|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
قاسم وريش الإوز ـــ نزار نجّار فوق المصطبة، أمام داره الطينية هناك؛ وتحت عريشة العنب تماماً، اعتاد قاسم الثرثار أن يضطجع كل مساء.. زوجه زينب تترك إبريق الشاي والأكواب أمامه في صينية صغيرة، وتنصرف إلى عملها. أما هو فيظل يتقلب على الحصيرة، يرتب أكاذيبه عن أهل القرية، ويلفق كل يوم كذبة جديدة، يُضحك بها أصحابه الذين يحبون السهر معه. حين يكتمل عددهم، يتربع قاسم أمام الإبريق، يصب الأكواب للأصحاب، يرشفون الشاي المعطّر بالنعناع، ويستمعون إلى أحاديثه ويضحكون.. يتنحنح قاسم: ـــ احم.. احم، أتدرون لماذا أرسل أبو حمدان ولده إلى المدينة باكراً؟! يسأل الأصحاب: ـــ لماذا يا قاسم؟ ـــ أنا أعرف.. أرسله باكراً حتى يعرف الأسعار، ويسبقكم في بيع البطيخ! يهزّ الحاضرون رؤوسهم.. هكذا.. يتابع قاسم: ـــ أبو حمدان رجل ماكر كالثعلب، سريع مثل الفأر، يفهم أكثر منكم، دائماً يسأل عن الأسعار، ويعرف متى عليه أن يجمع البطيخ ويرسله إلى السوق ليبيعه بسعر جيد!. ـــ يا له من مكار.. يقول الحاضرون.. يبتسم قاسم.. يقول في نفسه: هذه لزقة مناسبة في ظهر أبي حمدان، لا أظن أحداً يستطيع أن يغلبني! يغيّر قاسم جلسته، ويكمل: ـــ تصوروا جارتنا أم الطاهر دخلت بيوت القرية بيتاً بيتاً، من أجل حفنة زبيب..، ابنها الصغير يبكي وتريد إسكاته بالزبيب، تدقّ الأبواب، و(تشحد) ما يسكت ابنها.. امرأة ـــ والعياذ بالله ـــ بخيلة، تتظاهر بالفقر، وهي تدفن كنزاً تحت قنّ الدجاج! يتعجب الحاضرون: ـــ يا لطيف، كنّا نظنّها امرأة مسكينة؟ ـــ مسكينة،.. أنتم المساكين، ليأخذها الطاعون، اسألوني عنها، أنا أعرف كل شيء!! * * * ويتقلب قاسم فوق الحصيرة، ويتابع: ـــ ومحمود السالم، هه.. ـــ ماذا جرى لمحمود السالم؟! ـــ محمود السالم هذا، يدعي أمام أمه أنه يدرس في المدينة، يحمل كتباً ويزعم أنه يقرأ، ليحرق الشيطان لحية أبيه في جهنم، إنه يتسكع في شوارع المدينة، ويبذر النقود، لتتعثر قدمه وتنكسر، إنه يحمّل أهله ما لا يطيقون!.. ـــ ولد ضائع، لا حول ولا قوة إلا بالله! ـــ صحيح، ولد ضائع! ويمضي قاسم، أو على الأصحّ، يمضي لسان قاسم الذي لا يدركه التعب في الشقشقة والأذى، حتى ينصرف السامرون.. * * * في البيت، تقول له زينب: ـــ لم يمنحك الله شيئاً سوى لسان حاد سليط، ينفث سماً كلسان الأفعى.. يصيح قاسم: ـــ اسكتي يا امرأة!.. ـــ يا قاسم، هذا لا يصح، أنت تتجنّى على الناس، انظر القرية كلها تسخر من أحاديثك، أصدقاؤك المخلصون انصرفوا عنك وهجروك.. حتى أبو حمدان الطيب لم يسلم من لسانك، أبو حمدان الذي ساعدك ـــ أيها الكسلان ـــ في البذار والسقاية.. أنا حزينة يا قاسم!! ـــ حزينة!.. ـــ كيف لا أحزن، وأنا أحبك، ألست زوجي!!.. أبو حمدان أرسل ابنه إلى المدينة باكراً، لإحضار الدواء.. فأم حمدان مريضة جداً، جارتنا أم الطاهر ضاعت دجاجاتها البيضاء، طافت على بيوت القرية تبحث عنها، ومحمود.. محمود السالم، خجول ومهذبّ، لا يترك الكتاب حقاً. سينال غداً الشهادة.. هذا لا يليق يا قاسم!! * * * في الصباح، ألقى قاسم التحية على أبي حمدان فأدار الرجل ظهره كأنه لم يسمع.. قال قاسم في نفسه: ـــ لم أكن أقصد إيذاء أبي حمدان صديقي.. وجاري... تحت شجرة التوت الهرمة، وقف قاسم أمام عجوز القرية، قال بصوت حزين: ـــ أريد أن أستعيد صديقي أبا حمدان، لقد أخطأت في حقّه، وألحقت به الأذى، لساني لفّق تهمة كاذبة.. قال العجوز الحكيم، وهو ينكت الأرض بعصاه.. ـــ لا بأس يا قاسم، أنت تعترف بخطئك؛ الاعتراف بالخطأ فضيلة، ولكن كيف يمكن أن تصلح ما أفسدت؟.. حسناً، اذهب إلى كل بيت في القرية أسأت إليه، وضع على بابه ريشة إوز.. ـــ لماذا؟! ـــ لا تسأل.. افعل ما أقوله لك، وعُدْ إليّ غداً مع طلوع الشمس!. * * * فعل قاسم ما طلبه العجوز، وزّع ريش الإوز على أبواب بيوت القرية في المساء، ونام تلك الليلة دون أن يسهر، كان ـــ فقط ـــ يفكرّ في معنى ما فعله.. وقبل طلوع الشمس، كان هناك عند شجرة التوت ينتظر العجوز. قال العجوز: ـــ حسناً أسرع إلى بيوت القرية واجمع لي ريش الإوز. ركض قاسم، ركض وهو يلهث كان يريد أن يجمع الريش بسرعة، ولكن كيف، لم تكن هناك ريشة واحدة على عتبة أي باب، مستحيل لقد تطاير الريش بفعل الريح القوية حدث قاسم نفسه: ـــ ذلك العجوز يسخر مني أأنا ساحرٌ حتى أجمع الريش المتطاير.. لقد أبعدته الريح، من يوقف الريح سأكون مجنوناً إذا عاندتها. * * * وعاد قاسم إلى العجوز، كان ما يزال ينكت الأرض بعصاه، قال العجوز: ـــ هِمْ.. ها قد عدت لم تستطع جمعه، كذلك شأن كلماتك الطائشة التي تجنّيت بها على أصدقائك وجيرانك.. وسقط رأس قاسم بين كتفيه، لقد عرف ماذا يريد العجوز.. ولأول مرة تحدّرت دمعة ندم من عينيه.. وأمام المصطبة، عند داره الطينية، قالت زينت: ـــ عاد قاسم، زوجي الذي أحبه.. |
|
| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |