|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
من قصص الخيال العلمي للأطفال: كوكب الأحلام(1) ـــ د.طالب عمران ما إن حطّت سفينة الفضاء العربية (ابن رشد) فوق ذلك الكوكب في سديم مرآة المسلسلة، المسمى بالمارد ـ نظراً لضخامته ـ حتى اعترى نفوس الرواد إحساس بالانتعاش والنشاط، جعلهم يلقون عنهم ثيابهم الفضائية الثقيلة ليتنفسوا هواءه النقي دون أية صعوبة. قال ماجد ـ ذو عشر السنوات الفضائية ـ لوالده الكهل: ـ سأذهب بصحبة داليا ورؤيا إلى الدغل القريب، نفتش عن النسانيس الصغيرة علّنا نصطاد بعضها، نصطحبها معنا في رحلة العودة إلى المختبرات العلمية الطائرة في المجموعة الشمسية. ابتسم له والده بحب وقال: ـ احذر يا بني من أن تقع في شباك زهرات (المارد) الساحرة. أومأ ماجد برأسه لوالده، ومضى نحو رفيقتيه اللتين تنتظرانه. *** لم ير ماجد (كوكب الأرض وإنما كان يسمع عنه من والده، الذي كثيراً ما حدثه عن حكايات وحوادث جرت معه على هذا الكوكب البعيد، كانت والدته المتوفاة قد ولدته في إحدى سفن الأبحاث، وهي تتجه صوب سديم (المرآة المسلسلة) قبل سنين بعيدة، إن عمر والده حالياً يزيد عن (90) سنة فضائية وهو عمر كبير قل أن يصل إليه الإنسان المغامر بالسفر بين الكواكب، والسنة الفضائية تعادل مئات السنين الأرضية، وقد اقترح استحداثها منذ قرون سحيقة بسبب عدم كفاية التاريخ الميلادي لسبر غور الزمن وبسبب السفر البعيد المتواصل بسرعات خيالية عن جو الأرض. *** عندما وصل ماجد وداليا ورؤيا إلى الدغل، سمعوا أصواتاً موسيقية عذبة تخاطبهم بأسمائهم، فتعجبوا وتساءلوا فيما بينهم عن مدى قدرة مخلوقات الكوكب المارد على قراءة الأفكار. قال ماجد: يجب علينا الحذر من الالتفات صوب الأزهار الجميلة التي تغني لأن رؤية رونقها وجمالها وسماع أغنياتها، تصيب المرء بغيبوبة، قد يختل عقله بعدها... قالت داليا: ـ ولكن لدي قدرة كبيرة على الصمود ولن أكترث لروعة وجمال الأزهار بل سأحاول قطف بعضها، لأحملها معي إلى المختبرات الفضائية... إلا أن رؤيا لم توافق داليا بل سخرت منها لثقتها العجيبة بنفسها، واتهمتها بالغرور والطيش. صرخ ماجد: ـ ها هو نسناس صغير يقفز إلى يسارك يا رؤيا... أسرع الأصدقاء صوب النسناس الصغير وألقوا شباكهم الخفيفة حوله وتمكنوا من اصطياده. كان حيواناً صغيراً مغطى بفراء ناعم، وله في مقدمة رأسه قرن صغير يستخدمه في حفر أوكاره... انتشر الأصدقاء في الدغل، ومع كل منهم جهاز مخاطبة. يتتبعون به أثر النسانيس الصغيرة الجميلة لاصطيادها.. وبعد فترة سمع ماجد صوت (دالياً) تخاطبه في الجهاز الصغير المعلّق برقبته: ـ سوف أقطف زهرة يا ماجد.. وسأضعها في كيسي بين العينات الصخرية.. صرخ ماجد برعب: ـ إياك يا داليا.. ألم تسمعي ما قاله والدي.. زهرات المارد السحرية.. لم يتمكن ماجد من سماع رد (داليا) إذ أن جهاز مخطابتها توقف عن البث.. أسرع في الاتجاه الذي سلكته وقد وضع على عينيه نظارة سوداء شافة لمقاومة إغراءات زهرات "المارد". بعد حوالي مئتي خطوة وجد (داليا) مغمى عليها قرب إحدى الزهرات الجميلة التي سمعها تغني بصوت عذب ساحر.. وتناديه بأرق وألطف الألفاظ: ـ ها قد أتيت يا صديقي ماجد.. اخلع نظارتك السوداء وتأمل جمالي.. سيقلّك شذاي المعطر إلى عالم الأحلام.. حيث تشهد ملوك الكوكب المارد وأمراءه وتاريخه الطويل، على شكل حكاية صغيرة، مبدعة تكون أنت أحد أبطالها.. قال ماجد بغضب: ـ لن تنجحي أيتها الزهرة الملعونة في خداعي وإغرائي.. فالزمي الصمت لن أخضع لرغباتك.. قالت الزهرة: ـ هاهي داليا كالملاك في عالم الأحلام، ولن تستيقظ قبل مدة طويلة، وإذا حاولتم إيقاظها فستموت.. ويمكنك أنت وحدك، الدخول في أحلامها وإعادتها إلى عالمكم إذا سمعت ما أقول.. قال ماجد: لن أسمع لك سأسد أذني.. حاول إيقاظ داليا دون نتيجة... وأخيراً حملها على ظهره وأخذ يصرخ في جهاز المخاطبة هاتفاً لرؤيا: ـ تعالي إلى يا رؤيا.. إياك والابتعاد.. لقد وقعت دالياً في فخ ساحرات الغابة. قالت رؤيا عن طريق جهاز المخاطبة: ـ قبضت على حيوان جميل جداً، شبيه بالضفدع يغطيه الريش، وله في مقدمة رأسه خرطوم يصطاد به الحشرات الصغيرة.. ـ تعالي يا رؤيا ولا تبتعدي ـ حسناً يا ماجد.. سنلتقي عند نقطة افتراقنا.. خلال ثوان.. *** عندما وصل ماجد إلى المكان الذي حددته (رؤيا) لمح الحيوان الصغير يتخبط في قفصه وهو يزعق بصوت حاد.. فطلب إليها الذهاب إلى المحطة وإبلاغ والده الكهل وأفراد البعثة الأرضية عما جرى (لداليا). نقلت (داليا) إلى قسم التلفزة الصناعة في المحطة، حيث بدأ كبير علماء فيزياء الدماغ، في ربط العدادات والمؤشرات إلى رأسها عن طريق أشرطة بنهايات مطاطية.. كان القصد من تلك العملية رؤية العالم العجيب الحالم الذي تسرح به (داليا) غائبة عن الوعي، وذلك بتسجيل الحلم على شاشة التلفزة المضاعفة التي تترجم تفاعلات المخ إلى صور سينمائية مجسدة... التأم الجميع حول الجهاز الضخم في القاعدة، ينظرون إلى (داليا) الراقدة على ظهرها داخل الكابين الزجاجي المغلق، ويتأملون ـ كل فترة ـ شاشات التلفزة الموزعة على الجدار المقابل، في انتظار بدء البث التلفزيوني.. العيون شاخصة والآذان مرهفة، والقلوب واجفة، والأفكار مضطربة.. الجميع في انتظار بدء البث ومعرفة ما يجري داخل رأس الطفلة الصغيرة. *** ثوان قليلة وبدأ البث التلفزيوني الملون المجسم، قبض الكائن الضخم طويل الأذنين ذو العين الواحدة على يد (داليا) بعنف وهو يقول: ـ كيف تمكنت أيتها الفتاة الأرضية من النفاذ إلى أرض الأحلام، ستعاقبين على مخالفتك لتعليمات بعثتكم الأرضية. "منذ سنين سحيقة، عندما قدمت إلى كوكبنا (المارد) أول بعثة أرضية في زيارة علمية اطلاعية اتفقنا على أن نحترم تقاليد بعضنا، وأن لا نتدخل في الشؤون الداخلية للكواكب، ونتبادل الخبرات ونساعد بعضنا في القضاء على الجراثيم الخطرة المميتة، وننشر العدل والمحبة بين سكان الكواكب التي وصلت إليها بعثاتنا الاستكشافية.. وفعلاً بدأ التعاون يثمر وبدأنا ننعم بزيارة بعثاتكم الأرضية، ونرسل لكم بالمقابل بعثات علمية تحمل الخبرة والأفكار.. وقد مضت سنون عديدة وعلاقتنا على أحسن ما يرام.. لماذا خرجت أيتها الفتاة على هذه العهود والمواثيق، ولم تحترمي تحذيرات بعثتكم بعدم الاقتراب من زهرات كوكبنا المخادعة؟.. ألا تعلمين ما هو العقاب الذي ينتظرك؟ سنرجعك إلى العصر البلوري القديم في كوكبنا تحيين وسط غابات من الوحوش الأسطورية.. تذرفين دموع التوبة والندم على ما اقترفته من ذنب بحقنا أليس للفضول عندكم حد يا أهل الأرض؟ ـ فضول هذه الفتاة التي تنتمي إلى كوكبكم قد قتل بعضنا... ألا تعرفين السبب أيتها الصغيرة؟ ـ حسناً سنخبرك ... بمجيئك إلى أرض الأحلام عطلت علينا الكثير من الإنجازات وسربت بعض الكائنات الدقيقة، التي ألحقت الأذى والأوبئة بالنساء والأطفال. فتحت (داليا) عينيها المغرورقتين بالدموع وقالت للكائن الضخم الذي وقف وسط حلقة من رفاقه: ـ لن أعيد الكرة، أرجوك، أعدني إلى عالمي.. ـ لن أتمكن من إعادتك قبل أن أقضي على الفطريات التي حملتها إلينا بشعرك الجميل عن طريق الأزهار السحرية.. ـ أرجوك لن أعيد الكرة.. ـ ليس بمقدوري، تخليصك من الكائنات الدقيقة بدون أن أحلق شعرك، وأحرقه في أرض النار والوهج، لأقضي على ما فيه من جراثيم وفطريات.. ـ خذ شعري.. وأعدني أرجوك.. قص الكائن الضخم ذو العين الواحدة شعر (داليا) ورماه إلى أحد الكائنات الصغيرة، فاستقبله بيديه اللزجتين، وغاب عن العين.. بدأت داليا تتقلب متألمة، والجميع يرقبون الشاشات التلفزيونية الملونة المجسمة الموزعة على الجدران في المحطة، بذهول واستغراب، والدماء تسيل من رأسها اللامع.. خاطبها الكائن الضخم بقوله: ـ لقد تكنت الفطريات من النفوذ إلى رأسك لذلك يجب أن نغسله بالمياه النارية. ـ أرجوكم ارحموني، لن أعيد الكرة.. بسط الكائن يده الطويلة، فتلقى من أحد رفاقه ماء بلون اللهب أخذ يندلق من إناء بحجم الجرة الفخارية، بدأ يدلك فروة رأسها وهي تصرخ.. ثم هدأت قليلاً وعادت إلى البكاء.. أحد الكائنات الضئيلة اللزجة، دخل إلى المختبر وخاطب الكائن الضخم: فتك المرض بخمسة عشر طفلاً وامرأة مسنة.. ـ وهل تم العزل بشكل دقيق؟ ـ نعم.. ووضعنا الجثث في حفرة مليئة بالماء الناري.. استكانت (داليا) بهدوء بين يدي الكائن الضخم ذي العين الواحدة. فربت على كتفها بلطف وقال: ـ أتريدين معرفة السر يا صغيرتي؟ حسناً سأقص عليك حكاية أرض الأحلام.. إن أعداء الحياة في كوكبنا وهم أمراء ظالمون، كانت جيوشهم الباغية تنتشر فوق أرضنا قبل مئات السنين.. تمكنوا بمقدرتهم العلمية أن يسخروا قوتهم في إنبات أزهار رائعة ملؤوا غبار طلعها ورائحتها بالفطريات المميتة والجراثيم التي تصيب شعوبنا بالوباء.. فما أن يقترب أي كائن من سكان الكواكب البعيدة يتأمل الأزهار وجمالها الرائع ويسمع أغانيها العذبة، حتى يقع أسيراً في أحابيل سحرها، يشم طلعها فيتغلغل في رئتيه ويصيبه بالدوار، فيسقط على الأرض قرب الأوراق الغضة التي تنفض فطورها المميتة في خلاياه، وأجهزته العضوية الداخلية حيث تنتقل إلى المخ، وتنتشر عبر التصورات لتخترق الحجب والجدران وتصل إلى مدننا تحت سطح الكوكب وتصيبنا بالأمراض المميتة. وأنت يا صغيرتي (داليا) وقعت في مطب سحر زهرات المارد، وانتقلت الفطريات عبر تصوراتك إلينا فأهلكت خمسة عشر من أطفالنا ونسائنا.. وهذا ما دفعنا إلى حرق شعرك حيث تعشعش الفطريات وإلى دلك فروة رأسك لإرجاعك إلى حياتك العادية.. كان من اللازم عليك يا صغيرتي أن تطيعي أوامر رئيس بعثتكم العلمية الأرضية حتى لا تقعي في هذه التجربة المؤلمة. انطفأ النور في جهاز التلفزة، وغمرت الإضاءة جسم (داليا)، فرأى الجميع رأسها يلمع في الضوء خالياً من الشعر، وقد احمرت فروته.. تحرك رأسها قليلاً ثم نهضت ببطء وخبطت داخل الجهاز الذي انفتح إلى آخره.. هرعت وهي تبكي من الخوف تدفن رأسها في صدر العالم الكهل رئيس البعثة العلمية، فضمها برفق وربت على ظهرها وهو يقول: ـ ألم يفهمك ابني (ماجد) مرة أخرى في الغابة أن لا تقتربي من الزهرات الساحرات.. مدت (داليا) يدها تتحسس رأسها وهي تبكي وتقول: ـ حرقوا شعري بالنار.. قال ماجد: ـ كان ذلك ضرورياً للتخلص من الفطريات المميتة.. احتواها ماجد بين ذراعية وهو يقول: ـ ألم أقل لك يا داليا، يجب أن نستمع لنصائح آبائنا.. حذرنا أبي من ذلك وكان من اللازم أن تلتزمي بتحذيره... قالت داليا: ـ أمن المعقول يا ماجد أن يكون ما جرى لي في أرض الأحلام حقيقة واقعة؟ أجاب ماجد: ـ نعم.. وسكان هذا الكوكب الذين تربطنا بهم روابط صداقة متينة يسكنون تحت سطحه.. وقد عقموا مدنهم وقراهم من الفطريات.. ـ لم لا يقطعون تلك الأزهار؟ ـ إن مجرد اقترابهم منها يعني هلاكهم.. ـ ولم لا نتأثر نحن؟ ـ لأننا نختلف عنهم في صفاتنا البيولوجية والفيزيولوجية.. نحن بإمكاننا مقاومة الفطريات وعدم التأثر بمفعولها.. *** سمع الجميع صوتاً رخيماً يهتف بأسمائهم بلطف: ـ أحبتي أهل الأرض، يسرنا أن نرحب بكم فوق كوكبنا المارد.. ونحن ندعوكم أن تمدوا زيارتكم لنا، وأن تستمعوا بجو كوكبنا الشبيه بكوكبكم البعيد في المجموعة الشمسية.. وسنرسل لكم هذا المساء فرقة الدمى لتمتعكم بسهرة لطيفة.. سترون أيضاً بعض ألعابنا؛ وأسراباً من حيواناتنا الأليفة تقدم لكم عروضها الرائعة.. وبالفعل بدأت الأعين تشخص صوب سماء الكوكب الوادع، ترقب سرباً من حيوانات الكوكب تطير في خطوط ملونة بديعة تخترق السحب الرقيقة، وتشكل صوراً بديعة تنسجم مع لون السحب الوردية.. وعندما حل المساء، قضى الجميع وقتاً ممتعاً، وهم يتأملون جماعات الدمى المتحركة، تروى لهم الحكايات والنوادر عن الظلم ومقارعته بالمقاومة والصمود.. وعن الحب والتفاؤل والعمل.. وصنع المستقبل الخير للأحياء المنتشرة على الكواكب في هذا الكون الواسع.. أرسل سكان الكوكب المارد، إلى (داليا) شعراً أصفرا حلواً.. وعندما وضعته على رأسها تألق وجهها بحمرة مشرقة.. فدمعت عيناها حباً بهذه الكائنات اللطيفة، التي غفرت لها غلطتها المميتة وأمتعتها باللعب والهدايا.. في صباح اليوم التالي، تركت البعثة العلمية الأرضية، بعض النماذج المتقنة الصنع، لهياكل أرضية، وبعض الأجهزة التكنولوجية المتطورة كهدية لسكان الكوكب (المارد)، وشقت سفينتهم عباب الفضاء، متجهة إلى كوكب جديد ومغامرة جديدة. 1) ) ـ أول قصة خيال علمي للأطفال في الوطن العربي، كتبت عام 1978م وتحدث عنها عدد كبير من النقاد العرب |
|
| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |