المقترحات هو إقامة دورات توعية خاصة للأبوين ينصرف الاهتمام فيها إلى تعليم الأبوين الطرق المثلى في إكساب أطفالهم لغة عربية سليمة ومعافاة قريبة من الفصحى. ويمكن أن تكون هذه الدورات دورات محلية تقوم عليها مؤسسات المجتمع المدني أو الريفي مثلما يمكن أن تكون دورات قومية تستعين الدولة بأجهزة الإعلام المقروء والمسموع والمرئي على تنفيذها. والغاية من هذه الدورات تذكير الوالدين بضرورة تكامل دورهم مع دوري كل من المدرسة والمجتمع في تشكيل لغة أطفالهم بغرض تحقيق الاتساق والانسجام المطلوبين في مساعي المؤسسات الثلاثة إلى خلق لغة عربية فصيحة سليمة لدى الأطفال العرب تؤدي الوظائف المرجوة منها بوصف اللغة أداة للتفكير والتعبير والتواصل مع الآخرين. * وثانيها تعزيز دور مجالس أولياء التلاميذ والمعلمين التي يفترض بها أن تقود عملية التكامل مع جهود الأسرة والمدرسة ومسعاهما المشترك لبناء الطفل لغوياً ومعرفياً واجتماعياً، والتنبه إلى ضرورة تحقيق الانسجام والاتساق بين البيت والمدرسة في الجانب اللغوي من هذا البناء، حتى لا تتسع الفجوة ما بين اللغة التي يعيشها الطفل في بيته واللغة التي يستعملها في المدرسة. * وثالثها تشكيل مجلس يضم نخبة من الآباء/ أو الأمهات، والمربين، وخبراء التربية واللغة يشرف على برامج الأطفال التي تبثها أجهزة الإعلام المسموعة والمرئية، ويسهم في تقريب لغة هذه البرامج من اللغة العربية الفصيحة من جهة، وفي تحقيق الانسجام بين هذه اللغة ولغة المدرسة ولغة البيت، بغرض خلق نوع من الوحدة التي تعزز الثوابت في النظام اللغوي الذي تستند إليه لغة الطفل العربي في هذه المرحلة الحرجة. * ورابع هذه المقترحات العناية بمنشورات الأطفال التي توضع بين أيديهم سواء أكانت هذه المنشورات مجلة، أم كتاباً دورياً، أم كتاباً مدرسياً، أم كتاباً عاماً، أم قرصاً مدمجاً، أم كتاب تلوين قصصي، أم دائرة معارف مبسطة أم غير ذلك، واستعمال لغة مناسبة للفئة العمرية المستهدفة بهذه المنشورة تكون في آن معاً سليمة معافاة وقريبة من أفهام قرائها أو مستعمليها. وربما كان من الحكمة أن يتم تشكيل لجان مشتركة من وزارات التربية، والثقافة، والإعلام، والشؤون الاجتماعية والأوقاف. تشرف على هذه المنشورات وتراقب مدى انسجام لغتها مع لغة الطفل في البيت والمدرسة واتساقها فيما بينها حتى لا تكون هناك أية فجوة بين استعمالات اللغة فيما بين هذه المؤسسات. * وخامس هذه المقترحات قيام الحكومة بضبط الإعلانات الطرقية، والإعلانات الإذاعية والتلفزيونية، حتى لا تستخدم فيها اللغة المحكية المغرقة في محليتها، ولا تتضمن مفردات أجنبية، تستخدم تحت ذريعة وصول الإعلان إلى المستهلك وتشجيعه على شراء المنتج المعلن عنه بأقرب الطرق إلى نفسه، رغبة في تحقيق المكاسب الاقتصادية المرجوة لصاحب الإعلان الذي يمول المؤسسة الإعلانية. * وسادس هذه المقترحات هو قيام الحكومة ومؤسسات المجتمع المدني بمراقبة اللافتات وأسماء المحلات التجارية وإعلاناتها فضلاً عن مراقبة العلامات التجارية التي ينبغي أن تكون عربية إذا ما كان المنتج عربياً، أو تُعرّب إذا ما كان المُنتج أجنبياً، والتنازل الوحيد الذي يمكن أن يقدم في هذا المجال هو السماح باستخدام الشعار الخاص بمؤسسة هذا المنتج. * وسابع هذه المقترحات هو الإفادة من أماكن العبادة في تعزيز التكامل بين مساعي المؤسسات الثلاثة إلى بناء لغة الطفل العربي والتنبيه المستمر على ضرورة وجود حد أدنى من الانسجام والاتساق فيما بينها. ويمكن أن يذكر المرء في هذا المقام: * خطبة الجمعة في المساجد * وقداس الأحد في الكنائس * ومعاهد الأسد لتحفيظ القرآن الكريم التي ينبغي أن تستوعب الأطفال المسلمين وغيرهم إذا ما كانوا يرغبون في ذلك، وليس ثمة ما هو أكثر جدوى في الارتقاء بلغة الطفل من حفظه للقرآن وتلاوته وفقاً لأحكام التجويد. * الدروس الدينية والمواعظ التي تلقى في المناسبات المختلفة. وأخيراً ينبغي على الراشدين أن يتنبهوا إلى سلامة لغتهم في تعاملهم اليومي، لأنهم يمثلون القدوة التي يحاكيها أطفالهم، ومن الضرورة بمكان أن يحاكي هؤلاء الأطفال كل سليم ومعافى مما يسمعون من الممارسات اللغوية، ولا ننسى في هذا المقام أن العرب القدماء كانوا يرسلون أولادهم إلى الصحراء ليكتسبوا اللغة العربية الفصيحة بالسليقة من خلال السماع والمحاكاة، وإذا كان أمراً كهذا يذكر اليوم من باب الحنين إلى الماضي الجميل فإن من الأهمية بمكان التنبه إلى مغزاه وهو ضرورة توفير المُناخ الصحي المعافى لممارسة اللغة في المجتمع، لأن هذا المُناخ هو الأساس الذي يستند إليه الطفل في اكتسابه للغته الأم، ولا يتحقق هذا المُناخ إلا بتكامل مساعي مختلف المؤسسات الاجتماعية التي تسهم في تشكيل لغة الطفل، والارتقاء بها لتكون الأداة الأهم في تحقيق انسجامه مع مجتمعه والتواصل معه، وفي التعبير عما في نفسه من أفكار ومشاعر، وفي التفكير تفكيراً سليماً معافى، وإذا كنا نؤمن بأن العقل السليم لا يكون إلا في الجسم السليم، فإن علينا أن نتذكر كذلك أن التفكير السليم لا يكون إلا باللغة السليمة. (1) كثيرا ما يطرى طلاب الشهادات العليا من ماجستير ودكتوراه في أثناء مناقشات رسائلهم في أقسام اللغة العربية وآدابها بسلامة لغتهم، وكأن الحصول على شهادة عالية في اللغة العربية وآدابها شرط لازم لإتقان العربية في المجتمع العربي المعاصر. (2) يصدر صاحب هذه السطور في مقترحاته عن تجربة تقرب من أربعة عقود في مختلف مراحل التعليم الأساسي والثانوي والجامعي في القطر العربي السوري، فضلاً عن تجاربه العديدة في عدد من الدول العربية (الجمهورية اليمنية، والمملكة العربية السعودية) والأجنبية (المملكة المتحدة، والولايات المتحدة الأمريكية، وإسبانية، وأسترالية). |
|
| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |