|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
أثر الأدب في عالم الطفولة ـــ أ.د.حسين جمعة لم يعد أحد يجادل في عالم الطفولة باعتباره يكتنز براءة ويتشيأ طموحاً وأملاً.. ويجسد الطبيعة البشرية عاطفياً وجسدياً وفكرياً على أكمل وجه، وهو عالم لا يحتمل الخطأ في التعامل، فأي خطأ سيترك أثره البعيد والمستمر؛ ولن يزول بسرعة، ومنه ما يبقى إلى نهاية الحياة. وما من عدوان يقع على هذا العالم أسوأ من تشويه نفس الطفل وعقله، بل ما من قتل أبشع من قتل النمو الصحيح لشخصية أي طفل، وقتل مشاعره النبيلة في بداية حياته. فالطفل كائن فطري حي يتفاعل مع بيئته وثقافتها وقيمها بالصورة الملائمة لتتكامل طبيعة ووظيفة، ولكن ما نشهده يسير بصورة غير صحيحة.. ومَنْ ينظر في مسيرة الطفل العربي خلال أواخر القرن العشرين يلحظ ما جرى في تربية الروح الثقافية والأدبية والروحية خاصة، وكأن هناك سلسلة متصلة من الأذى والأخطار تحيط به، ولاسيما تلك التي وقعت بسبب الحروب والجرائم الوحشية للاحتلال الصهيوني والأمريكي. ويبدو لي أن العربي لم يُفد من الإخفاقات المتلاحقة في عدم استكشاف ظواهر الكون قديمها وحديثها، وكذلك لم يُفد – كثيراً – مما وصل إليه الغرب من تقدّم علمي وتسخير ذلك لدراسة عالم الطفولة. " فالعلم يرى أن الطفولة شريحة واسعة، وهي عماد الغد، والتعامل معها يتطلب الركون إلى نتائجه... فمثلاً كانت هناك عناية بتتبع مراحل نمو الطفل، وتحديد الصفات التي تميز كل مرحلة من مراحل الطفولة، مثل: تحديد عدد الكلمات التي يكتسبها الطفل خلال سنوات عمره.... وإلى جانب ذلك ظهرت الدراسات الميدانية التي اعتمدت على أدوات في البحث أكثر تطوراً ودقة... وعلى هذا الأساس وجدنا دراسات تعنى بالطفل ضمن الأسرة من خلال دراسة واقع الأسرة والمناخ السائد فيها...."( 1) وعليه؛ فإذا كانت الثقافة صنو التربية الدينية والأخلاقية في حياتنا فإن الأدب والفن قادران على تنمية الذائقة الجمالية المرهفة. لهذا يحاول كل منهما أن يغذي الجمال النفسي الأخلاقي ويرتقي به إلى آفاق عليا تربي الأنموذج الثقافي والفني المستقبلي، ما يعني أن المدخل التنموي الثقافي ـ وحده ـ لا يقتصر على إنجاز البرامج التعليمية في المراحل العمرية المبكرية؛ وإنما يعني تأكيد الذات الحضارية والجمالية من خلال تقديم أنماط أدبية وفنية راقية وجذابة سواء كانت مكتوبة أم شفاهية. وحينما يقدّم أحد الأدباء إبداعه بين يدي الطفولة أياً كان جنس الإبداع الذي ينتجه، فإنما يخوض تجربة جديدة يستمدها من ذلك العالم قبل أن يستلهمها من رهافة مشاعره، وسعة تصوره، ودقة تجربته، باعتبار ما يرمي إليه في تربية الذائقة الجمالية لدى الطفل فضلاً عن تربية الوعي الفكري والأخلاقي نفسه. وهنا يصبح لزاماً على الأديب المبدع أن يعيش في صميم عالم الطفولة؛ يدخل إليه كأنه جزء منه، ليستشعر كل ما ينطوي عليه؛ لينتج له أدباً يناسبُ طبيعة الأطفال وميولهم، ولهذا قيل: غنوا معهم، والعبوا معهم. فالانخراط، ثم الاندماج في مرحلة الطفولة يخلّص الأديب من الأصوات الزائدة، التي لا تتناغى مع الخبرة التي يُنتجها التفاعل مع هذه المرحلة، مما يصقل موهبة الإبداع المتخصصة لديه لإنتاج أدب طفلي راقٍ.. يهدف إلى إثراء أفكار الطفل وتنمية قدراته العقلية بتعميق معرفته بالحياة وإدراك العلاقات الناشئة فيها في ضوء النقد والتحليل، والارتقاء بأنماط سلوكه الأخلاقي نتيجة تغذيته المستمرة بالفضائل النبيلة والقيم المفيدة، ليصبح رجل المستقبل القادر على تحمل المسؤولية نحو مجتمعه، ومواجهة المشكلات الناشئة دون خوف أو تردد، أو قلق أو اضطراب. ولعل هذا الاندماج يختلف كل الاختلاف عما يعرف في المجال التربوي وفق مبدأ (اللعب من أجل التعليم)؛ لأن الأديب يختلف عن المربي من جهة الهدف والوظيفة، والطبيعة.. علماً بأن الأديب قد يلتقي معه في اكتشاف درجات التعلم ومستوى الثقافة فضلاً عن التوجيه والإرشاد الأخلاقي، بيد أن هذه الفروق تكون بين يدي المبدع أشد حساسية ودقة مما يقوم به المربي، لأن الأديب يتوخى إنتاج أدب رفيع لتنمية الشخصية الأدبية والروحية من خلال تنمية المشاعر والتذوق الذاتي، وزيادة الثروة اللغوية، وامتلاك الأسلوب اللغوي السليم، وإدراك أسرار جماليات الخيال والصور، والقدرة على التمييز بين الأجناس الأدبية... فأدب الأطفال لا يختلف من جهة النوع الأدبي عن أدب الكبار وعناصره وإنما هو تعبير فني جمالي تصويري ووجداني يستجيب لكل مرحلة عمرية عاطفةً وعقلاً، ومستوى ثقافياً. وفي ضوء ذلك فإن ما نشهده في عالم الكتابة للأطفال هذه الأيام يثير الشفقة، فلا هو يتطابق مع ما ذهب إليه الأجداد من التلمذة الراقية وبخاصة ما انتهى إليه رائد التربية العربية القديمة ابن خلدون الذي سبق العصر الحديث إلى كثير من مكونات الطفولة التي عرفها الغرب، ولا هو يستجيب الاستجابة المطلوبة لما جاء به رائد التربية الحديثة الفيلسوف الأمريكي (جون ديوي John Dewey ـ 1859 ـ 1952م) الذي أسس مفاهيم الارتقاء بالطفل على مبادئ مراعاة ميول الطفل ورغباته، وعقله وسنه وجنسه.. ومن يقف عند عدد من الأشكال الأدبية الموجهة إلى الأطفال في القصة أو المسرحية أو الشعر أو الخاطرة والمقالة، أو... يدرك أنها أشكال أدبية لا تختلف عمّا يوجه إلى الكبار اللهم، إذا استثني بعض المضامين باعتبار الطفل رجلاً صغيراً... لهذا، فكثيراً ما أتناول قصة للأطفال كتبها أحد الأدباء ولكني لا أعثر فيها إلا على ما يناسب الكبار فكراً ومشاعر، فضلاً عن المرارة والألم التي تسود لغة تلك القصة، فالقصة ـ وإن كانت مجموعة من الأحداث المنتظمة في سياق قصصي من البداية إلى النهاية، وإن كانت شديدة التنوع، خرافية، وحقيقية، بشرية، وحيوانية، أسطورية وعجائبية، ومتخيلة وعلمية، دينية وأخلاقية، اجتماعية وسياسية، تاريخية وواقعية، فكاهية وساخرة، ذهنية ونفسية، وإن انتمت إلى قصص البطولة والمغامرة، والقصص الشعبية، وقصص الخيال التاريخي والعلمي( 2)،... ـ يجب أن ترتبط بمبدأ التناسب مع مرحلة الطفولة من حديثي السن إلى اليافعين، ثقافة ولغة، عقلاً ومشاعر، وتراعي كينونة الطفل الزمانية والمكانية والاجتماعية... وبهذا تختلف عن القصة المكتوبة للكبار وإن امتلكت عناصرها. ومثل هذا يقال في المسرحية وكذا يقال في المقالة أو الخاطرة اللتين تتكئان على صدر ومتن وخاتمة، فهما تنتجان طبيعّتهما ووظيفتهما من التناسب والتكامل بينهما وبين المراحل العمرية للطفولة. ومن ثم فإني حاولت ـ غير مرة ـ أن أستشعر ما يستجيب لذوق الطفولة في أشعار هنا وهناك كتبت للأطفال فإذا بي أقع على نظم مرصوص، متكلف، ترتاع منه القلوب... اللهم إذا استثنينا تلك اللغة الشعرية الفطرية التي نجح فيها الشاعر الكبير سليمان العيسى وعدد قليل من الشعراء الذين كتبوا للأطفال... فالشعر ليس مجرد انتقاء للألفاظ؛ وتنسيق للأساليب الجميلة، وليس مجرد إيقاع لطيف خفيف سريع، متوازي النغمات؛ وإنما هو شكل أدبي فني جميل يحمل وظائفه الفكرية والنفسية والاجتماعية، الذاتية والموضوعية، ويعبر عن التجربة بصدق وحيوية، وهي تتطلع نحو استشراف المستقبل. فالشعر الموجه للأطفال يجب أن يتكامل مع حاجاتهم الفكرية والنفسية، ويرتقي بارتقاء قدراتهم الذاتية والموضوعية أياً كان نوعه نشيداً، ومسرحية شعرية، أو قصة شعرية، وشعراً ملحمياً، أو أغنية، أو استعراضاً غنائياً أو.... وعليه (فإن أدب الأطفال هو مجموعة الانتاجات الأدبية المقدمة للأطفال التي تراعي خصائصهم وحاجاتهم ومستويات نموهم، أي إنه في معناه العام يشمل كل ما يقدم للأطفال في طفولتهم من مواد تجسد المعاني والأفكار والمشاعر)( 3). ولهذا؛ فكم من أديب يتوقع أن الكتابة للأطفال تعني السهولة في اللغة ولكنني أقول: لا الإغراق في التساهل ولا التسامح مع اللغة المكتوبة للطفل أرضى رغباته أو نمَّى لغته وثقافته، ولا المباشرة في عرض القيم والأخلاق تخلَّصت من مبدأ التوجيه والإرشاد ما أدى إلى عجزها عن الارتقاء بمبادئه والسمو بسلوكه... إن التدهور الحاصل في الثقافة الروحية والفكرية للطفولة قد انتهى إلى شكوى مرَّة للآباء.. بل للأساتذة أنفسهم علاوة عن الأدباء... فأدب الأطفال ليس مجرد تنمية ثقافية وتربوية وجمالية فحسب وإنما هو أعظم من هذا بكثير، فهو فضلاً عن ذلك عليه أن يشيع ((الحكمة بصورة جذابة وأسلوب مؤثر [يعبّر] من خلالها عن [نظرة الإنسان] إلى جوانب الحياة وإلى الكون وظواهره، واستخدامها أيضاً كأسلوب للتهذيب والتثقيف. وقد أبدعت المجتمعات الشرقية عموماً فيضاً من القصص، حيث أراد الإنسان مواجهة ما ينتابه من مخاوف عن طريق تمجيد أعمال البطولة وإبراز دور (الأرواح الخيرة) في الانتصار على قوى الشر.. وكان الإنسان يجد في ذلك ما يبعث في نفسه الاطمئنان على أساس أن ما يقلق الإنسان ويثير مخاوفه ليس أدوات القوة والعنف نفسها بل الصور التي يتخيلها عن تلك الأدوات))( 4). وفي ضوء ما تقدم فإن أدب الطفل وكل ثقافة تتصل به يجب أن ينطويا على رسالة لغوية جمالية تثير انتباهه وتشده إليها، وتشتمل على معانٍ سامية وأفكار يتلقفها دون جهد أو عناء؛ أفكار تلبي حاجته وترتقي بمشاعره، وتراعي طبيعة نموه عاطفياً واجتماعياً وعقلياً.. ولعلنا في هذا الكتاب الذي خصصناه للقصة المكتوبة للأطفال نوفّر لهم مادة إبداعية مختارة من قصص عديدة، ونرجو أن تعوض ذلك النقص في الاتصال بيننا وبينهم، وقد حرصنا على أن تكون متنوعة، ومشتملة على جملة من المفاهيم والأفكار والمعاني التي تستجيب للمعنى الثقافي الأدبي المتطور، راجين لها أن تمنحهم فرصة في التعرف إلى أدب الطفل وفق الدوافع التي نهدف إليها، ليصبح الطفل مشاركاً حقيقياً في عملية الإبداع؛ في يوم ما، إذ يهيئه الأدب لهذا الهدف، ويبعده عن الانحراف والضياع. ونحن إذ نفعل ذلك نميل إلى ربط الطفل العربي بأدب يستقي مادته من بيئته وتراثه وواقعه، ليصل فيه إلى ما ينفعه ويفيده، فأدب الطفل يبنى على مسؤولية أخلاقية ووطنية في وقت معاً. وبعدُ؛ فقد يرتب علينا هذا الكتاب أن تزداد عنايتنا بالكتابة للأطفال في مجالات شتى، وأن تتكامل هذه المادة المكتوبة مع كل ما يقدّم لهم في وسائل الاتصال والنشر، وكل ما يتصل بالإعلام؛ ولاسيما حكايات الأطفال المقدَّمة على شاشة الفضائيات، أو ما يتصل بالشابكة (الانترنيت) والحاسوب. إننا نحاول استحضار كل ما من شأنه أن يخدم عالم الطفولة، وأن نتأمل الخطط والدراسات المرسومة لذلك من أجل استخدامها الاستخدام الصحيح الذي يبعدنا عن الوهم والإيهام، والتضليل والانحراف، فنحن نتوخى أن نرفد بعملنا هذا بما تقوم به مؤسسات أخرى في الكتابة للأطفال؛ ثم نعضد به جهود عدد آخر من العاملين في حقل التعامل مع عالم الطفولة، لتعميق المنهج العلمي والموضوعي للارتقاء بوعي الطفل ومشاعره وثقافته. وإذا كنا قد أشرنا إلى ذلك كله بإيجاز شديد، تبعاً لطبيعة عملنا، فعسى أن ندخل في مجال الجدة والابتكار الذي يلبي النشاط الحيوي لعالم الطفولة، ويبتعد عن الكسل الذهني والجسمي، ليصل بالطفل إلى خلق الأفكار والمشاعر وفق حاجاته وآماله وتطلعاته، وليكون قادراً على حلّ مشكلاته في إطار العلة والمعلول. والله من وراء القصد ( 1) انظر ثقافة الطفل – د. هادي نعمان الهيتي – سلسلة عالم المعرفة – 123- المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب – الكويت – 1988م – ص 13 - 14 وما بعدها. ( 2) انظر ثقافة الأطفال ـ د. هادي نعمان الهيتي ـ سلسلة عالم المعرفة 123 ـ المجلس الوطني للثقافة والفنون ـ الكويت ـ آذار 1988م ـ ص179 وما بعدها، وانظر كتابنا ابن المقفع بين حضارتين، وما قدّمه في حكاية (كليلة ودمنة). ( 3) انظر ثقافة الأطفال ـ د. هادي نعمان الهيتي ـ سلسلة عالم المعرفة رقم 123 ـ ص155. ( 4) انظر ثقافة الطفل ـ ص181 وما بعدها. |
|
| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |