مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 441 كانون الثاني 2008
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

الثعلب المحتال ـــ عبد اللطيف الأرناؤوط

مرت أيام قاسية على الثعلب، لم يجد فيها ما يُسكت جوعه، خرج من وكره وقد أسقمه الجوع. وراح يبحث عن طريدة يصطادها بالمكر والخديعة، وقد كان من عادته أن يطارد صغار الطير والحيوان أو ضعافها كالعصافير والدجاج والأرانب.

مرَّ الثعلب الماكر بشجرة يقف عليها ديك له عرف أحمر كالوردة، ومعه ثلاث دجاجات جميلة.

سأل الديك الدجاجات حين رأى الثعلب:

ـــ مالي أرى الثعلب مرهقاً هزيلاً..؟ ترى ماذا ألّم به حتى بدا على تلك الحالة..؟

قالت دجاجة:

ـــ وما تريد منه..؟ دعه لشأنه، ولا تدخلنا في مكره وخبثه.. فالثعالب لا همَّ لها إلا صيدنا، والتمتع بلحمنا.. لكن الديك المتكبر قال مزهواً وقد صعب عليه أن يبدو ضعيفاً أمام الدجاجات.

ـــ أنا لا أخافه، ولا أخشى أمثاله، فلي جناحان أطير بهما ساعة الخطر.

ثم التفت إلى الثعلب.. فسأله:

ـــ أيها الثعلب، مالي أراك متعباً هزيلاً، وما الأمر الذي يشغل بالك..؟

فكر الثعلب ملياً، وأظهر الضعف والمسكنة.. وقال:

ـــ آه أأنت الذي تخاطبني أيها الديك الجميل الصديق؟ منذ زمن طويل لم أرك...؟ كيف حالك..!!

ـــ بخير.. إلى أين تتوجه في سيرك..؟

ـــ إلى حديقة الحيوانات..

ـــ وما تفعل في حديقة الحيوانات..

ـــ أوه.. يبدو أن أخباري لم تصل إليك يا صديقي الطيب، حتى زميلاتك الدجاجات لا يعرفن قراري الأخير، فاعلموا أيها الأصدقاء الطيبون، أنني بحمد الله قد اهتديت إلى التوبة، وعاهدت نفسي ألا أعتدي على طير أو حيوان ولو كان نملة.. آه.. ما أشد ندمي على أعمال السوء التي أرتكبها، وأنا اليوم في طريقي إلى حديقة الحيوان كي أعيش مع طيورها وحيواناتها بسلام ووئام، لكن مشكلتي أن الطيور والحيوانات لا تصدق توبتي، ولا تقتنع بأنني زهدت وندمت على ما فعلت، ولو ذهبت وحدي فلن يقبل هؤلاء أن أكون معهم في الحديقة.

وتظاهر الثعلب أنه يبكي، فسالت دموعه وراح يمسحها بطرف قائمته.

تأثرت دجاجة مما رأته من ضعف الثعلب وقالت للديك:

ـــ مع أن هذا الماكر قد أكل فراخي، لكنني أقرأ التوبة في عينيه.

ولكن الدجاجة الثانية بدت أكثر حذراً فراحت تغني:

يا رفاقي احذروا

 

ليس للثعلب توبة

قوله عذب ولكن

 

خبثه يعمر قلبه

قال الديك المتباهي:

ـــ أنا لا أخشاه، وما تراه يفعل بنا..؟

ثم التفت إلى الثعلب وخاطبه قائلاً:

ـــ حسن أيها الثعلب التائب، نحن نرافقك إلى الحديقة ونشهد أنك ندمت وتبت.

ـــ آه، لا أعرف كيف أشكرك يا ملك الدجاج، كم أنا خجول منك، فقد مرت أيامنا في الغابة دون محبة أو صداقة.

وهكذا سارت القافلة خلف الثعلب.. سارت طويلاً حتى غربت الشمس، وعمَّ الظلام.

قال الثعلب:

ـــ الدرب طويل وقد أجهدنا التعب، تعالوا نستريح هنا في فجوة هذه السنديانة الضخمة، أنام معكم وأنعم بمؤانستكم، وغداً.. بإذن الله، نستأنف سيرنا إلى الحديقة..

قالت الدجاجة الحذرة:

ـــ كيف ننام والغابة عامرة بالذئاب والثعالب الماكرة التي لم تتب بعد..

قال الثعلب:

ـــ أنا لها، أحرسكم من كل معتد أثيم.

دخل الديك في جوف الشجرة ومن بعده الدجاجات، وظل الثعلب أمام الباب. كان همَّه أن يصل إلى الديك ليفترسه فهو أضخم جسماً وأكثر لحماً من الدجاجات.

وأقبل الفجر، ونشرت الشمس أشعتها على الكون، فخرج الديك من مرقده وراح يصيح: كو.. كو.. ري.. كو

فانتفض الثعلب، واستغل فرصة صياح الديك، فقال له:

ـــ أيها الديك، إن صوتك أزعجني، الناس جميعاً والحيوانات والطيور يشكون من صياحك وهم نيام، يالك من طائر غير مهذب، لا يراعي راحة الآخرين..!!

أدرك الديك أن الثعلب يريد به الشر، قرأ ذلك في عينيه الماكرتين، فأطلق جناحيه وطار ثم هبط إلى الأرض وراح يعدو.

لكن الثعلب الماكر كان أسرع منه، فلحق به وأطبق على عنقه بأسنانه حتى خنقه.

استيقظت الدجاجات على صياح الديك واستغاثته فرأت الثعلب يفترس ملك الدجاج، وفي سرعة البرق هربت مسرعة قبل أن يفترسها الثعلب.

التفت الثعلب باتجاه الدجاجات وقال:

ـــ ها قد سنحت لَكُنَّ الفرصة للهرب، وستأتي الفرصة الملائمة لافتراسكن قريباً..

ثم انصرف إلى الديك يلتهمه بشهية مشغولاً عما حوله..

ومرَّ قطيع من الكلاب الهائمة في الغابة، وقد استبدَّ بها الجوع، فرأت الثعلب يتمتع بالتهام الديك، فصاح أكبرها:

ـــ ها هنا فريستان، الديك لي، والثعلب لكم..

وقبل أن يحتاط الثعلب لنفسه، كانت الكلاب قد اقتربت منه وراحت تمزق جسمه بأسنانها.

وبعد ذلك.. ساد الغابة صمت عميق، إلا صوت البلبل المغرد، الذي كان يشهد ما يجري وهو على غصن شجرة.. فراح ينشد:

لا تقل إني قويٌّ

 

تبتلى يوماً بأقوى

 

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244