|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
الحدود ـــ جمانة نعمان لملت القبيلة خيامها، حزمت أمتعتها، هيأت الجمال، وابتدأ السير وحداء القوافل. الصحراء مترامية الأطراف ـــ الحر شديد، والأطفال يتمسكون بثياب أمهاتهم، قالت صبية صغيرة لأمها: إلى أين نسير...؟... اختلاط سؤالها بسؤال "رجل الحدود" وإلى أين أنتم ذاهبون؟.. سكتت القبيلة. أجاب زعيمها نحن ذاهبون للأهل.. وأين يقيم الأهل؟.. سأل "رجل الحدود" قال الشيخ مشيراً بيده: "هنا في "الديرة" لم تعد الصغيرة تتابع الحديث فقد فهمت الآن. إنهم حيث ينتقلون تكون "الديرة" ويكون "الأهل". * * * وصلت القبيلة واحة وارفة الظلال، كثيرة العشب والمياه. أمر رئيس القبيلة منادي الركب أن ينادي: "استقروا هنا" أوقف الرجال الجمال، فكوا الأمتعة، دقوا الأوتاد ثبتوها في الأرض جيداً، وامتدت الخيام.. خيام سود فوق تربة رملية صفراء يحيط بها خضار أشجار النخيل.. جلس الركب يستريح، جلست كل أسرة في خيمتها قبل أن تبدأ سهرة القبيلة كلها.. أقبل المساء، هبت نسائم أول الليل، نسائم طرية يعرف حلاوتها كل من مر بالبوادي، برز القمر بدراً فبدت السماء كبيرة صافية، والمدى واسعاً.. أحست الصغيرة بالفرح والمهابة، وبدأ قلبها يرفرف كطائر فرح.. أحست بشيء لا تستطيع تفسيره، شيء غريب غامض، وكثير المهابة والجلال.. ونظرت إلى النجوم حولها فبدت لها كأطفال من كل أنحاء العالم يلعبون ويخلقون البهجة والفرح. تنهدت وقالت لأمها: الحياة جميلة، والأطفال سعداء.. فلماذا الحرب قالت الأم: من أين سمعت بالحرب.. من أخي الذي عاد من المدينة.. وماذا قال لك؟.. لم يقل لي... قالت الصغيرة: كيف نقاومهم يا أمي ردت الأم: اطمئني يا صغيرتي فللقبيلة رجالها الذين يدافعون عنها.. سألت الصغيرة: وللديرة؟.. تنهدت الأم بعمق وارتياح وقالت: الديرة أيضاً محمية برجالها وسواعد فتيانها.. الأعراب يا صغيرتي كأزهار الصبار: أزهار من نار.. في وهجها الجمال وبين أشواكها الطمأنينة والأمن.. قالت الصبية: ولكنهم يتنقلون دائماً. ردت الأم بثقة: ولذا فهم يدافعون عن الديرة في أي مكان وجدوا ضرورة للدفاع في الشرق والغرب في الشمال والجنوب. تذكرت ما كان يتحدث به جدها عن حروب دافعوا فيها عن حدود الديرة في مناطق لا تعرفها.. لكنها تعرف أنها بعيدة وفي أنحاء مختلفة أرادت أن تقول شيئاً لكنها سكتت لأنها لم تعرف كيف تصوغ سؤالها بعد. * * * أقامت القبيلة فترة تتابعت فيها الفصول. ربيع، صيف، خريف، شتاء.. وكانت الصغيرة تتابع مع بقية الأطفال، الحياة اليومية في القبيلة. ـــ الاحتفال عند الغروب بحلب الماشية.. أوعية الحليب الكبيرة نيران الحطب وغلي الحليب.. تحضير الحليب لصنع الزبدة والجبن. كل ذلك في جو من الغناء والأحاديث المرحة. ـــ ألعاب الأطفال.. صناعة الخيام.. وملابس الأعياد، دق المهباج عند الغروب.. وسهرات القبيلة.. كانت تتابع كل ذلك وتستهويها بشكل خاص رياضة الفروسية التي يمارسها شباب القبيلة ليصبحوا فرساناً أشداء. كانت تنمو، وينمو وعيها مع فرحها وسعادتها لكن صوت منادي الركب كان وراءها دائماً: "إلى الرحيل" كانت القبيلة تستعد للرحيل، اقتربت الصبية الصغيرة من أمها وسألتها: "لماذا نرحل دائماً". أجابت الأم ببساطة: الأرض لنا نرحل متى نريد ونستقر حينما نشاء.. ثم أننا نرحل طلباً للماء. قالت الصغيرة مستغربة: الكلأ والماء متوفران هنا.. ردت الأم: هذا صحيح يا صغيرتي لكن "حكيم" القبيلة رأى مكاناً آخر أوفر ماء وأعشابه غنية بالغذاء للماشية والأودية للإنسان ولذا قررت القبيلة أن ترحل في إثرها وتعتني بأعشاب التداوي. قالت الصبية مستغربة من جديد: ترحل القبيلة كلها من أجل أعشاب للتداوي.. أجابت الأم بسرعة: وما الغريب في الأمر أتريدين أن يمرض أحد أفراد القبيلة ولا نجد الدواء لـه، ونحن بعيدون عن مراكز المدن؟! أجابت الصغيرة: طبعاً لا... ولكن لماذا لا يرحل الحكيم وحده ليحضر الأعشاب التي يريد.. ويرجع ابتسمت الأم وقالت: أتحسبين أن السير في الصحراء نزهة بسيطة.. الحياة في الصحارى يا صغيرتي قاسية على فرد واحد أو حتى على مجموعة صغيرة.. أما إذا كنا معاً ـــ قبيلة واحدة ـــ فيكون التعاون وتكون القوة.. ثم لا تنسي يا صغيرتي أن القبيلة وحدة، تسير معاً أو تبقى معاً، هكذا كان أجدادنا.. وهكذا نحن. * * * كانت الصغيرة تفكر بما قالته أمها.. الوحدة.. القوة، وتحاول أن تربط بما سمعته من أخيها عن الحرب والأعداء كانت تفعل ذلك وهي تسير إلى جانب أمها.. فقد طالت قامتها بعض الشيء وصارت تمشي إلى جوار أمها بدلاً من التمسك بثيابها كما يفعل صغار الأطفال.. * * * في الأوقات التي تكون فيها مضارب القبيلة قريبة من مراكز المدن الكبرى.. كانت الصبية تذهب مع أمها إلى السوق.. كم كانت تحب ذلك، فالسوق عالم غني بالألوان والحركة. المخازن ممتلئة بشكل غريب وجميل، قلائد، أقراط، أساور، كحل وحناء، خلاخل، سيوف مرصعة، خناجر محنية قاطعة وجميلة، ثياب ملونة ومقصبة، بسط وحصر كثيرة الألوان، عباءات بسيطة وأخرى كالتي يلبسها شباب القبيلة في الأعياد، كوفيات هفهافة، شديدة البياض، وأخرى ملونة، هوادج وأوان نحاسية، تمور وتوابل، زيوت وأصبغة، أشياء تراها دائماً في كل الأسواق، وأشياء تغيب أحياناً فلا تراها في بعض الأسواق. والحركة.. الناس في الأسواق كالنمل يسيرون مسرعين يتحدثون بأصوات عالية، يأكلون يضحكون، سكان مدن وسكان أرياف وبدو.. الكل في حركة دائمة والكل يتحدث اللغة نفسها وإن اختلفت اللهجات. * * * سألت أمها يوماً وكانت معها في السوق.. لماذا تتشابه الأسواق في المدن الكبرى التي نذهب إليها؟.. أجابت الأم: لأن أرض الأهل غنية، والأعمام والأخوان يمارسون أعمالاً متشابهة فتعطيهم الأرض منتوجات متشابهة.. وإذا تصادف أن اختلفت منتوجاتهم فيتبادلونها فيما بينهم أحياناً.. قالت الصغيرة: ولماذا لا يتبادلونها دائماً؟.. قالت الأم: قد يكون ذلك بسبب.. بعد المسافة مثلاً.. ردت الصغيرة: المسافة؟.. كيف؟.. نحن مع الإبل نقطع المسافات مهما كانت بعيدة.. وكيف وهم يمتلكون السيارات والطائرات كما قلت لي يوماً هذا صحيح.. قالت الأم.. لكن.. تساءلت الصغيرة.. لكن ماذا.. قولي يا أمي.. وقد شعرت أن أمها تقترب مما تريده هي.. ردت الأم: لعلها الحدود.. همست الصغيرة لنفسها: الحدود مرة ثانية وثالثة، وتاسعة.. هذه المرأة سأسأل... ما هي الحدود؟... ولماذا هي موجودة..؟ وعندما سألت أمها بدا على الأم وكأنها تحاول التخلص من الإجابة.. فقالت لها: دعي السؤال لأخيك.. قالت الأم ذلك ووقفت معها أمام مخزن مملوء بالأقمشة المتنوعة.. كانت الأم تتحدث مع البائع الصغير تتابع ببصرها الأقمشة الحريرية الملونة.. ولا تقول شيئاً.. نظرت الأم خلسة حيث تنظر ابنتها ثم نظرت إلى قامة الصغيرة التي بدأت تطول فعلاً.. وقررت أمراً.. طلبت من البائع أن يعطيها قماشاً جميل الألوان قصت قطعة منه وأعطتها للصبية.. فهمت الصبية أنها دخلت مرحلة الصبا، ذات الثياب الجميلة الكثيرة الألوان.. ابتسمت.. ضمت القطعة إلى صدرها وسارت باتجاه القبيلة.. طفلة بدأت تصير صبية.. * * * المساء والليل الهادئ وسكون الصحراء.. ظنت الأم أن هذا الجو.. مع تعب النهار سيجعل الصغيرة تنام باكراً كعادتها.. لكن الصبية لم تفعل ذلك، فقد ظل ذهنها مشغولاً. ..جلست إلى جانب أخيها.. سألته بسرعة وبدون مقدمات.. ـ ماذا تعني الحدود؟.. لم يشأ أخوها أن يدخل معها في تفصيلات كثيرة فأجابها بسرعة: الحدود تعني الحواجز.. تابعت الصغيرة: كيف؟.. قال لها محاولاً تقريب الفكرة: تصوري شجرة وارفة الظلال، جذعها في الأرض، وفيئها في أرض أخرى، وبينهما أسلاك شائكة. قالت الصغيرة: وماذا في ذلك، تظل الأرض واحدة ويبقى هذا الفيء لتلك الشجرة.. هتف أخوها معجباً: هذا صحيح وهذا ما يثبته ترحالنا، الأرض واحدة.. وهذا الفيء لتلك الشجرة.. ردت الصغيرة وراءه: الأرض واحدة والأهل هم الأهل فلماذا الحواجز إذن؟ أجابها أخوها: أوجدها الأعداء ليفرقوا بيننا.. إننا نستطيع الوصول إلى الأعمام والأخوال لكنهم لا يستطيعون الوصول إلى بعضهم متى أرادوا. قالت الصغيرة: كيف.. بسبب الحواجز؟.. أجابها: نعم بسبب الحواجز.. قالت: ونحن..؟.. رد عليها: لا نعترف بهذه الحواجز.. نذهب أينما شئنا في الأرض العربية ونحارب حين يدعونا الواجب في أي مكان من الوطن وفي أي زمان.. قالت متممة استفساراتها: والأهل؟! أجاب: يسعون دائماً للتخلص من الحواجز.. * * * ربما لم تفهم ما قاله أخوها جيداً، لكنها شعرت بالارتياح ونامت تلك الليلة أكثر ما تكون فرحاً وسعادة. * * * أمام رجل مشابه لرجل الحدود وفي مكان مشابه كان السؤال أين جوازات سفركم.. سكتت القبيلة أجاب أميرها: هذه هوياتنا نحن لا نحمل جوازات سفر، عندما ننتقل في أرضنا. وبين أهلنا. جوازات السفر نحملها حين نغادر حدود الوطن.. ولن نغادر.. قال أمير القبيلة كل ذلك بلغة فصيحة ولهجة واثقة أشار رجل الحدود بعدها لهم بالمرور.. فمروا... مازالت القبيلة تسير حيناً وتستقر أحياناً ونوف الصغيرة تقف بين الطفولة والشباب صبية جميلة يكتمل وعيها داخل قبيلة عربية أصيلة تثبت بترحالها وحدة الأهل والأرض... |
|
| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |