|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
سِرُّ المدينة النائمة ـــ عبد القادر الحصني بَعْدَ غَيْبَةٍ طويلةٍ، عادَ (علاءُ الدين) وصديقاهُ (مصطفى) و(حسن) إلى مدينتهم الحبيبةِ (دارِ السلامِ).. عادوا مشتاقين إلى وطنهم وأهلهم، لأنَّ مُدُنَ العالمِ مهما كانتْ جميلةً وغنيَّةً ومهما كانَ أهلها لطفاء وطيِّبينَ لا يمكن أن تعِّوض الإنسان عنْ وطنه وأهلهِ. على أبواب المدينةِ كانَ الليلِ حالكاً، وقلوب الأصدقاء الثلاثةِ كانتْ تخفقُ بفرح، وعيونهم تتشوق بسعادة غامرة. قال حسن: الحمد لله. لقد رجعنا سالمين غانمين. وقال مصطفى: إنني أكاد أطير شوقاً إلى زوجتي وأولادي. فعودتي في هذا الوقت ستكون مفاجأة سارة لهم. ولكن علاء الدين قال: إن العودة من السفر ودخول البيوت ليلاً أمر غير مشكور فهلاَّ انتظرنا الصباحَ يا صديقيَّ؟. أجاب حسن: نِعْمَ الرأيُ يا علاء الدين. فأنت أميرنا منذ خرجنا من المدينة ويجب أن تبقى أميرنا حتى ندخلها ثانية. على أبواب المدينة أراح الأصدقاء الثلاثة خيولهم المتعبة، وجلسوا يتسامرون بانتظار الصباح.. وطال انتظارهم، فمضت ساعات بعد ساعات، بل أيام بعد أيام. ولكن الشمس لم تشرق، والليل لم يتزحزح، فنفد صبر المنتظرين، وقرروا الدخول إلى المدينة ليعرفوا سبب هذا الليل الطويل الطويل. ودخلوها ففوجئوا بمشهدٍ عجيبٍ أذهلهم: فأهل المدينة قد تحولوا إلى كائنات جامدة لا تتحرك كأنها خُشُبٌ مسنَّدة: على باب (المخبز) كان طابور من الناس يقف جامداً بانتظار البائع الذي جمد هو الآخر وراء الميزان. وفي دكان الحلاق جمد الحلاّق والمشط والمقصّ في يديه كما جمد الزبون على الكرسي. وحتى أطفال المدرسة جمدوا في الطريق.. الباصات جامدة مكتظَّة بالناس الجامدين، وشرطيُّ السير جامد على الرصيف. ياله من مشهد مفزع.. مدينة جامدة لا حياة فيها، والريح وحدها هي التي تهزهز الناس فيتمايلون ويسند بعضهم بعضاً. قال مصطفى: إن المدينة مسحورة. وعلينا أن نتوجه إلى بيوتنا لنخرج أهلنا منها، فيزول عنهم السحر، وتعود إليهم الحياة. قال حسن: وهل يمكننا أن نحمل أهل المدينة جميعاً ونخرجهم منها؟ إن هذا مستحيل. ومن الأنانية أن نخرج أهلنا فقط ونترك جيراننا ومعارفنا وأهل مدينتنا مسحورين. علينا أن نفكر بحلّ آخر. قال علاء الدين: سر نوم المدينة كامن في المدينة نفسها. ولابد أن تكون هناك علاقة بين نوم الناس واختفاء الشمس. هيا نفتش في المدينة نفسها.. في أسواقها وحواريها عن سر نومها العميق. انطلق الأصدقاء الثلاثة يجوبون الشوارع والساحات، باحثين عن السر محدّقين في الظلام، حاملين مشعلهم الذي كان يضيء لهم ماحولهم. وفجأة لاح لهم شبحُ إنسانٍ يتحرّك فخافوا، وفرحوا، وتعجّبوا وانطلق الثلاثة باتجاه الشبح الذي كان يسير ببطء شديد. وما إن اقتربوا منه وتبيّنوا ملامحَ وجهه حتى عرفوه.. إنه (إبراهيم) حكيم المدينة وشيخها يحمل عصاه، ويحدّق فيهم. قال علاء الدين: ماسرُّ المدينة يا شيخ (إبراهيم). فأجاب الشيخ إبراهيم بصوت عميق: "بارك الله فيكم يا أولادي. اسمعوا مني سرَّ المدينة قبل أن أجمد، فأنا أغالب الجمود منذ سنة. وبفضل الله الذي وهب لي قدراً من الحكمة والصلاح مازالت لدي هذه القدرة على الحركة. السّرُّ يا أولادي هو أن حاكم المدينة الظالم قد ألقى القبض على الشمس وسجنها في سراديب قصوره، وهكذا جمد الناس وناموا نومتهم العميقة وما عادوا يثورون عليه، فأنقذوا الشمس من سجون الملك يستيقظ الناس، وتستيقظ المدينة". -حسناً. ياشيخنا إبراهيم. تابع مسيرتك في المدينة، وحرِّك الناسَ بعصاك، وقل لهم: إن علاء الدين وأصحابه، سينقذون الشمس، وإن موعدنا قريب". هذا ماقاله (علاء الدين)، وأشار بيده إلى قصور الحاكم الظالم، ففهم صديقاه ما أراد، وانطلقوا إلى هدفهم. الحرّاس على أبواب القصور كانوا نائمين، فالحرّاس من الشعب، والحاكم الظالم قد حرم حتى حرّاسه منها، واستأثر بها هو وحاشيته الذين كانت أصوات صخبهم تتعالى من قاعات القصور، أصوات اللهو والرقص. اندفع الأصدقاء الثلاثة إلى القصور، ونزلوا السراديب وراحوا يفتّشون الزنازين، وفي زنزانة رهيبة وجدوا الشمس مقيّدةً بالأغلال وبسلاسل الحديد فقال علاء الدين لصديقيه: "قوما بحمايتي، فأفكّ قيودَ الشمس". وبسرعة كبيرة حطّم علاء الدين أغلال الشمس وحملها بين يديه، ومن شرفة من شرفات القصر قذف علاء الدين الشمس إلى الأعلى فارتفعتْ واستقرّت في كبد السماء.. وفي اللحظة ذاتها دبّت الحركة والحياة في الناس والمدينة، واندفع الناس إلى القصر ليتوِّجوا (علاء الدين) ملكاً صالحاً على مدينتهم. من مجموعة "علاء الدين وسرّ المدينة النائمة" الصادرة عام 1985 |
|
| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |