|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
الفراشة ـــ عبد اللطيف الأرناؤوط طارت الفراشة المرقشة فوق الحقول الخصيبة، والحدائق الخضراء، سعيدة مسرورة، تمر بالأزهار فتسلم عليها بحب ومودة، لقد كانت محبوبة من الورد والياسمين والبنفسج والفلّ، ومن كل ما يُزرع في الحدائق أو ينبت في الحقول. كما تجمعت في جناحيها ألوان الطبيعة، فقد أخذت من كل زهرة لوناً.. البرتقالي والأحمر والأخضر والبني.. فبدت وهي تطير معرضاً زاهياً منسجم الألوان. كانت ترف بنعومة وخفة في السماء، وتتمايل بسعادة متناهية. وفي يوم ماطر، تجهمت السماء، وغطت صفحتها الغيوم، وهبت الريح صاخبة، فاهتزت أعناق الأزهار في الحقول. وارتعدت الغراس الفتية، إلا أن الفراشة الجميلة ظلت تحلِّق في الفضاء في عرض رائع أخَّاذ. قالت وردة للفراشة: يا صديقتي، رفقاً بجناحيك المزركشتين الجميلين، فبعد قليل ستحاصرك الغيوم السوداء، وتثقل جناحيك قطرات الماء. فالتجئي إلى بيتك حتى تهدأ العاصفة.. قالت الفراشة: أوه.. دعيني حرة أتنقل بينكن يا صديقاتي الزهرات، فأنا لا أحس بالسعادة إلا بينكن، ولتفعل العاصفة وغيومها ما تشاء.. ومرت فترة تلبدت فيها غيوم السماء، فبدت سوداء.. وراحت الأزهار تضم أوراق كؤوسها لتصون نفسها من أذى العاصفة، ولكن الفراشة المرحة ظلت تطير وتنتقل من جانب إلى آخر دون أن تهتم بما سيصيبها. بعد قليل شعرت الفراشة وهي محلقة بثقل في جناحيها، فقررت العودة إلى مسكنها، فقد حاصرتها الغيوم السوداء التي اقتربت من الحقول، وسدت الأفق عليها، ثم دنت غيمة كبيرة من الفراشة وقالت لها: ـــ أنتِ يا ذات الجناحين الزاهيين، ما أجمل ألوانك.. وما أحلى النقوش التي فيهما.. هيَّا امنحيني هذه الألوان قبل أن أبللك بقطراتي فأسلبكِ إياها.. وأزيلها عنك.. فكرت الفراشة في طلب الغيمة.. ثم قالت: ـــ هذه الألوان الجميلة التي ترينها هي هبة من الله لنا نحن الفراشات.. غضبت الغيمة من الفراشة.. وتمتمت: كيف تجرؤ هذه الحشرة الصغيرة أن تعارض رغبتي.. وأنا الغيمة التي أسد بحجمي صفحة السماء.. وأقهر الحقول والبحار.. فأسلبها الماء والرواء.. وازداد غضب الغيمة فاشتد سواد وجهها.. ثم قالت: ـــ لكِ أن ترفضي الآن طلبي أيتها الفراشة، لكن قوتي ستخضعك، فأنال ما أريد منك. أجابت الفراشة الجميلة: أنا لا أخشاك أيتها الغيمة.. أنت حقاً كبيرة وقوية، وأنا أمامك صغيرة وضعيفة ولكني لست عاجزة.. لأن لي أصدقاء كثيرين، أنا صديقة الشمس والورد والأزهار.. أنا قوية بأصدقائي.. واشتد تجهم الغيمة.. وقررت أن تنتقم من الفراشة الجميلة فارتجفت بعناد وانطلق منها صوت رعد مزمجر، ثم أطلقت شرارة برق تخطف الأبصار، واندفعت فوق الحقول عاصفة قوية، وهطل مطر غزير بلل كل شيء فوق الأرض، وبعد فترة من الزمن.. هدأت العاصفة.. وسكنت الطبيعة ومضت الغيمة السوداء في طريقها.. ثم أطلت الأزهار فرأت في الأفق قوساً جميلاً طوّق السماء.. له سبعة ألوان متجاورة وهي: الوردي، والبرتقالي، والأصفر، والأخضر، والبني، والأحمر، والبنفسجي..! ثم بدت الشمس تختال في السماء.. فرأت الألوان المتناسقة.. كالورود الجميلة.. فسألتها عن تلك الألوان السبعة التي تمثل قوس قزح.. فأجابت الأزهار: إن الغيمة قد سلبت صديقتها الفراشة ألوانها السبعة. عندئذ أرسلت الشمس أشعتها في الفضاء وفوق الحقول والبساتين، فلما شعرت الغيمة بحرارة أشعة الشمس هربت، وغابت في الأفق.. بعيداً. ثم تفتحت الأزهار، وانتصبت فوق أعوادها تستدفئ بأشعة الشمس، وازدهت الحقول بشتى الألوان.. وأحست الفراشة بالدفء، ونفضت جناحيها النديين برذاذ المطر.. وقالت: ـــ شكراً أيتها الشمس.. فقد أنقذت حياتي.. ثم راحت تطير عبر الحقول.. تناجي الأزهار.. بعد أن رأت في السماء حزمة كبيرة من الألوان تشبه ألوان أجنحتها.. |
|
| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |