مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 441 كانون الثاني 2008
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

بيتنا الصغير ـــ نزار نجار

صورة عمّي‏

بعد حرب تشرين بثلاث سنوات ولدت..‏

أطلقت جدتي زغرودة طويلة، وطفرت الدموع من عينيها، كانت فرحة جداً بقدومي، قالت للجيران في الحارة.‏

ـــ رجع ولدي سعد إلينا.. رجع ولدي الشهيد، كنت أعرف أن الله سيجبر خاطري!..‏

وهكذا حملت اسم عمي سعد.. عمي الذي سقط شهيداً بين صخور الجولان.. صورته كانت على الحائط فوق سرير جدتي تماماً، وكانت بزته العسكرية تثير فضولي، فأظل أحدق في الصورة، تناديني أمي، وأنا ما أزال أحدق في الصورة، أتلكّأ دائماً لأمعن النظر فيها.. عمي يبتسم لي وحدي، يقف هناك باعتزاز، مثل صنوبرة شامخة، على صخرة بعيدة، غارقة في الضباب، وهو يرفع البندقية.. جدتي تقول:‏

ـــ هذه آخر صورة له.. انظر.. ألست تشبهه يا سعد!!..‏

شعرت بأن تلك الوقفة تغريني، أنا أيضاً، للوقوف معه فوق الصخرة الغارقة في الضباب.. كم مرة رأتني أمي أرفع قبضتي فوق رأسي.. أرفع البندقية.. مثل عمي!.‏

صحيح أنني ما أزال طفلاً، بنظر أمي وأبي، لكن بوسعي أن أخبركم عن أشياء جديدة، لا يعرفها من هم في مثل سني،.. فأنا صديق لجدتي، أو يمكنكم أن تقولوا إنني الصديق الحقيقي لجدّتي.. لقد تعلّمت منها الحب الكبير للوطن.. وعرفت لماذا قاتل عمي الأعداء.. كانت عيناها تدمعان وهي تحدّثني عن ذلك، وكم أحْبَبْتُ أن أسمع تلك الحكاية، التي جرت مع عمّي البطل..‏

ــ كان الجنود الأعداء يتقدّمون، صار الوضع صعباً وخطيراً، فهناك تسعة مقاتلين، يرابطون عند الممّر الذي يريد العدو اختراقه، أخذ الرصاص ينهمر فوقهم كالمطر.. رصاص الرشاشات.. ثم بدأت قذائف المدافع تتطاير.. عمي ورفاقه لم يتزحزحوا عن موضعهم شبراً واحداً.. وفجأة سقطت بينهم قذيفة، قتلت منهم أربعة، وطمرت عمّي في التراب، كما لو أنه قد مات.. ولكنْ.. لم يكد ينقشع الغبار حتى بدا من خلال الدخان شكل إنسان، إنه عمي لا يزال جالساً في موضعه الأصلي، واستطاع بعدئذ، مع الباقين أن يصدّ تقدّم الأعداء الصهاينة..‏

بعد أيام، كان عمي يقفز بين صخور الجولان، يتصيّد جنود الأعداء، فأصابته شظية من طائرة غادرة، فسقط هناك معانقاً تراب الوطن..‏

* * *‏

في البيت، إذا افتقدني أبي، ولم يجدني بين أخوتي.. سوف تبتسم أمي، أنا أعرف ذلك، وتقول:‏

ـــ اذهبوا، ونادوه.. إنه هناك، فوق سرير الجدة، يحدّق في الصورة، يرفع قبضته عالياً، ويحدّق في الصورة.. سعد.. يا سعد..‏

إخوتي‏

ألصق أخي أمجد ورقتين صغيرتين فوق شفته العليا وقال‏

ـــ هذان شارباي، لقد صرت رجلاً!‏

صاحت رزان:‏

ـــ تعالوا نقم بتمثيلية!‏

ارتفعت الأصوات:‏

ـــ تمثيلية، تمثيلية..‏

قالت أختي الكبرى:‏

ـــ سنوزّع الأدوار.. وائل يمثّل دور الأب..‏

صاح أمجد:‏

ـــ لا.. أنا الذي أمثّل دور أبي، هذان شارباي قد صارا جاهِزَيْن..‏

ـــ لا بأس، أنت، يا أمجد، أبونا.. ولكنْ..‏

ـــ لا تقولي شيئاً، أنا أعرف ماذا عليّ أن أفعل!‏

ويركض أمجد فيأتي بوسادة صغيرة، يضعها حول وسطه ليبدو في ضخامة أبي..‏

أما سلمى فهي تمثّل دور أمي، بعد أن تحشو صدرها، وتلفّ حول عنقها شالاً ملوناً، ونقعد نحن في انتظار دورنا..‏

يقول أمجد، مقلّداً صوت أبي:‏

ـــ هِمْ.. هِمْ.. كيف حال الأولاد اليوم.. هل درسوا جيداً.. هل كتبوا وظائفهم؛ هل هناك من أثار شغباً أو فوضى في البيت؟‏

تقول سلمى وهي تفرك كفيها:‏

ـــ لا.. لا.. الحمد لله.. أولادنا لطيفون جداً، انظر إليهم، (تشير إلينا)، عادوا من المدرسة، أكلوا بهدوء،.. لعبوا قليلاً.. وهم الآن يدرسون!.. (نتظاهر نحن بالقراءة).. لم يكن هناك واحد شاذ.. سوى.. سوى..‏

ـــ هِمْ.. هِمْ.. هيا قولي!..‏

ـــ سوى أمجد (!!).‏

ـــ أمجد!! أين هو ذلك المشاغب؟!‏

نشير نحن إليه، ونهمس: أنتَ نفسك.. أنتَ..‏

يقول أمجد بصوت مضطرب، وهو يشير إلى نفسه:‏

ـــ غير معقول، أمجد ولد عاقل ومهذّب، أمجد مجتهد.. تحبّه المعلمة، المدرسة كلّها تحبّه.. أمجد مرتّب لا يحبّ الفوضى.. نصيح نحن:‏

ـــ ما هذا.. توقّف أنت تمدحُ نفسَك..‏

يحجّ أمجد وقد اهتزّ شارباه:‏

ـــ هذه تمثيلية..‏

ـــ حتى ولو كانت تمثيلية، لا يجوز أن يمتدحَ الإنسانُ نفسه..‏

* * *‏

قال وائل:‏

ـــ انتظروا.. يا إخوتي، سنبدّل الأدوار..‏

صاح أمجد وهو يقفز فوق الكرسي:‏

ـــ ولماذا، لن أعطيك شاربيّ، أنا لا أقبل..‏

قالت رزان:‏

ـــ عندي اقتراح.. تعالوا نمثّل قصّة الثعلب الذي يحتال على حيوانات الغابة..‏

صاح الجميع:‏

ـــ قصة الثعلب.. قصة الثعلب..‏

جاء وائل بعصا قصيرة، وقال:‏

ـــ أنا الثعلب..‏

قال أمجد وهو يعيد تثبيت شاربيه:‏

ـــ وأنا الأرنب..‏

قالت أختي الكبرى:‏

ـــ رزان هي الدجاجة.. وسلمى القنفذ..‏

حسناً أظنّ أنكم راضون بأداوركم..‏

ـــ نعم.. نعم..‏

أحنى وائل رأسه، وبدأ يمشي كعجوز:‏

ـــ أنا الثعلب المسكين، صرت ضعيفاً.. لم يعد أحد يخاف الله، لم يعد أحد يأمن على نفسه، في هذه الغابة، سأطوف البلاد.. وأدعو إلى نزع السلاح.. أنادي بالسلام. وأحذّر من الذئاب والمحتالين..‏

تقترب رزان، يلتفت وائل إليها:‏

ـــ مرحباً أيتها الدجاجة البيضاء..‏

ـــ مرحباً أيها الثعلب الطيب.. هل تسمح لي بمرافقتك..‏

ـــ تفضّلي.. تفضّلي..‏

يقفز أمجد، ينظر هنا وهناك مقلّداً الأرنب، يقول وائل:‏

ـــ أهلاً بصديقنا الأرنب، هل سمعت آخر الأخبار، سيعمّ السلام البلاد.. سنطرد الذئاب والمجرمين.. هيا معي ننشر السلام في كل البلاد..‏

هزّ أمجد رأسه، ومشى إلى جانب وائل ورزان..‏

تدحرجت سلمى فوق الوسائد، تقلّد القنفذ..‏

قال وائل:‏

ـــ انظروا، ذلك القنفذ الجاهل، إنه لم يدر أن الحرب توقّفت، وأن السلام سيعم العالم، ماذا سيفعل بشوكه.. اسألوه.. لماذا أنت مسلّح أيها القنفذ..‏

ردّت سلمى، وهي ما زالت تتدحرج:‏

ـــ لأدافع عن نفسي ضد الأعداء..‏

يضحك وائل، ويقول:‏

ـــ لم يعد هناك أعداء.. اخلع شوكك، واصحبنا لننشر السلام، لماذا تتعب ظهرك بهذا الحمل الثقيل من السلاح.. والعتاد..‏

قالت سلمى:‏

ـــ أشكرك أيها الثعلب الفاضل، ولكن انظر إلى نفسك، هل تخلّيت عن أنيابك ومخالبك!..‏

خبّأ وائل يديه خلف ظهره، أغمض عينيه، وقال:‏

ـــ أين مخالبي.. لقد نزعتها منذ زمن طويل.. طويل.. طويل..‏

كان يقول ذلك، وهو يحاصر أمجد ورزان وسلمى في زاوية البيت.. أسرع أمجد، وانسلّ من بيني يديه المرفوعتين، وانطلق هارباً، أما رزان فصاحت:‏

ـــ قا.. قا.. قا.. النجدة أيها القنفذ الشجاع.. أشهر سلاحك في وجه المحتال..‏

وركض وائل بعيداً، بعد أن رمى عصاه تحت الكرسي وصفقنا جميعاً..‏

ـــ انتصرت سلمى.. انتصرت سلمى..‏

طارت الوسائد إلى السقف.. ولم يتوقّف صخبنا إلا على صوت أمي:‏

ـــ اهدؤوا قليلاً.. لقد جاء أبوكم..‏

وأسرعت سلمى تجمع الوسائد المتطايرة، ورزان تعيد ترتيب غرفة الجلوس..‏

قالت أمي:‏

ـــ ولكنْ.. أين أمجد..‏

ـــ صحيح.. أين أمجد.. كان معنا منذ قليل.. وكان يمثّل دور الأرنب الذي يقفز ويهرب..‏

وفتّشنا البيت، بحثنا تحت الكراسي، وخلف الخزائن.. في المطبخ.. والصالة، وغرفة الضيوف.. لم يكن هناك ما يُشير إلى وجوده.. أين يمكنه أن يختبئ.. لقد انتهت اللعبة.. وحضر بابا.. وعاد كل شيء إلى مكانه..‏

من غرفة النوم، سمعنا صوت أبي:‏

ـــ هِمْ.. هِمْ.. ما الذي يفعله هذا في سريري..‏

وقفزنا جميعاً.. كان أمجد هناك، في سرير بابا غارقاً في النوم.. وقد نسي أن ينزع شاربيه.. وابتسمنا ونحن نُحيط بأبي.. كان هو ـــ أيضاً ـــ يبتسم مثلنا..‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244