مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 445 أيار 2008
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

حداثة الشعر العربي المعاصر: إلى أين ..؟ ـــ ممدوح السكاف

(1)‏

هل تواجه القصيدة العربية الحديثة أو المعاصرة مأزقاً حاداً وبليغاً، نستطيع توصيفه بقولنا إنه معاناة حالة من المراوحة أو السكونية إذا كنا متفائلين ؟ فبعد أن رحل روّاد الحداثة الشعرية عن عالمنا تباعاً ولِحُدُوا في قبورهم ( السياب، عبد الصبور، حاوي ) كان من المتوقع أن تستمر طريقتهم في التحديث صُعداً إلى الذُّرا، أو تنويعاً على وتر تجديدهم الشعري على الأقل. لكنّ الذي حدث أنّ التجريب لدى بعض الأجيال اللاحقة أخذ شكل الاضطراب والغيمومة في الرؤيا أكثر من شكل الإبداع الفعّال النافذ، وهكذا تاهت بعض نموذجات القصيدة العربية الحديثة في متاهات اللاوعي والانغلاق والإبهام. أو غابت في آفاق الرجوعية والتكرار والنمطية وأضحت على الحالتين مصابة بفقر دم عميم لولا بعض الأصوات المنبورة التي يتردد صداها ويتجاوب رجعها هنا وهناك في أرجاء الوطن العربي، مُحاوِلةً أن تطور أساليب الأداء الفني في إهاب القصيدة الجديدة لترسم فوق لوحة الحداثة خطوطاً متقدمة بألوان مقتحمة وضربات عنيفة.‏

(2)‏

ولكن لا بد لنا في هذا الصدد أن نتساءل تساؤلاً مشروعاً، كثيراً ما طرحه نقاد الحداثة : ما هي الحداثة في الشعر ؟ أو ما هي الحداثة الشعرية ؟.. وفي زعمي أن تكون حديثاً في الشعر، معناه قبل كل شيء أن تكون حديثاً في التفكير والسلوك والأفعال والتصرفات. وعندي أن معايشة الحياة بحداثة قد تقود بالتفاعل الإنساني مع المحيط ومعاناة التجارب الروحية الخلاقة إلى اختبار ماهية الحداثة الشعرية، ولكن كيف نعيش الحياة بحداثة لنصل إلى حداثة الشعر ؟.. هذا السؤال يلخص موقف الشاعر ورؤيته للوجود وفلسفته تجاه المواقف والظروف والحالات والانفعالات التي يحياها وينخرط في الصراع المتولّد عن أبدية الثنائيات الضدية المكوّنة لهيولى الشعر الأولى.‏

إن لأي شاعر مبدع خلاق عالمين، عالماً خارجياً يُحسُّ به ويتعاطى معه ويستمد منه نبض الواقع، وحركة الأحداث اليومية وفعاليات التطور والتغيّر ومدلولاتها. وعالماً داخلياً صرفاً يُكَوِّنه ويرسم أجواءه ومعالمه ويشيد قناطره وأبهاءه من تأملاته النفسية في ذاته كخلية شديدة التأثير في المجتمع أولاً وكنسيج نوعي من قماش ضام له تفردُ ملمسه الخصوصيّ ثانياً، ومن تحصيل الحاصل أن ينعكس العالم الخارجي بكل صخبه وزخامته وامتلائه والتهاب الحياة في أعطافه على العالم الداخلي للشاعر بفيض فورانه واندفاعه وبراكين هواجسه وتساؤلاته بعد أن يتصفَّى في مصفاة مشاعره وأحاسيسه وينضج على نار معرفته وخبرته والعكس صحيح أيضاً. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن حداثة العصر الذي يعيش الشاعر في لهيب أُواره وما يفرزه ذلك من معطيات حضارية ومنجزات علمية على كل الصُعُد، لا بد أن تكون حافزاً من مجموع الحوافز التي تدفع الشاعر لأن يكون حداثياً. فالشاعر الذي ينصهر في أتون العصر ويحيا علائقه لا بد أن يكون شاهداً على عصره وعلامة من علاماته وإذا لم تنعكس السمات العصرية ( تشكيل، هندسة، تناظر، تنامٍ، وعي، عمق، جدلية ) فإنه يُعدُّ شاعراً عاش في زمن عصره ولم يعش لزمن عصره، لأن المعاصرة تزامن توقيتي مرحلي يعيشه كل شاعر بينما الجدة تفاعل حضاري متطوّر وشموليّ.‏

والحداثة كمفهوم ما يزال غامضاً لدى جمهرة من دارسيها والمتعاملين معها، أولاً لأن لكلِّ عصر حداثته وثانياً لأن لكلّ شاعر حديث متميز حداثته الخاصة به أيضاً لكنني أعتقد أن الحداثة تعني فيما تعنيه الاكتشاف المستمرَ للأشكال الأدبية المستجدة والثورة على النمطية الأسلوبية المستعبدَة والخروج من الأقفاص المتوارثة، بل إنني أعتقد أن لكل نص حديث حداثته الشخصية، أقصد حداثته المميزة له عن نص حديث آخر كتبه الشاعر نفسه. إنني أتصور أنّ الحداثة عالم متجدد البُنى والأنماط التعبيرية، إنها مغامرة متواصلة في صميم النص الشعري مضموناً وأداء، لذا فهي مفتوحة الآفاق بديمومة على الجديد، هاجسها الأول والأخير تقديمُ عملٍ شعري يتخطّى ما سبقه ويتجاوزُه إلى أفق مجهول، لكن هذا الكلام يبقى سائباً إذا لم نحدد مفاصله، لذا فإنني أعتقد أن الحداثة تكمن في مفصلين الأول هو مسألة الرؤيا الشعرية، عبر أنساغها التي تكاد لا تُرى أو تُحس، وبدهي أن الرؤيا محاولة كشف ومحاولة عبور، ولكي نعبر لا بد أن يكون هناك ما نعبره ( قاعدة الواقع التي تنطلق منها الرؤيا ) والتي هي بالتالي حصيلةُ كل تراثنا الماديّ والمعنوي. ومن هنا، ولكي تكون الرؤيا أشد صفاء وأبعدَ مدى، لا بد أن تتجمع في بؤرتها كلُّ خيوط الضوء الشفافةِ عبر الماضي والحاضر، ومن هنا أيضاً كان مرورُ رؤيا القصيدة الحديثة عبر تراثنا الأدبي دلالةً من دلالات انتمائها وأصالتها ونفاذها، فبمقدار ما تنفتح عينُ الشاعر على الحاضر إلى أن تستوعبه وتُفعم به، وتتجاور معه في جدلٍ متكافئ وبمقدار ما تمتدّ شبكةُ أعصابها وشرايينها عبر الماضي فإنه يستطيع حين يُطبقُ أجفانَه أن يَمرُقَ من بؤرة موقفه الواضح نقياً مكتنـزاً متطلعاً إلى المستقبل. هذا، في رأي لفيف من النقاد والدارسين، هو مَفْصل الحداثة الأول. أما المفصل الثاني فيتعلق بمسألة الإبداع الشعريّ لا في عملية الإيصال الشعري، فالقصيدة الموروثة يهمها أن يفهمها القارئ أو السامع، لذا فهي واضحة في أدوات توصيلها تُهَنْدِسُ نفسَها حَالَ كتابة مطلعها مضموناً وألفاظاً وتراكيب وصوراً شعرية وقافية منضدة مرقونةً سلفاً، وتظل رؤيتُها ترتطم بجدرانها اللبنيّة مستنـزفةً رمق روحها إلى حد الموت، بينما تُفرّعُ شجرة القصيدة الجديدة وتورق بحرية تامة لا يحكم مداها إلا صفاءُ رؤيا الشاعر، يهمها أن يتمثّلها القارئ أو السامع ويتماهى بها لذا فهي متشحة بوشاح موحٍ من الغموض الشفاف والضبابية الإيحائية في أدوات توصيلها، تلد دون تاريخ مُسبّق، هي بنتُ لحظتها وقت كتابتها ويجب أن تكون خارجةً من رحم ذاتها الذاتية في التكوين لا من أرحام التجارب النمطية السابقة عليها آخذة بالاعتبار ضرورة مراعاة مراحل التطور المتلاحق لتاريخ القصيدة الحداثية لا حرقها والقفز عليها.‏

وهكذا فلعلّي لا أبالغ إذا قلت إن حداثة الشعر الحديث هي بمعنى من المعاني ألا يكرّر الشاعر نفسَه بالآليات ذاتها والأدوات عينها في النص الشعري الذي يكتبه ما أمكنه ذلك وما استطاع إليه سبيلاً، وأن ينظر إلى نصّه السابق كماضٍ مؤسّس ويتشوفَ إلى خلق حالة جديدة في نصّه اللاحق كمستقبل. إن الحداثة بهذا المفهوم الشخصي تعني الثورة على زمن النص الشعري، لذا فهي تعادي الماضي الطحلبيّ المتكلّسَ وتصادق الحيَّ والحيويّ منه، وتنطلق طامحةً إلى أفق الغد ومجاهيله المستغرقة في حلم التجلّي بعد معاناة الخفاء .‏

(3)‏

لقد حرّرت حركة الحداثة الشعرية شاعرَهْا المبتكر الخلاّق من أطر المضامين المرسومة المستعارة من تاريخ شعري مُسبّق وألقته في خضم الزمن والوجود وحرارة الحدث اليومي الطازج ووطأة الواقع الحياتيّ وقلّصتْ من نظرته إلى الراهن السطحي والعابر العَرَضيّ، وجعلته يغوص في دم المكابدة أو روح التجربة ليفترعه أنساغاً حية تتدفق بالعطاء والجهد وطمرت جليدَ الشعر المتزيي بزي الحداثة الشكلانية المزعوم لدى أصحاب النظريات الغائبة، وليس له منها سوى ترهل الشكل الخارجي الراكض وراء رصد الخواطر والأفكار المكرورة السمجة بما فيها من فراغ وخواء، لتستعيض عن كل ذلك الزيف بطبقة أرضية جديدة من تراب غريب ينمو فوقها عشبُ المعايشات الإنسانية في تردّيها وسموها وضعفها وانتصارها، فشبت عن الطوق وراحت تجعل مما هو ليس بموضوع شعري في العرف النقدي والجمعي السائد في الشارع الثقافي، عالماً شعرياً رافلاً بالبهاء والرونق والدهشة وجماليات المغامرة وغرائبيتها، وأضحت ( التجربةُ ) و ( الرؤيا ) هما أهم كلمتين في قاموس نقد الشعر الجديد، وهما المفتاحان لكلّ بحث فيه وعنه، عبر دخول الشاعر في مجاهيله الذاتية الخاصة ( المرتبطة بمجاهيل الأمة والإنسانية على مستوى الوعي واللاوعي ) وعودته إلى الناس بعلامة تقول لهم إنه حاضر في العالم فاعل فيه ومنفعل به .‏

(4)‏

يرى عدد من نقاد الحداثة وشعرائها العرب وفي مقدمتهم يوسف الخال أن الحداثة في الشعر لا تمتاز بالضرورة على القدامة فيه ولكنها تفترض بروز شخصية شعرية جديدة ذات تجربة حديثة معاصرة، تعرب عن ذاتها في المضمون والشكل معاً. فالشعر فن، والفن لا غاية له، في الرأي النقدي، غير التعبير الجميل إبداعياً عن الذات في لحظة الكشف والرؤيا، بمعنى أنه يخاطب العقل ولا يخضع لقوانينه، ومهمته التلقائية المتوحدة هي النفاذ فيما وراء الظواهر المتناقضة المشوشة المبهمة ليكشف بالحدس أسرار الوجود الحقيقي المليء بالانسجام والنظام والمعنى، وهو يتوسل إلى ذلك باللغة، ولذلك كان الشعر لغة، أي وليدَ مخيلة خلاّقة لا تعمل عملها الفني إلا باللغة وفي اللغة.‏

ومن هنا فإن الشاعر الحديث يصطدم في عملية الخلق الشعري بتحدّيَيْن : الأول هو حدود اللغة أي قواعدها وأصولُها التي لا يمكنه تجاهلها إذا شاء أن يكون لعمله معنى الاحترام لقرّاء هذه اللغة وإذا أراد لإبداعه وجوداً في تراثها الأدبي، والثاني هي أساليب الأداء الشعري المتوارث، وهي أساليب راسخة في ذاكرة الأذهان وفي الذوق الجمعي العام، بحيث يؤدّي الخروجُ عليها بغير أناة ومهارة وفهم إلى إفراغ القصيدة من حضورها الصميمي في القيمة الأدبية لدى النقاد والقراء.‏

لكنّ هذين التحدِّيين القيدين، كما يعتقد كوكبة من النَقَدَة المحدثين، هما اللذان يمتحنان أصالة الشاعر الجوهرية وموهبته الإبداعية، فإنْ هو خضع لهما تمام الخضوع خرجت قصيدتُه مبذولة جامدة آلية، وإنْ تمرّد عليهما تمام التمرّد، خرجت قصيدتُه هذراً لا طائل من ورائه ؛ أمّا الصحيح في عرف النقاد المشتغلين في حقل الحداثة الشعرية مرجعيّاً، فهو أن يعترف الشاعر الأصيل الموهوب بقواعد لغته وبيانها وبأساليبها الشعرية المتوارثة، وفي الوقت ذاته يأخذ لنفسه قَدْراً كافياً من الحرية لتطويع هذه العناصر الثلاثة تطويعَ التجديد والتحديث والمعاصرة، وفي هذه كله يهتدي الشاعر بملكة الشعور فيما هو مستهجن أو مغلوط في هذا التعبير أو ذاك، فملكة الشعور في ارتباطها مع العقل هي التي تسدّد خطا الشاعر، خلالَ عملية الخلق، في اختيار الألفاظ والصيغ التعبيرية الموائمة لبنيان عمارته الشعرية، وفق رأي ( يوسف الخال ) في كتابه ( الحداثة في الشعر ) .‏

(5)‏

غير أنّ أهم ما طرحه يوسف الخال في هذا المجال تحديداً هو ما جاء في محاضرته الموسومة بــ ( مستقبل الشعر العربي في لبنان ) التي ألقاها في " الندوة اللبنانية " ببيروت أواخر عام 1956 وتعتبر بمنزلة البيان النظري الأول عن الحداثة الشعرية العربية وقد وضع لها الأسس العشرة التالية لتتحرك باتجاه المستقبل إذا أرادت أن تكون حديثة حقاً، - ونوردها بتصرف - وهي :‏

" أوّلاً، التعبير عن التجربة الحياتيّة على حقيقتها، كما يعيها الشاعر بجميع كيانه، أي بعقله وقلبه معاً.‏

ثانياً، استخدام الصورة الحيّة، من وصفيّة أو ذهنيّة، محل استخدام الشاعر القديم التشبيه والاستعارة والتجريد اللفظيّ والفذلكة البيانيّة. فليس لدى الشاعر من وسيلة جذاَّبة مبتكرة كالصّور القائمة في التاريخ أو في الحياة وما يتبعها من تداعٍ نفسيَّ يتحدّى المنطق، ويحطِّم القوالب التقليديّة في التعبير.‏

ثالثاً، إبدال التعابير والمفردات القديمة التي استنزفت حيويّتها بتعابير ومفردات جديدة مستمدّة من صميم التجربة ومن حياة الشعب.‏

رابعاً، تطوير الإيقاع الشعري العربي وصقله على ضوء المضامين الجديدة، فليس للأوزان التقليديّة أيّة قداسة.‏

خامساً، الاعتماد في بناء القصيدة على وحدة التجربة، والجوّ العاطفي العام، لا على التتابع العقلي، والتسلسل المنطقي.‏

سادساً، الإنسان في ألمه وفرحه، خطيئته وتوبته، حرّيته وعبوديّته، حقارته وعظمته، حياته وموته، هو الموضوع الأوَّل والأخير. كلُّ تجربة لا يتوسّطها الإنسان هي تجربةٌ سخيفة، مصطنعة لا يأبه لها الشعر الخالد العظيم .‏

سابعاً، وعي التراث الروحيّ – العقليّ العربيّ، وفهمه على حقيقته، وإعلان هذه الحقيقة، وتقييمها كما هي، دون ما خوف أو مسايرة أو تردّد.‏

ثامناً، الغوص إلى أعماق التراث الروحيّ – العقليّ الأوروبيّ، وفهمه، والتفاعل معه.‏

تاسعاً، الإفادة من التجارب الشعريّة التي حقّقها أدباء العالم. فعلى الشاعر اللبناني الحديث أن لا يقع في خطر الانكماشيّة كما وقع الشعراء العرب قديماً، بالنسبة للأدب الإغريقي.‏

عاشراً، الامتزاج بروح الشعب، لا بالطبيعة. فالشعب مورد حياة لا تنضب، أمَّا الطبيعة فحالة آنيّة زائلة ".‏

وقد ضرب يوسف الخال مثالاً لتوضيح ما ذهب إليه في بعض أسس التحديث الشعري المطروحة سابقاً مجموعة " رندلى " لسعيد عقل التي كانت آنذاك تُعدّ نقدياً من أكمل المجموعات الشعرية فنياً وأوفرها حظاً بالحداثة وانتهى إلى وصفها بعد تحليلها بأنها تسبح في زمن تجريدي خارج التاريخ الحي وخارج العصر وهذا ما يشير إلى انشقاق كياني في شخص صاحبها : يعيش جسدياً في زمن ( الحاضر ) وروحياً عقلياً في زمن آخر ( الماضي ) مما يؤكد البنية التقليدية لفكره وفنه على السواء، ويعقب أدونيس في كتابه ( هاأنت أيها الوقت 1993 ) على هذه المحاضرة – البيان فيقول إنها تنقل البحث في قضية التجديد الشعري أو الحداثة في الإطار التشكيلي – إطار التغيير في نسق التفاعيل إلى ما هو أشمل : إطار النظرة الجديدة إلى الحياة والإنسان التي يتولّد عنها بالضرورة نسق تعبيري جديد ويتابع أدونيس تعقيبه قائلاً : ليس الإطار الأول حديثاً إلا في المظهر – أعني أنه قد يخبّئ وراءه نظرة قديمة – فهو في جوهره متابعة لسياق الفهم القديم التقليدي للشعر، أقول التقليدي لكي أميّز بينه وبين النظرة التجريدية التي كانت تعارضه، أما الإطار الثاني فحديث كلياً لأنه يطرح قضية الشعر من حيث هو نظرة وتعبير في آن، أي من حيث هو " مضمون " و " شكل " بحسب هذين المصطلحين اللذين أصبحا تقليديّين، ينبغي تخطيهما والبحث عن مصطلحات أكثر جدّة ودقة .‏

(6)‏

ولعله من المفيد الإشارة في هذا السياق إلى أن الشعر الأوروبيّ الحديث ولا سيما شعر ( بودلير ورامبو ومالا رميه ) يتأسس على " الرؤيويّ والجوهري والدرامي " أي على الرمز المركب ويستعين بالأساطير لإيصال دلالاته ومدلولاته إلى الطرف المتلقي، بينما ينبني الشعر العربي المحدَث ( شعر التفعيلة ) على " الشكلاني والبرّاني والسردي " أي على الصورة الشعرية أو المخيلة الشعرية كوسيلة أساسية لصنع العمل الشعري، وقد يكون من جملة معاني هذه المقارنة وضع " الرؤيا " أمام " الرؤية " في النظر إلى الحداثة الغربية والحداثة العربية وما بينهما من اختلاف وافتراق.‏

وفي هذا الإطار يتوقف الناقد ( يوسف سامي اليوسف ) في دراسة مهمة له عن ( أثر التراث على الشعر العربي المعاصر ) منشورة في كتاب صادر عام ( 1988 ) عن تونس عنوانه ( في قضايا الشعر العربي المعاصر : دراسات وشهادات ) عند مسألة الحداثة هذه فيرى " أن الشاعر العربي المحدَث لا يملك منظوراً محدّداً لما تعنيه كلمة الحداثة بكامل غناها " ثم يتساءل قائلاً " هل يعقل أن تنشأ وترتقي حداثة شعرية بمعزل عن حداثة ( أو تحديث ) المجمل الاجتماعي والثقافي بعامة ؟ " ويستطرد في بيانه فيقرّر " أن الشاعر العربي المعاصر لم يفهم الحداثة إلا بوصفها الصورة الشعرية " ويضع اللوم في هذا الجانب على " أدونيس " في ( مختاراته ) التي قدمها في ديوان الشعر العربي، وفي شعره أيضاً هو بالذات، ويتهمه – بعد اعترافه بأنه " أكثر حداثة من أي شاعر عربي معاصر آخر " بأنه لم يثقف الحداثة، وأن شعره في شبابه كان أقرب إلى التراث منه إلى الحداثة وبقيت لغته في هذه المرحلة العمرية " موسومة بطبيعة لغة الغزل العذري والموشحات وشعر سعيد عقل بل وبدوي الجبل وعمر أبو ريشة والأخطل، وبهذا برهن أدونيس على أن خياله قد ظل آسيوياً، وأنه ظل محكوماً بماضيه حتى حين يغادره، وينهي ( اليوسف ) مطالعته بهذا الصدد طارحاً السؤال التالي : هل حقاً تختلف ماهية الخيال الأساسية في الشعر ( العربي ) المعاصر عما هي عليه في الشعر الموروث .‏

لكن التمعن الموضوعي في كتب أدونيس الثقافية وخاصة كتابه ( زمن الشعر ) الصادر عن دار العودة – بيروت 1978 وكتابه ( فاتحة لبدايات القرن ) الصادر عن الدار نفسها – عام 1980 يضع القارئ في لجة تفكير هذا الشاعر الباحث في قضية الحداثة وفذلكته لها سواء أكانت حداثة علمية أم حداثة التغيرات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية أم حداثة فنية، وهي في حقيقتها رؤيا جديدة، وفي جوهرها رؤيا تساؤل واحتجاج : تساؤل حول الممكن واحتجاج على السائد، فلحظة الحداثة لديه هي لحظة التوتر أي التناقض والتصادم بين البُنى السائدة في المجتمع والبنى التغييرية.‏

ولا بدّ أن نستعين هنا بدراسة مميزة للدكتور الناقد ( عبد الله أحمد مهنا ) منشورة في مجلة ( عالم الفكر ) عام 1988 وعنوانها ( الحداثة وبعض العناصر المحدثة في القصيدة العربية المعاصرة ) وفي جزء منها يستعرض هذا الباحث الكتابين المشار إليهما سابقاً ويحلل ما جاء فيهما من آراء وأفكار تحليلاً عميقاً مترابطاً ويشير إلى مواقف أدونيس من التراث ومناداته بالانفصال عن ثقافة الماضي المتجاوزة لتأكيد قدرة الذات المعاصرة على الإبداع الجديد، أي بعبارات أخرى : إسقاط التراث من الذاكرة التاريخية حين تفقد عناصره ومكوّناته صفة الحياة، انتقاء الرموز الصالحة من التراث لاستخدامها في النص الحداثي بعد صياغتها صياغة تتمكن من توظيفها توظيفاً معرفياً مستمداً من إرثها الدلالي ومتناسباً مع مستجدّات العالم الحديث .‏

تعني " الحداثة الشعرية " عند أدونيس – في متابعة الدكتور مهنا – تساؤلاً حاداً يفجر طاقات اللغة الشعرية ويفتح آفاقاً تجريبية جديدة في فضاء الممارسة الإبداعيةكما تعني في اللحظة نفسها استكشاف طرق تعبيرية تتلاءم مع متطلبات التساؤل المطروح ومع جدّيته وحجمه ومثل هذه الرؤية لا تكتسب أهميتها إلا إذا وضعت ضمن إطار النظرة الشخصية للإنسان ذي الخصوصية المتفردة في وجوده الفعّال المميز داخل الكون البشري في عملية الإبداع وهذا يستدعي استذكار أو استحضار أربعة عناصر أساسية في تحديد المفهوم الكلي " للحداثة الشعرية " هي الشعر والشكل الشعري واللغة والشاعر. والشعر رؤيا، والرؤيا بطبيعتها قفزة خارج المفهومات السائدة، هي إذن تغيير في نظام الأشياء، وفي نظام النظر إليها، هكذا يبدو الشعر الجديد أول ما يبدو، تمرّدا على الأنماط الشعرية القديمة، فهو تجاوزٌ وتخطٍّ يسايران تجاوز عصرنا الحاضر وتخطيه للعصور الماضية .. إن الشعر الجديد نوع من المعرفة التي لها قوانينها الخاصة في معزل عن قوانين العلم، إنه إحساس شامل بحضورنا، وهو دعوة لوضع معنى الظواهر مجدّداً موضع البحث والاستقصاء والتساؤل، وهو لذلك يصدر عن حساسية ميتافيزيائية تحسّ الأشياء إحساساً كشفياً ... الشعر الجديد من هذه الوجهة هو ميتافيزياء الكيان الإنساني " .‏

أمّا الشكل فهو الإطار الذي يضم هذه التجربة الجديدة في الرؤيا للحياة التي تستلزمه من تجاوز للشروط الشكلية للوضعية الشعرية السائدة المتوارثة ومن السعي أيضاً إلى تحصيل مزيد من الحرية للممارسات التقنية المستجدّة في تحديث هوية الشعر العربي محتوى وأسلوباً باعتبارها تتجه نحو اكتشاف مالم تسبق معرفته أو الاطلاع عليه أو الشغل على نوله .؛ فللقصيدة الجديدة كيفيتها البنائية الخاصة وهيئتها التعبيرية الفارقة، ولها بآلية أخرى، نظامها الذاتي المغاير للمألوف والنابع من طبيعة كينونتها النوعية، وبهذا يمكن القول إن شكل القصيدة الجديدة هو، بمعنى من المعاني وحدتها العضوية المنبثقة عن انعكاس داخلها الفكري على خارجها الجمالي وتماهيهما معاً في نسيج فني ضامٍّ .‏

وتأتي لغة القصيدة الحديثة غير معتادة، أو مألوفة، تتناسب مع ما ينبض به جسدها وتختلج به روحها من رؤى وأحلام وتساؤلات واستشرافات وأخيلة وصور وسوى ذلك من أعمدة وروافع تنهض عليها بحيث يرنو الشعر الجديد ويطمح إلى أن يغدو ثورة على اللغة النمطية المكرورة المستخدمة في تراثنا الشعري المتشابه بصيغه وأنساقه ويُعاد تأهيله وتكوينه بعد أن تنصهر مفرداته وألفاظه وبُناه وأساليبه في أتون التجربة الإبداعية وتتوهج بدلالات الحداثة ومغامرات الابتكار.‏

أما الشاعر، فيقتضي عند أدونيس أن يتجاوز القيم الثابتة في التراث الشعري القديم بخاصة، والتراث الثقافي بوجه عام حتى يكون قادراً على أن " يبدع شعراً في مستوى اللحظة الحضارية التي يعيشها "، والتراث العربي جزء من الحضارة الإنسانية، ولا قيمة له إلا بمقدار إسهاماته في هذه الحضارة وبمقدار ما فيه من جوانب إنسانية، وبمقدار ما يرتكز على الحرية والبحث، وعلى هذا فلا " يلتمس الشاعر العربي ينابيعه في تراثه وحده، وإنما يلتمسها في هذا الكل الحضاري الشامل ". ويربط أدونيس بين انهيار المفاهيم السابقة في ذات الشاعر، وعملية الإبداع فيرى بأن الشاعر لا يستطيع " أن يبني مفهوماً شعرياً جديداً إلا إذا عانى أولاً في داخله انهيار المفهومات السابقة، ولا يستطيع أن يحدد الحياة والفكر، إذا لم يكن عاش التجدد، فصفا من التقليدية، وانفتحت في أعماقه الشقوق والمهاوي التي تتردد فيها نداءات الحياة الجديدة. فمن المستحيل الدخول في العالم الآخر، الكامن وراء العالم الذي تثور عليه دون الهبوط في هاوية الفوضى والتصدع والنفي " .‏

ولما كانت " الحداثة الشعرية " تتشكل عند أدونيس ضمن الأبعاد الأربعة التي ذكرناها فيقتضي حتماً أن تكون جميعاً ضمن منظور التعارض مع التراث، فلا " حداثة " إلا بفكرة التجاوز والتخطي، والانفصال، وهدم القيم السابقة، ولا إبداع إلا بنبذ التقليدية في النظرة إلى الحياة والإنسان .‏

ولا مراء في أن آراء أدونيس في " الحداثة " والثورة والتجاوز، والهدم، تصدر عن فكر ماركسي، فهي تتناقض بكل تأكيد مع قيم الماضي بكل أشكالها، دينية كانت أم ثقافية أم فنية، أم اجتماعية. ويتأكد هذا من خلال تلك الاستشهادات التي يشير إليها أدونيس في عُروضه لتلك القضايا، فآراء لينين، وماركس، ونيتشه يتردد صداها في كتبه، كما أن ثقافته الواسعة أتاحت له التأثر بالنظريات الأدبية الغربية، حيث انسرب إلى فكره شيء غير قليل من هذه الأفكار الغربية، وبخاصة تجارب الحركة السوريالية التي تغطي مساحة غير قليلة من شعره، كما تأثر حسب قوله : " بفكرة البحث والتجريب في الشعر العالمي الحديث الأمريكي والفرنسي على الأخص "، وتأثر أيضاً بأفكار الحركات الباطنية والمتصوفة باعتبارها طلائع التمرد والتغيير في مسار التاريخ الثقافي العربي، ولذا حفل شعره بأقنعة ورموز شديدة التعقيد، تستمد جذورها الأساسية من تلك الحركات السرية المثيرة للجدل في التاريخ العربي.‏

وعلى هذا فإن مفهوم " الحداثة الأدونيسية " تتشكل في نهاية المطاف من روافد متعددة، من الشرق، والغرب، ومن حركات التمرد في التراث العربي، تنصهر كلها جميعاً في أتون واحد لتصبح بالتالي عنده إشكالية عربية.‏

(7)‏

طبعاً لا نأتي بأي جديد حين نعتقد مع نقاد الحداثة الشعرية الأوائل المؤسسين لمشروعها النهضوي أن لا حدَّ فاصلاً بين مضمون القصيدة وشكلها، بل نتطرف أكثر فنشايعهم في مقولتهم التي ترى أن اصطلاح المضمون والشكل ورمٌ هو الآخر من أورام النقد الأدبي، يجب محاربته دون هوادة، ولا نظن أن مضموناً مهما عَظُمَ بقادر أن يُنهضَ عملاً شعرياً بذاته، ولا شكلاً مهما سما بمستطيع أن يُعمِّر قصيدة بنفسها، ولكننا مضطرون إلى استعمال هذا المصطلح النقدي ( المضمون والشكل ) على امتعاض في مساهمتنا هذه، لأن فن النقد الأدبي أو عملَه ما يزال ممسكاً لدينا بتلابيبهما ريثما يُؤَصِّل النقادُ المبدعون - وقد فعل بعضهم ذلك - منهجاً له خصوصيتُه وتفرُّدُه وجدّتُه وأدواتُه الحديثة حداثة الشعر الذي ينقده ...، قد ترسم القصيدة مُناخاً، جوّاً، حالة، شعوراً، ولا شيء غيرَه، وقد تعزف موسيقى صامتة ولا شيء سواها، وقد تستبيح الصمت بألفاظها المهموسة : أو بخيط الرؤيا الذي ينتظمها، فتكون قصيدةَ إيحاء، أولا تكون شيئاً على الإطلاق.‏

(8)‏

إذا كانت حداثة الموقف الشعري، تتحدَّد بأنه رؤيا تتصف قبل كل شيء بأنها : رؤيا شمولية تحيط بالأبعاد الزمانية الثلاثة ( الماضي، والحاضر والمستقبل ) ورؤيا ديناميكية تحتضن حركة الواقع التاريخي وترتبط بخط الصيرورة والتجاوز كحصيلة صراع جدلي بين متناقضاته، ورؤيا جمالية بمعنى أنها ذات هويةٍ فنية يتحول فيها الفكرُ النظريَّ التجريديُّ إلى صور وأحداث حسية تجسِّد الفكرَ وترمز إليه بإيحاءات تتوسل اللغةَ الشعرية الرؤيوية سبيلاً لإيصالها إلى الملتقي.‏

أقول إذا صحَّ هذا الرأي في تقويم الحداثة كموقف وتوضيح مفهومِها كشعر، فإن الشاعر العربي المبدع يمكن أن يكون شاعراً حداثياً يُشكّل بقصيدته الجديدة المتوسمة أو المتوقّعة لغدها القريب أو البعيد المبشر بسطوعه المتوهج إذا كانت له رؤيته الشمولية، ولم يُدر ظهرَه للتراث، ولا أغفل الواقع، واتجه بفكره نحو الزمن المستقبلي، وإذا كانت رؤيته رؤيةً تعبّر عن انغماره في لجة واقعه الاجتماعي والنهل من موارده، وتصوير صراعاتِه في سبيل التوالد الحضاري الجديد، والبعثِ الأصيل لجوهر الهُوية القومية في بعدها الإنساني المطل على شرفة الكينونة، وإذا جاءت رؤياه الجمالية متوازنة رصينةً مقنعة لأن عملية التحديث عنده لا تعبّر عن نفسها بقيم شكلية خارجية تستهويها مغامرة تهديم الأدوات السابقة عليها وتحطيمها أو ما يطلق عليه مصطلحُ ( تفجير اللغة ) أي أنه لا يعمد إلى التجريب اللغوي، بل يمارس التشذيبَ اللغويَّ في قصيدته إن صح التعبير.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244