|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
باقة بنفسج برّي ـــ وليد معماري ربما حدثتكم عن معلمتنا الجديدة المكلفة بحصص الرسم والأشغال.. وكما تذكرون، كان اسمها الآنسة نخلة.. ولم تكن المعلمة نخلة طويلة وحسب، بل كانت ذات صوت حاد وجارح.. لكنها في آخر حصة اجتمعت بها معنا، بدا صوتها رخيماً، وهادئاً.. واعتذرت بأنها أصيبت بنوبة من نزلات البرد، تلك النوبات التي لا تفرق بين معلمة مكلفة بدروس فنية، وبين رائد فضاء.. وقالت لنا إنها لابد أصيبت بمثل هذه الجائحة، لأنها خالفت قوانين الطبيعة، وخرجت من غرفة مدفأة بشكل جيد، إلى فضاء بارد.. حيث الخلايا في الجو الدافئ تكون متفتحة لتلقي فيروسات الرشح والإنفلونزا... ثم تابعت، وهي تمسح أنفها بمنديل ورقي، ثم تعطس من خلف المنديل: يا أولادي.. أوصيكم باحترام الطبيعة... الطبيعية شيء مقدس... سينقضي الشتاء عما قريب.. ويحل محله الربيع.. ولابد أن كثيرين منكم سيخرج إلى البرية، وتغريه الزهور المنثورة عند سفوح التلال، وسيبدأ بقطف باقات منها.. وتابعت المعلمة نخلة قولها بصوت فيه الكثير من الحنان: أرجوكم يا أولادي.. تأملوا مشهد الطبيعة.. ولكن لا تعبثوا بلوحتها البديعة.. ولا تقطفوا من أزهارها... دعوها تتنفس، ولا تقتلوها.. ويبدو أن جائحة البرد اشتدت على معلمتنا نخلة في الأسبوع التالي.. ولم تسطع الحضور في الحصة المخصصة لها في صفنا.. وبدلاً من حضورها، دخلت المديرة.. وقالت لنا: يا أولاد.. معلمتكم دخلت المشفى منذ يومين.. ويستحسن أن تشكلوا وفداً منكم لزيارتها.. وقد تشكل الوفد من تغريد، وهي أطول من أطول بنت أو صبي في صفنا.. ومن محسن.. وهو أسمن صبي في الصف.. ومن محسوبكم شيبوب، على اعتبار أني أقصر من أقصر ولد أو بنت في مجموعتنا... وقالت المديرة: حسنٌ... اتفقوا على ساعة تلتقون فيها أمام المشفى... ولا تنسوا أخذ هدية رمزية معكم حين تزورون المعلمة نخلة.. أضافت وهي تشير بإصبعها إلي: أنت يا شغبوب ستكون رئيس الوفد... وعليك اختيار الهدية!.. ... عدت إلى البيت... وفوجئت بوجود جدي، وقد جاء من القرية لزيارتنا.. وحين كنت أعانقه وأقبله، لمحت باقة كبيرة من البنفسج البري تحتل مزهرية الصالة.. وقلت لجدي وأنا أقترب من باقة البنفسج البري: لابد أن هذه الباقة هدية منك.. قال جدي: نعم.. لقد جاء الربيع مبكراً هذا العام.. وقد أحببت، أنا وجدتك، أن نحمل ربيع الطبيعة المبكر إليك.. ورويت لجدي حكاية مرض معلمتنا نخلة، وأني مكلف بزيارتها في المشفى مع زميلين لي.. مع أخذ هدية مناسبة لها... وسألته: هل تسمح لي بأخذ باقة البنفسج البري كهدية للمعلمة نخلة؟.. وقال جدي: إنها أفضل هدية.. ... دخل وفد صفنا المؤلف من تغريد الطويلة، ومحسن السمين، ومحسوبكم شغبوب القصير إلى المهجع، وحين لمحت المعلمة نخلة باقة البنفسج بين يدي، صاحت بصوتها الحاد: ما هذا يا شغبوب؟!.. لابد أنك ارتكبت مجزرة في البرية كي تحصل على باقة البنفسج البري هذه.... هيا ارمها في سلة المهملات خارج المهجع.. وعد من دونها.. وحين كنت أهم بالخروج من المهجع.. دخل الطبيب المناوب مسرعاً، وكاد يصطدم بي.. لكنه تراجع خطوتين، وصاح: يا إلهي.. بنفسج بري!... واختطف الباقة من يدي، واتجه نحو سرير المعلمة نخلة وصاح: هذا هو دواؤك يا آنسة.. ستشفين خلال ساعة أو أقل... لكن الآنسة نخلة كانت قد سحبت الغطاء الأبيض فوق رأسها.. واختبأت تحته.. وأخذ الطبيب باقة البنفسج البري، ودسها تحت شرشف المشفى.. .. بعد ساعة خرجت تغريد.. وخرج محسن، وخرج الطبيب، وخرجت أنا من باب المهجع.. وكانت المعلمة نخلة تتقدمنا.. وهي تضم بين يديها باقة من البنفسج البري!... |
|
| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |