|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
الحمامة والثعبان ـــ عبد اللطيف الأرناؤوط ظلت حمامة وديعة تنقل القش إلى عشها طوال النهار حتى أرهقها التعب، فجلست فوق العش، تلتمس قليلاً من الراحة. نظرت إلى العش بعينين وادعتين، ثم قالت: ـــ لم يبقَ إلا القليل، ويصبح عشاً جميلاً مريحاً، أضع فيه بيضي وأحضنه. ثم راحت تتخيل كيف سيكون لها فراخ عليها زغب ناعم جميل الشكل، فسرت قشعريرة من الفرح في جسدها، ونسيت التعب وطارت تجمع القش لتكمل بناء عشها. حملت الحمامة بعض الأعشاب الطرية، ونتفاً من الصوف ورتبت ذلك كله، فأصبح العش جاهزاً. ثم وضعت بيوضها، واحتضنتا بحنان ولطف، كانت تتجنب أية حركة عنيفة حتى لا تفسد البيوض، أو تؤذي الفراخ الصغيرة التي بدأت تتشكل في داخلها. في ذات يوم مرّ بالعش ثعبان جائع، وكانت الحمامة بعيدة عنه، تبحث في الرياض والحقول عن طعام لها، فكسر الثعبان البيوض وشرب ما في داخلها، ثم انسلّ وهو يتلوّى سعيداً لأنه ملأ بطنه. عادت الحمامة.. وفوجئت بما رأت.. فحزنت كثيراً وبكت.. ثم تقصّت أثر المعتدي فرأت على التراب قرب العش خطاً متواصلاً يفضي إلى جحر الثعبان، فحزرت أنه الذي اعتدى على بيوضها.. ظلّت الحمامة ترقب الثعبان إلى أن رأته ذات يوم يقترب من العش، ويبحث فيه، عسى أن تكون الحمامة قد وضعت فيه بيوضاً جديدة، فأيقنت أن الثعبان هو الآثم والمعتدي، ولم تكن قبل ذلك على يقين من أنه المذنب. عندئذ. طارت الحمامة إلى رفيقاتها، فأخبرتهن بما كان من أمر الثعبان الغادر، فاتفقن على الانتقام منه. قالت إحداهن: ـــ هاجميه أنتِ أولاً.. ثم نتعاون معك جميعاً على القضاء عليه.. قالت الحمامة: أرجو أن تمكنني قوتي من أنال منه حقي.. ثم حلّقت في الفضاء، فبدا لها الثعبان قرب عشها، كان جسده المرقط يلمع تحت أشعة الشمس، وقد التف على نفسه، وأغفى فوق الأعشاب. وفجأة. انقضت الحمامة على الثعبان بمنقارها الأحمر، فهبّ مذعوراً، ورفع رأسه يريد أن يلدغ الحمامة، لكنها ابتعدت ولم تمكنه من لدغها.. استخف الثعبان المغرور بالحمامة وقال في نفسه: ـــ وما تصنع بي هذه الحمامة الضعيفة.. إن ضربة منقارها لا تؤذيني، ومخالبها ضعيفة لا تكاد تخدش جسدي. وعاد ثانية إلى رقدته مستمتعاً بحرارة الشمس. دعت الحمامة رفيقاتها، فتنادين، واجتمعن في سرب واحد، قالت حمامة مسنة: ـــ يا رفيقاتي، رفيقتنا الحمامة خسرت فراخها. وقد التهمها الثعبان المعتدي.. وهي الآن تقاوم ظلمه، وتدافع عن عشها. كان صدى صوتها يتردد في الجبال والوديان والغابات. حتى سمعته كل الحمائم في المنطقة.. فأقبلت أسراب الحمام من كل صوب.. وسألوا الحمامة عمّا جرى لها، فقصت عليهم اعتداء الثعلب الغادر. ـــ ليست هذه أول مرة يعتدي بها هذا الثعبان علينا، إنه عدونا الأبدي. وقال واحد من ذكور الحمام: ـــ تعالوا نتعاون جميعاً على حمل هذه الصخرة الرقيقة، ونرسل الحمامة المعتدى عليها إلى الثعبان.. ولتطلب منه التوبة وعدم الاعتداء علينا.. فإذا رفض التوبة ولم يعلن الندم أقبلنا نحن ورمينا الصخرة فوق جسده. طارت الحمامة إلى الثعبان.. وقالت له: ـــ أيها الثعبان الظالم، إن غدرك قبيح، فقد كسرت بيضي، واعتديت على عشي، والتهمت فراخي.. وإني أنتظر منك التوبة والندم والاعتذار، ولنعش معاً في سلام. ضحك الثعبان من طلب الحمامة.. وراح ينشد: أيَّ توبة تطلبين يا حمامة..! آه لو نلتك ما نلت السلامة لا سلام بيننا نعقده لا كلام بيننا، ولا ندامة صفقت الحمامة بجناحيها، فأدركت الحمامات أن الثعبان رفض الاعتذار، فظهرن كلهن أسراباً، وحططن على جسده نقراً بمناقيرهن، وخمشاً بمخالبهن حتى أدمينه، ثم جاءت الحمامات اللواتي حملن الصخرة، فافلتنها فوق جسده.. ووقفن فوقها وراح الثعبان يستغيث.. ويصرخ وبقيت الحمامات حتى خمدت أنفاسه.. ثم حفرت له حفرة.. فوارينه التراب حتى لا يفسد سمّه طيور الغابة وحيواناتها.. وعادت الحمامة إلى عشها بعدما شكرت رفيقاتها.. وباضت من جديد.. وكان لها فراخ صغيرة جميلة تطير كل يوم.. وتزقزق بفرح وسرور.. |
|
| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |