|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
مدينة الحمائم ـــ نظمية أكراد قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ كانَ العمُ فَيّاض يَحْمِلُ فأسَه ويسير بِعَزْمٍ وتَصْمِيْمٍ خَلْفَ ثوريه اللذين اعتادا أن يَجُرّا محراثَه الروماني القديم. وفي طريقهِ إلى الحقلِ كَانَتْ تُرَاودُهُ أحلامٌ عِراضٌ مزهرةٌ فيبتسمُ لَهَا وَتَدْفَعُهُ إلى الإسراعِ في خُطاه. لقد قَرّرَ ألا يكونُ هُنَاكَ مَثيلٌ لحقلِهِ في خِصْبِهِ ونَظَافَةِ تُرْبَتِهِ وَجَوْدَةِ مَحْصُوْلِهِ. وبدأ مُنذُ فَتْرَةٍ يَنْتَزعُ الأشواكَ والأعْشَابَ الضَّارَّة وَيَجْمَعُ الحِجَارَةَ منه. واصْطَدمَ أمس بصخرةٍ كبيرةٍ لم يستطعْ اقتلاعَها، فتركَهَا إلى اليوم وقد هيَّأ نفسَهُ لَهَا فقد عَلَفَ ثَوْرَيْهِ ليكونا قادرين على زحزحتها من مكانها. وهاهوذا قد عَزَمَ هذا الصباح على اقتلاعِهَا. وأخذ مَعَهُ حمارَهُ وحَمله أدواتٍ للرفع والحفرِ وحبالاً ثخينةً وقوية. وعِندمَا وصل العمُ فياضُ إلى حَقْلِهِ كَانَتِ الصَّخرَةُ مستقرةً في مكانِهَا تَعلُوهَا قطراتُ الندى تَلْمَعُ على صَفْحتها كقطراتِ العرقِ التي تعلو جبينهُ بعد العمل الشاق، وبَدَتْ كأنَّها تهزأُ بهِ وبثَورَيهِ وترى نَفسَها أكثرَ مِنْ ندٍ لهُ. شمّر العمُ فيّاضُ عن ساعديه وبَسْمَل وَلَيَّنَ راحَتِيْه بنفثة مِنْ بُخَارِ فمِهِ ثم أخذَ فأسَه، وبدأ يَحْفِرُ حَوْلَ الصَّخْرَةِ بِهِمّةٍ وَنَشَاطٍ، ويَرْفَعُ التُّرابَ مِنْ حَوْلِهَا حتى عَرَّى قِسْماً كبيراً منها، وحين ارتَفَعَتْ الشمسُ أصبحتْ أشعتُها تَبْعَثُ الحرارةَ في رأسِهِ وتَلْسَعُ جلْدَهُ. أحَبَّ لو يأخذ قِسْطاً من الرَّاحةِ أوْ يشرب شيئاً، وأخَذ يَنظُرُ إلى ثوريهِ المستعدّيْنِ للعَمَل وكأنَّه يَسْتَشِيرُهُما في ذلك. لكنه أَحْكَمَ رَبْطَهُمَا إلى الصَّخرَة بِحَبْلٍ متينٍ وأخذَ يَسْحَبُ بقوةٍ من طرفٍ والثوران من الطرَفِ الآخرِ، فتزحزحتِ الصخرةُ قليلاً، ثم عَادَتْ فاسْتَقَرَّت في مكانِهَا وقَدْ تَصَبَّبَ العَرَقُ غَزيْراً مِنْ جَسَدِهِ، وَكَلَّتْ يَدَاهُ، وعَزَمَ على ألا يتناول طعامَهُ حتى يَنْتَزِعَ هذهِ الصخرةَ العنيدةَ مِنْ مكانِها، ضاعف جهدَهُ وضَرَبَ ثوريه وحثّهُمَا مِرَاراً وأخَذَ يُغَنِّي بأعلى صَوْتِهِ ليزيد مِنْ عَزِيْمَتِهِ وَمُثَابَرَتهِ ولكنّهُ لم يُفْلِحْ باقتلاعِها. وَحيْنَ حَلَّ المساءُ وَنَسَجَ الليلُ خُيوطَهُ السوداءَ نَظرَ إلى الصخرةِ وقال: لن تكوني أقوى مِنّي أيّتُها الصخرةُ الصّماءُ العَنِيْدَةُ. لنا موعدٌ غداً. عَادَ إلى بَيْتِهِ مُنْهَكَاً يَسُوقُ ثوريه، وأمضَى ليلته يفكر بطريقة يقتلعُ بها هذه الصخرةَ المتربعةَ بارتياحٍ تامٍ في قلبِ حقلهِ. لاحظتُ زوجتهُ انشغالَهُ وقلقَه فقالت: ـــ اتركها يا فياضُ واعملْ على جَمْعِ الحجارةِ الصغيرة فالصخرةُ كبيرةٌ وثقيلةُ، وستنهك قواكَ وتمتص جهدَكَ وسيحين وقتُ الزرعِ ويفوتُك الموسمُ، وَيبقَى أطفالنُا جِياعَاً طوالَ العامِ. فَكَّر في هذا قليلاً: ـــ لا يا زَوْجَتي. لا يمكن أن تغلبني هذه الصخرةُ. أنا الذي تَغَلّبَ على الجوعِ والعطشِ والمرضِ. صَبَرْتُ على سِنيْ القحطِ وعلى حَرِّ الصيفِ المُحْرِقِ وبَرْدِ الشتاءِ القارسِ، فكيف أنهزم أمامَ هذه الصخرةِ البليدةِ؟ سأقتلعُها غداً بعون الله. وَبعْدَ أنْ رأت زوجتُه تَصْمِيْمَهُ قَرّرَتْ أن تَذْهَبَ مَعَهُ لعلها تَسْتَطِيْعُ مساعدتَه على اقْتِلاعِهَا. وفي فجرِ اليومِ التالي كَانَ مَعَ زوجتِهِ قربَ الصخرةِ يُعَانِقُهَا ويتعرف إلى مَنَاطِقِ ضَعْفِها وقوتِها. يَنْبشُ الترابَ مِنْ حَولِهَا ليعرفَ من أين يقتلعُهَا. ولم يلبثْ أن حزمَهَا بالحبالِ وربطها إلى ثوريه وصرخَ بهما: ـــ هيا. هيا. هيا ركض الثوران بقوةٍ وسرعةٍ وعلا صوتُهُ وازدادتْ قوتهما وشدهما للصخرة. تخلخل وضع الصخرة واهتزت وأصدرت أزيزاً وأنَّت فاشتد عزمه وفرح واندفعَ يشد ويصرخ بثوريه وساعدته زوجته بما تستطيع من قوة، ولكن الصخرة العنيدة الصماءَ عادتْ واستقرتْ في مكانِهَا مرةً أخرى وتطايرَ الترابُ ودخل منخريه وعينيه. لم يهتمِ العمُ فياضُ لذلك كثيراً فطالما كُحِلَتْ عيناه بالترابِ، جلس يفرك عينيه وينظفهما على مقربة من الصخرةِ وحانَتْ مِنْهُ التفاتةٌ فرأى إلى جانبِ الصخرة فراغاً فنهض مُسْرِعاً وبهمة: ـــ الآنَ عرفَتُ، سأعالجُها واقتلعُهَا كما تُقْلََعُ الشوكةُ. لن أتركها تتربع على أرضي وتسخر مني ومن قوتي. وضَعَ تحتَهَا فأساً وحَجَراً كبيراً يَدْعَمُهُ. عَادَ يُلوِّحُ بسوطه للثورين وَيصيحُ: ـــ سنقتلعُها وسنحتفل ونَفْرح بذلك كثيراً. سأعلفكما حتى تَشْبَعَا. شَدّ الثوران بقوةٍ ورَفَعَ هو الصخرةَ مِنَ الجانبِ الآخر بِطَرَفِ الفأسِ، تمايلتْ وتَرَنّحَتْ وانْقَلَبَتْ مُصْدِرَةً قعقعةً، وارتَفَعَتْ معَها سحابَةٌ كثيفةٌ منَ الغبارِ حَجَبَتْ كُلَّ شيءٍ عن ناظري العم فَيَّاض. وبَعْدَ فترةٍ وجيزةٍ هَدَأ كُلُّ شيءٍ، وسكن الغبارُ ورأى حفرةً كبيرةً. نظر إلى داخِلها من الأعلى فوجد باباً كبابِ الكهفِ. نزل ودخل يتوكأ على فأسه. نظر إلى الداخل فارتسمتْ على وجهه علاماتُ الدهشةِ والفرحِ. ووسطَ دهشةِ زوجتِهِ وحذرِهَا اندفعَ مُعتَمِداً على فأسهِ، صاحتْ زوجته: ـــ لا تَخْشَ شَيْئاً فالترابُ متماسكٌ ولا ينهالُ بسهولة. وبعد دقائق خَرجَ يَحمِل قدراً واسعاً يُغطيهُ الترابُ. قالت زوجتُهُ: ـــ ترى من وضعَ هذا القدرَ تحتَ تلك الصخرةِ الكبيرة؟! استغربتِ الأمرَ، مسح زوجُهَا جانب القِدرِ ودَعَكَهُ بطرفِ كُمِّهِ فإذا به يَلْمَعُ ويَبرُقُ، اقتربت زوجتُهُ مِنَ القِدْرِ وهَتَفَتْ: ـــ فياض! إنه مَنَ الذَّهب. نظرَ إلى القدر بفرحٍ غامرٍ وهو يرفعُ عينيه ويديهِ إلى السماءِ شَاكِراً حَامِدَاً اللهَ ثُمَّ عادَ وطَمَرَ القدرَ بالترابِ: ـــ هَيَّا يا فياضُ نَعُدْ إلى بيتِنَا وأولادِنا، لقد أغْنَانَا اللهُ عن الزرعِ والحرثِ والتعبِ سنستريحُ متمتعينَ بهذا الرزقِ الذي مَنَّ اللهُ به عَلَيْنَا. حَمْداً لله، ولَكنْ أنَ أترك الأرضَ والزراعةَ فهذهِ الأرضُ كلُّ وجودي، فأنَا مِنْها وإليها لَنْ أتركَهَا أبداً. ولو كانت معي أموالُ الأرضِ كُلُّها فهي التي أعطتْني هذا. مَسَحَ العَمُّ فياض بيدِه على الصخرةِ برفقٍ، والدموع تجول في عينيهِ: ـــ أنْتَ بابُ الرزقِ يا قلبَ الأرضِ السخيةِ المعطاءِ سأقيمك على حُدودِ أرضي ذكرى طيبةً ووفاء. ثم وضعَ القدرَ بجانبِهَا ـــ والآنَ اذهبي يا زوجتي عَافَاك اللهُ. هيئي لنَا الطعامَ سأعودُ إلى البيتِ بَعْدَ أن انتزعَ هذهِ الأعشابَ وأجْمَعُ الحجارةَ وأُسَوِّي الأرضِ مكانَ الصخرةِ. ـــ اسمعْ مني يا فياضُ، عُدْ معي. لقد أغناكَ اللهُ عن التَّعبِ واسترحْ بعد جهدٍ وتعبِ أيامِ. ـــ إنني مستريحٌ جداً وأحسّ أنّ لدي رغبةً في العملِ لا تقاومُ سألحقُ بكِ في المساء، وأدخلُ القريةَ حتى لا يراني أحدٌ ومعي هذه القدر. تابعَ العم فياضُ تعشيبَ أرشِهِ بهمةٍ ونشاطٍ وكان يحلم أحلاماً جميلةً وعذبة. كان يرى نفسهُ وقد اشترى أرضاً ووسَّعَ حقلهَ وزرعَ حتى ارتفعتْ أشجارهُ ويحلم بالغلالِ الوافرةِ ويتجولُ في ظل الأشجارِ الوارفة ظلالها والعصافير تزقزق فوقه. ما أمتع هذا! مع الغروب فكَّ ثوريه وجَمَع أدواته، وحزمها على ظهر حمارِهِ، وعرّجَ على الصخرةِ ليأخذَ القدر فوجد شجيرةً نادرةً قد نبتت إنها شجرة ذهبيةٌ تحملُ أزهاراً رائعةَ الجمال تبعت رائحةً زكيةً كرائحةِ العشب، كرائحة الأرض النديةِ، فسرَّ بذلك كثيراً، ووضع القدر على حماره وغطَّاه بردائه وسار خلف ثوريه والأحلام لا تفارقُ خياله حتى وصل إلى بيته. وضع القدر وسط الغرفة بين زوجته وأولاده الذين تحلقوا حوله مسرورين ومأخوذين بما يرون. سألته زوجته مستغربة: ـــ من أين أتيتَ بهذه الشجرة الرائعة الجمال؟ ـــ وجدتها قد نبتت في القدر. ـــ ازرعها في الحقل، نريد القدر فقط لنتصرف به ونبيعه. ـــ ولكن انظري إلى هذه الأزهار الفريدة النادرة. ـــ أعرف هذا، فجمالها لا يطعمنا خبزاً ولا يكسونا. فاهتزت الأزهار وتساقط منها ثمارٌ من الذهب والأحجار الكريمة دهش العمُّ فياض وانعقد لسانُ زوجته فرحاً ثم استجمع نفسهُ، وحمد الله على هذه النعمة الجديدة والرزق الواسع، ونام وهو يحلم وزوجته أحلاماً هنيئة. وفي الصباح أخذ بعض الثمار الذهبية وباعها بسعر جيد واشترى لزوجته وأولاده ثياباً جديدةًَ زاهيةً ولحماً وخبزاً وخضاراً وفاكهة، فأطعم عياله ووزّع على جيرانه وفقراء حيّه والسعادة تشع من عينيه وتضيء وجههُ. استراح ذاك اليوم وفي صباح اليوم التالي، أخذ ثوريه وفأسه ليذهبَ إلى الحقل كعادته كل يوم، وطلب من زوجتهِ الطعامَ، ولكنها بدلاً من أن تعطيه طعامه كالعادة سحبت الفأسَ من يديه محتجة: ـــ لماذا تذهبُ إلى الحقل وقد رزقك الله بدل الغلة ذهباً؟ هل هو الطمع أم ماذا؟ ـــ لقد رزقني الله لأنني كنت أعمل يا زوجتي العزيزة. لو لم أعمل لما جاءتني رزقتي إلى البيت فالسماء لا تمطر ذهباً ولا فضة، وبعملي رزقني الله! ـــ ولكنك رزقت وكفى. لا أريدك أن تعمل بعد اليوم. عش كما يعيش الأغنياء المترفون. استأجر من يعمل عنك في الحقل. ـــ هذا خطأٌ كبيرٌ، سوفَ أعملُ طوالَ حياتي ما دمتُ قادراً على العمل إلى أن أعجزَ عن حمل هذه الفأسِ فسأسلمها لأولادي. لن أدعها تسقط من يدي أبداً. أما لغير ذلك فلن أترك العمل ولو تحوَّل حقلي وحجارةُ بيتي إلى ذَهب. ـــ إنك عنيدٌ، خلقتَ هكذا. ألا يكفينا تعباً وفقراً؟ ـــ لا تقولي ذلك. إن الأرضَ هي الجذورُ والوجودُ والحياةُ. إنها الثروةُ الدائمةُ التي لا تنضبُ فأنا أفكِّرُ بشراءِ أرضٍ لأوّسع أرضي. ـــ اشتر ما شئتَ من الأرض ولكن ابن لنا قصراً كبيراً تحيط به الأشجارُ المثمرةُ والرياحين، أريد أن أعيش كما تعيش زوجات الأغنياء، أريد أن أرتاح. نظر العم فياضُ إلى زوجته بإشفاق: ـــ إنك مخطئة جداً بتفكيركِ ولكن لك هذا، والآن اتركيني فقد ارتفعت الشمسُ أريد أن أنهي تنقية الأرض استعداداً لزرعها. داومَ كلَّ صباح على الذهابِ إلى أرضه والعمل فيها من الصباح حتى المغيب وكلما تعب كان يستريحُ بظل الشجرة التي أحبَّها كثيراً. وبعد مرور الموسم اشترى أرضاً جديدةً محاذيةً لأرضه وبنى فيها بيتاً واسعاً، ووضعَ الصخرة في ركن من أركانه، واستمر يعمل كما كان في أرضهِ وازداد غنىً وشهرةً، بنى مدرسةً ومعملاً لأبناء بلده، وشغل الفقراء فازدادوا له محبةً وتقديراً، وارتفعَ ذكره إلى الملك الذي كان يحصن البلاد ضد الأعداء فقد كانت مدينتهُ الجميلةُ محطَّ أنظار أولئك الأعداء كلُّ منهم يطمع بها لجمال موقعها ووفرة خيراتها وحدائقها الغناء وطبيعتها الساحرةِ وحضارتِها العريقِةِ. وقد تعرضت لغزوهم مراتٍ ومراتٍ واستشهد الكثير من الشبان الشجعان دفاعاً عن الوطن مما أحزنَ جميعَ أهلها وأدمى قلوبَهَم وانتزع الراحة والسعادة من بيوتهم، ففكر الملك ببناء سورٍ ضخمٍ حول المدينة لحمايتها من الأعداء فقال له مستشاروه: ـــ هذا يكلفُ الأموال الطائلة. والجهود الجبارةَ، والزمن الطويل، مما يعجز عنه الملك وإمكانياتُ المدينة. فكر الملك كثيراً بكلِّ هذا، واستشار العارفين وذوي الرأي فأشير عليه بطلب العونِ من هذا الفلاح الغني الكريم الذي اشتهر وذاع صيتهُ، حتى كان يقال عنه إنه أغنى من الملك نفسهِ، فأرسل في طلبه، وسرعان ما لبى الطلب، ومثل بين يدي الملك بكل طاعة واحترام. فأجلسه الملك بالقرب منه وأكرمه وشرح له وضع المدينة المهدد وأبنائها. ورجاه أن يساعده في حماية مدينتهم، فرحب بذلك أشدَّ الترحيبِ: ـــ كلُّ ما أملك.. دمي وأولادي فداءٌ لبلدي وكل ذرة من ترابها، فلن أبخل بشيءٍ من أجلها ولو عدت فقيراً كالسابق لا أملك حتى قوت يومي، فهذا خيرٌ من الذل والعار. سُرّ الملك لشهامتهِ وكرمهِ وحسنِ تصرفهِ، ولم يتوقع أهلُ بلدهِ منه غيرَ هذا. وعملَ الجميعُ يداً واحدةً في البناء. الرجال يعملون بكلِّ أعمالِ الحفرِ والبناءِ، والنساءُ يقدمنَ المساعدة والطعام، والأطفالُ يسقون الماء ويقدمون المساعدات الصغيرة، وقد اتفقوا جميعاً على أنَّ من يموت منهم سيوضع له في السور حجر، في الموضع الذي وصل إليه البناء ويكتب عليه اسمه وتاريخ وفاته. ومات العديدون حتى انتهى السور الذي كلف الكثير من الأموال والأرواح وشيد بالأجساد والعرق والكفاحِ. وانتهتْ ثروةُ العم فيَّاض وشاختْ الشجرةُ الذهبية وكفّت عن العطاءِ وذوت أوراقها. حزنَتْ زوجة العم فياض ولامت زوجها بشدة وقرعته على إعطائه كلّ ما يملك لبناء السور ولم يحتفظ لنفسه بشيء، فقال لها: ـــ لا تخشي شيئاً. لقد زرعنا أشجاراً في حديقتنا وستعطي ثماراً وفائدة لنا ولبلدنا، وهذا السور سيحمي أموالنا وأرواحنا وأبناءنا، وسنعيش بسعادةٍ وأمان. ماذا لو بقيت شجرتنا الذهبية وثمارها لنا واستولى الأعداءُ على بلدنا؟ بأي ذل ومهانة سنعيش؟ وهل ستبقى لنا أموال؟! كيف نواجه أبناء بلدنا؟ إن ما عندنا هو رزق كبير سيكفينا مادمنا أحياء ويزيد. لا تحزني يا عزيزتي. ولكن هذه الزوجة الجاهلة لم يصلها كلامهُ، ولم تفهم ما يقولُ، وضاقت به وبالسور الذي أتى على كل ثروتهم. وكانت تذوبُ لوعةً وحسرةً على الذهب والمال الذي صرف. وبعد مدةٍ ماتَ العم فياضُ ودفن في حديقةِ قصرهِ في موكب مهيبٍ شارك فيه كلّ أبناء مدينته من رجالٍ ونساءٍ وأطفال وفي مقدمتهم الملك الذي حمل نعشه حتى مثواه الأخير، والدموع تبللُ وجنتيه، ووضع على قبره يداً مفتوحةً تطير منها حمامةٌ بيضاءُ وتندفع منها مياه صافية تصب من بين الأصابعِ ليشرب منها كل مَنْ يزورُ القصر. وكان الزوار والسياح يأتون من مختلف المدن، ومن جميع بقاع الدنيا ليزوروا ضريح حامي مدينة الحمائم. ويستمعون أثناء زيارتهم إلى قصةِ بناءِ السور العظيمِ الذي حمى المدينة وصان كرامةَ أهلها وتركهم ينامون ملء عيونهم مطمئنين على مستقبل أطفالهم واستقرارهم. وإذا زرت مدينة الحمائم وخرجت مع السياح وأهلِ المدينة ليلاً ونظرت إلى السور فسترى حجاره تضيء وتشع بلون أحمر متوهج كالنار، وتنشر رائحةً كرائحة الدم الزكية، معطرة جو المدينة بالنسمات التي تلامس أغصانَ أشجارِ القصر الشامخ وتعطر كل ما حولك، وتحكي لك قصة هذا العطرِ، عطر الأوطان المكافحةِ الذي يضمخ الأجواء، عطر العمل والتضحية في سبيل الأوطان وكرامتها الذي يبنيها ويعمرها ويحميها على مدى الزمان. |
|
| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |