|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
جورج سالم ناقداً روائياً (المغامرة النقدية نموذجاً) ـــ د.غسان غنيم عُرف الأديب الراحل "جورج سالم" أكثر ما عرف قاصاً كتب عدداً من المجموعات القصصية. "فقراء الناس ــ الرحيل ــ حوار الصُّم ــ حكايات الظمأ القديم ــ عزف منفرد على الكمان..." وكتب الرواية "في المنفى" بالإضافة إلى المقالات والدراسات الأدبية. وترجم بعضاً من شوامخ الأدب العالمي عن الفرنسية التي كان يجيدها. ولكنه جرّب النقد الأدبي أيضاً فكان كتابه "المغامرة الروائية" دراسات في الرواية العربية ودراسات في الأدب... محاولاتٍ جادةً لقراءة تطور الرواية العربية منذ البدايات الأولى.. حتى زمن كتابة مغامرته تقريباً. وقد اعترف أن ما قدّمه ليس إلا محاولة أولية للنقد الأدبي: "وبعد فإن هذه الدراسات ليست أكثر من محاولة أولية في النقد الأدبي"(1). ولكنه في محاولته هذه يقدم دراسة جادة موضوعية لمجموعة كبيرة من الروايات العربية مبتدئاً بما قبل الرواية ليصل عبر خط تصاعدي تطوري إلى الرواية الحداثية العربية عبر أبرز ممثليها في حينه. ويلحظ الدارس لمغامرة جورج سالم النقدية. أنه قسم دراسته إلى أربعة أقسام، تتبع من خلالها تطور الرواية العربية عبر تمهيد ــ وثلاثة أقسام.. خصص التمهيد للحديث عن أثر أدبي عده مؤسساً للسرد العربي الحديث، وإن لم يصل إلى مرتبة عالية من الفنية وهو "حديث عيسى بن هشام للمويلحي.." وقد عَنْوَن هذا التمهيد بــ "من المقاومة إلى الرواية" ووجد فيه برزخاً بين أسلوب المقامة كما عرفه التراث السردي العربي القديم مع الهمذاني والحريري وأضرابهما وبدايات الرواية الفنية الحديثة: "نطلق عليها اسم رواية تجاوزاً لأنها ليست في حقيقة الأمر إلا ضرباً من النثر القصصي بشكل مرحلة انتقالية ويمكن اعتباره إنهاء للفن القصصي القديم، وإعلاناً عن موته، وإرهاصاً بفن الرواية الحديثة"(2). ثم يبين ما هي العناصر التي تعود للأسلوب القديم في الأثر المدروس، وما هي العناصر الجديدة التي أدخلها المويلحي.. ليخلص إلى أن المويلحي بأثره هذا قد أعلن موت المقامة القديمة وأرهص بولادة فن الرواية الذي يرتبط بالواقع المعاش وبالمجتمع وبقضاياه ومشكلاته، وكانت محاولته تتأرجح بين النجاح والإخفاق.. ولكنها تشكل من وجهة نظر جورج سالم تحرر الروائي الحديث من أسر القديم ويرى في هذا قيمة العمل الحقيقية. ويرى أن المويلحي يشكل خطوة متقدمة على كل من حاول ممارسة السرد في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين. كالشيخ ناصيف اليازجي وأحمد شوقي ــ اللذين قدما نسخاً مشوهة ومقلدة لمقامات الحريري، بينما حاول المويلحي أن يقدم شيئاً مختلفاً. يعبر عن مجتمع حديث بأسلوب قديم.. أما القسم الأول الذي وضع له عنواناً "ما قبل الواقعية" فقد درس فيه خمسة آثار بدأها "بزينب" لمحمد حسين هيكل وختمها بــ "قدر يلهو" لشكيب الجابري. وما يجمع هذه الروايات أنها تؤسس للرواية الفنية من وجهة نظره، على الرغم مما يعتريها من عثرات تحملها كل بداية. ولكنه يعترف بأنها تشكل بداية الطريق الصحيحة فنياً في أدب السرد العربي.. يقول عن رواية الأجنحة المتكسرة لجبران خليل جبران: إنها "تعتبر لبنة من اللبنات الأولى، ودعامة من دعائم الفن الروائي الذي بدأ طريقه في أدبنا الحديث، فقيمتها في هذا المجال قيمة تاريخية. ظهرت متعثرة، تمهد الطريق للروايات العربية اللاحقة... وهي ليست إلا محاولة رائدة، وهنا تكمن قيمتها..."(3). وينسحب مثل هذا القول على الروايات كلها التي وضعها في هذا القسم وما يلفت النظر حقاً أن جورج سالم لا يطلق على روايات هذا القسم الروايات الرومانتية. على الرغم من أنه يصنفها جميعاً ضمن التيار الرومانتي، ويأتي بالدلائل على رومانتيتها. من خلال كشف جوانب الرومانتية فيها سواء في أحداثها، وفضاءاتها المكانية أم في شخصياتها العروبية المهزومة المستسلمة للحزن والكآبة والعزلة والانتحار. وقد جهد جورج سالم لإبراز هذه العناصر حتى بدت بعض هذه الدراسات محاولة لتتبع عناصر الرومانتية في الرواية كما في تحليله لرواية (إبراهيم الكاتب) للمازني.. ورواية قدر يلهو لشكيب الجابري والأجنحة المتكسرة لجبران. يجهد جورج سالم في هذا القسم لتأكيد حكم نقدي يحاول إبرازه كلما تناول أثراً من آثار هذا القسم، وهو تأكيد تأثر الرواية العربية آنذاك بالرواية العربية عموماً والفرنسية خصوصاً. ويرى أن هذا التأثر يعد أحد أهم الأسباب التي ساعدت على نشوء الرواية العربية الفنية فرواية "زينب" لهيكل قد تكون من وجهة نظره "أكثر الروايات التي ظهرت في تلك الفترة استيعاباً لفن الرواية وتقيداً به نسبياً، وابتعاداً عن روايات الترفيه والتسلية، واقتراباً أولياً من الرواية كما عرفتها الآداب الغربية ولا سيما الرواية الفرنسية التي أفاد منها هيكل كثيراً.. وهذا يدل على أن مولد الرواية العربية كان بتأثير الرواية الأوروبية بالدرجة الأولى، ونتيجة اتصال العرب بالأدب الغربي"(4) وهو بهذا يرد على سؤال طرحه في المدخل ص 7 عن تأثر الروائيين العرب بالرواية الغربية. وقد خلص إلى القول: إن روايات هذا القسم تشكل حلقة مؤسسة في خط تطور الرواية العربية، وهي تحمل سمات البدايات وتعثراتها وتجتمع على الطابع الإصلاحي والاتجاه الرومانتي..! "والحق أن الرواية ظهرت في فترة كانت الرومنطيقية فيها ــ في التأليف كما في الترجمة. تطغى أو تكاد تطغى على الأدب العربي.."(5). ثم يخصص القسم الثاني من الكتاب للرواية الواقعية. التي استأثرت بجلّ اهتمامه. فاحتلت ما يزيد على مئة صفحة بينما لم يتجاوز القسمان الآخران، مجتمعين (70) صفحة. وربما دلَّ هذا على إعجاب جورج سالم بالرواية الواقعية، واستحسانه لأساليبها وفنيات كتابها.. فقد وجد في هذه الروايات أعمالاً فنية "تامة الأركان.. محكمة البنيان" ص 49 ورأى أن كتابها قد نجحوا "نجاحاً كبيراً في صنع الرواية.." ص 59 فالرواية في هذا القسم أثبتت أنها امتلكت أدواتها الفنية.. ولم تعد تتعثر فتختلط بالسيرة الذاتية أو المذكرات الشخصية، بل أصبحت تشخيصاً حقيقياً، يحاول رسم عالم كامل، ولوحة للحياة، بمعناها الحقيقي، تغوص في عمق المجتمع، وتنزل إلى عوالم الطبقات والشرائح الاجتماعية بواقعية طبيعية، ومتشائمة غالباً لتصور لوحاتٍ بديعة ودقيقة عن حياة المجتمع العربي في أنحاء الوطن كله. ركز جورج سالم على دراسة الروايات الأكثر التصاقاً بالواقع، وجعل من هذا المعيار، حكم قيمة على الرواية كلها يقول عن رواية الأرض لعبد الرحمن الشرقاوي "إنها تتجاوز رواية الحكيم، نحو واقعية أعنف وأعمق، ونحو مزيد من الارتباط بالواقع المعاش ومحاولة تصويره تصويراً حياً.."(6). يهتم في هذا القسم بالسمات المعنوية للروايات المدروسة فيركز على مجموعة من المضمونات التي تناولتها هذه الروايات ــ كموضوعة الأرض كما في يوميات نائب في الأرياف للحكيم، والأرض لعبد الرحمن الشرقاوي ــ والحرام ليوسف أدريس كما يركز على موضوعة التخلف الاجتماعي والحضاري للمجتمع العربي كما في رواية الحكيم، ولدى يوسف إدريس في "الحرام" وعبد الحميد بن هدوقة في "ريح الجنوب.." ونجيب محفوظ في "بداية ونهاية ــ وزقاق المدق.." ويحاول إظهار بدايات تشكل الوعي الاجتماعي والسياسي لدى شخصيات هذه الروايات إضافة إلى التركيز على إظهار معاناة أبناء الطبقات المسحوقة والطبقة المتوسطة. وينحاز للقضايا الوطنية والقومية كقضية فلسطين مع غسان كنفاني في "أم سعد" وتوفيق عواد في "الرغيف" إلا أنه لا يغفل عن المسائل الفنية وإن كان تناوله لها طفيفاً بالقياس إلى اهتمامه بالثيمات المكونة للرواية وبمدى معالجتها للواقع المعاش. فهو يشير مثلاً إلى أن رواية الحكيم "يوميات نائب في الأرياف" تذكره بالروايات العالمية الواقعية... رواية غوغول العظيمة "النفوس الميتة"..(7). بينما يجد في رواية نجيب محفوظ "بداية ونهاية" أنها تمثل الرواية التقليدية من حيث بناؤها وشخصياتها وأحداثها، فهي لا تضيف، أو لا تكاد تضيف جديداً إلى فن كبار الواقعيين، أمثال بلزاك وديكنز وتولستوي"(8) يهتم كثيراً بانتصار الإنسان على ضعفه واستكانته فيشيد بــ (حنا مينه) وبغسان كنفاني.. في تأكيدهما على انتصار الإنسان في "الشراع والعاصفة" وفي "أم سعد". "إن واقعية حنا مينه تتسم بالإيجابية، إنها واقعية إيجابية تؤمن بالإنسان. وتشيد ببطولته وصبره وقوته، وتنتصر للحق والخير. وتقّدم رؤية صحيحة لصراع الإنسان مع مستغليه... إن تصوير الروائي للإنسان على هذا النحو، وإيمانه بالحياة والكفاح والشعب، هو أبرز ما يميز هذه الرواية الإيجابية إلى أبعد الحدود.."(9). ويقف ضد استخدام اللهجة العامية في السرد، ولا يسوّغ هذا بواقعية الكاتب بل يؤكد قدرة اللغة العربية على نقل كل ما تنقله العامية إذا ما أحسن الكاتب استخدام مفرداتها وتراكيبها.. يقول عن رواية الأرض لعبد الرحمن الشرقاوي: "وفي اعتقادي أن الواقعية التي يهدف إليها الروائي، والتي نجح نجاحاً كبيراً في صبغ الرواية بها. كان يمكن أن تحافظ على تأثيرها لو أنه عدل عن اللهجة العامية التي اصطنعها وعمد إلى لغة سهلة واضحة، ولابد أن يذكر الروائي أنه يكتب أثراً أدبياً عربياً. يجب أن يعتمد قبل كل شيء اللغة العربية الفصحى السليمة القادرة على استيعاب الأفكار والصور والمشاعر، وعلى نقلها إلى القارئ العربي"(10). يعنون جورج سالم القسم الثالث من مغامرته لنقدية بــ "دروب جديدة" ويتناول بالدراسة في هذا القسم ست روايات، يجمعها من وجهة نظره، اعتماد كتابها لأساليب جديدة. في كتابة الرواية، تختلف عن أساليب المرحلة لواقعية. ويتمثل مقولة سارتر: "إن كل تغيير في المعنى يستلزم تغيراً في الشكل.." ويتتبع الظواهر الجديدة، كابتعاد الكتاب عن الوصف التحليلي المهيب، والابتعاد عن وصف الفضاء المكاني بشكل مفصّل، كوصف الشوارع والأزقة والحارات والأشخاص، والغُرف والحقول.. والطبيعة.. الخ.. والتركيز على الوصف الداخلي للشخصيات إضافة إلى التقطيع.. وتحطيم زمن السرد، عبر المنولوج والاسترجاع، وتعدد أصوات الراوي، بل تعدد الرواة في العمل الواحد "السفينة" لــ (جبر إبراهيم جبرا) وتعدد الضمائر في أسلوب السرد "للص والكلاب" لنجيب محفوظ. وهو في هذا القسم يركز تركيزاً واضحاً على تقنيات الرواية الجديدة، ويجد أن هذه المحاولات قد رسمت دروباً جديدة للإبداع السردي العربي. وهو بهذا يجيب عن سؤال وضعه في المدخل أيضاً وهو: "هل للرواية العربية تطورها الذاتي بالقدر الذي تأثرت به بتطور الرواية الغربية.." وتتكرر في هذا القسم الملاحظات الفنية الذكية التي تدل على التقاط جورج سالم لمدى التغيرات الفنية والتقنية التي طرأت على الرواية العربية. يقول عن رواية اللص والكلاب لنجيب محفوظ: "وهناك ظاهرة جديدة في أسلوب نجيب محفوظ تطالعنا بها هذه الرواية،تلك هي اعتماد الروائي على الضمائر الثلاثة في آن واحد..... وبهذه العناصر مجتمعة، خرج نجيب محفوظ على الطريقة الواقعية في الرواية، وفتح للرواية العربية درباً جديداً"(11). ويؤشر إلى تطور أساليب السرد التي تجاوزت الأسلوب القديم الذي يبدأ بالبداية ثم الوسط ثم النهاية.. فيذكر تقنية السرد لدى موسم الهجرة إلى الشمال للطيب الصالح فيقول: "لابد أن نشير أخيراً إلى فن الروائي في سرد الأحداث وتكنيكه... فالرواية، لا تسير من أولها إلى آخرها، بل هي نسيج مبعثر يقوم القارئ في أثناء القراءة بإعادة ترتيبه وتكوينه لكي يصل في نهاية المطاف إلى بنيان كامل منسجم.."(12). ويصل به الأمر إلى إعلاء قيمة الرواية تبعاً لتقنياتها الجديدة وأسلوبها الجديد، ولا يبرأ مثل هذه المحاولات من التأثر بتقنيات الرواية الغربية الحديثة يقول عن رواية "عودة الطائر إلى البحر لحليم بركات..": (إن قيمة هذه الرواية تكمن في اعتقادي في اعتماده على أسلوب فني جديد، ولولا هذا الأسلوب، ولولا هذا التكنيك لفقدت كل قيمتها.. [فالكاتب] يسعى إلى ابتكار تكنيك جديد لا يخلو من تأثرات بالمحاولات الروائية الجديدة في الرواية الغربية الحديثة.... تخلص إلى القول إننا أمام رواية جديدة في مضمونها وفي طريقة بنيانها وأسلوبها المتوتر الحاد"(13). وضع جورج سالم مجموعة من الأسئلة التي تحاول الكشف عن مسيرة الرواية العربية منذ بدأ السرد العربي الحديث مع بداية القرن العشرين فسأل: 1ــ كيف كتب هؤلاء الكتاب الرواية؟ 2ــ هل تأثروا بالرواية الغربية التي اطلعوا عليها...؟ 3ــ هل للرواية العربية تطورها الذاتي، بالقدر الذي تأثرت به بتطور الرواية الغربية؟ 4ــ إلى أي حد استطاعت الرواية العربية أن تخرج من إسار الرواية الغربية لتمتلك شخصيتها المميزة؟ 5ــ هل عبر الكتاب العرب عن الوجود بتدفقه الحي.؟ 6ــ هل استطاعوا خلق شخصيات من صنع الخيال ليست منسوخة عن الأحياء، وإن كانت شبيهة بهم، وتحمل في أعماقها القدرة على الحياة؟ (14) وكان الكتاب محاولة للإجابة عن هذه الأسئلة، ومحاولة لدراسة الرواية العربية في تطورها من خلال تتبع مجموعة من الأعمال الروائية العربية مبتدئاً بما سماه محاولات روائية. ثم المرحلة الواقعية، ثم المرحلة ما بعد الواقعية. وقد تعمد التنويع في الاختيار بحيث تشتمل اختياراته معظم أقطار الوطن العربي لإيمانه بوحدة الوطن أولاً وليتمكن من استجلاء واقع الرواية العربية في مساحة الوطن كله وانطلاقاً من مكره القومي وإيمانه بوحدة الوطن على امتداده الكبير، رأى أن الرواية في أي قطر عربي تشكل انعكاساً حقيقياً للبيئة العربية كلها وفي مختلف أقطار الوطن، مؤمناً بتشابه الأوضاع والظروف في البيئات العربية. أما هدفه الذي صرّح به فهو: "أن يبين جوانب المغامرة التي قام بها الروائييون العرب في القرن العشرين ليعبروا بوساطتها عن العالم.."(15). كان جورج سالم يعد الرواية عالماً قائماً بذاته، له حياته الخاصة وحركته الداخلية وأشخاصه المستقلون ــ وكان منهجه في التعامل مع الروايات. 1ــ حاول تلمس رؤية الكاتب الخاصة إلى الحياة والكون والوجود.. فالرؤية ــ من وجهة نظره ــ هي التي تميز الكاتب وأصالته وعمقه، وتحدد مدى نضجه. 2ــ حاول دراسة العوالم الداخلية التي تتمتع بها كل رواية، دون فصلها عن الظروف الموضوعية التي تحيط بها. 3ــ حاول أن يقيم علاقة مع الأثر المدروس. 4ــ قام بالاعتماد على النصوص وحدها، دون الاعتماد على دراسة حياة مبدعها.. إلا بما يخدم فهم النصوص. 5ــ قام بدراسة بنية الأثر، بحيث يتمكن المتلقي من أن يستوعبه من خلال العمل النقدي إن لم يكن قد قرأه. 6ــ تجنب قدر المستطاع الاعتماد على ما يقوله النقاد السابقون عليه إلا ما تقتضيه الضرورة، أو ما يتسق مع وجهة نظره.. وهذا لا يعني أنه لم يطلع على نقودات سابقة، فالدراسات التي قدمها تؤشر إلى إطلاعه ــ على مثل هذه النقودات وفهمها. 7ــ تنويع الاختيار من نماذج عربية من أقطار عربية متعددة. أما أسلوب الدراسة التي اعتمدها في دراسة الروايات فكان يقوم بشكل أساسي على استعراض الأثر المدروس، ثم يتناول الحكاية التي تقوم عليها الرواية. ثم يذكر الأحداث الأبرز، يركز على بعضها مما يراه أساسياً في بناء الرواية يقول: مثلاً: "تلك هي الخطوط العامة لهذه الرواية التي متح الحكيم أحداثها ووقائعها من الريف.." (16). ثم ينطلق إلى تحليل بعض شخصيات الرواية، وغالباً ما يختار الشخصيات الرئيسية، ويصنف هذه الشخصية. تارة رومانتية، وأخرى واقعية وثالثة مركبة، متشظية، تعاني الاغتراب والتمزق النفسي... ثم يتحدث باختصار عن بعض فنيات الرواية ــ ما عدا الفصل الأخير "دروب جديدة" حيث كان يستفيض نسبياً بالحديث عن الجوانب الفنية. ثم يختم الدراسة بحكم قيمة غالباً، مع تصنيف الأثر في مسيرة الإبداع الروائي العربي يقول عن رواية (ريح الجنوب) لعبد الحميد بن هدوقة: مثلاً "هذه الرواية التي صدرت عام 1970 لا تطور مسيرة الرواية العربية ولا تنحرف بها، بل على العكس فإنها ترسخ تقليداً روائياً واقعياً، وجدنا جذوره تبدأ مع رواية مهمة تصور الريف العربي وأعني بها رواية يوميات نائب في الأرياف..."(17). أو يقول: "وبهذا كله تشق رواية "السفينة" لجبرا طريقها بين الدروب الجديدة التي سلكتها الرواية العربية في مسيرتها وتطورها.."(18). غامر جورج سالم بدراسة تطور الرواية العربية، وهو جهد نقدي مهم ومؤسس في حينه، وفي مسيرة الدراسة الأدبية لجنس الرواية. فقد تنطّع لدراسة هذا الجنس في وقت مبكر نسبياً، ودرس كمّاً يعدُّ كبيراً من الإبداعات الروائية العربية بأدوات نقدية جيدة وبمصطلحات تتكئ على مصطلحات الرومانتية والنقد الرومانتي أحياناً. والنقد الواقعي أحياناً أخرى إضافة على بعض مصطلحات النقد الفني أحياناً ثالثة. ولكن ثمة ملاحظات على هذه المغامرة ــ نسجلها، أنصافاً للتجربة المغامرة. ومحاولة لوضعها موضعها الصحيح في إطار الدراسات الأدبية التي اهتمت بالفن الروائي العربي منها: 1ــ قسّم جورج سالم مغامرته النقدية إلى ثلاثة أقسام ومدخل، خصص كل قسم لدراسة مجموعة من الروايات. ولكنه تركها دراسة متفرقة تتناول كل واحدة منها عملاً روائياً واحداً. ولكنه لم يضع في آخر كل قسم السمات المشتركة التي سوغت جمع هذه الروايات في قسم خاص، وتحت عنوان واحد مشترك. على الرغم من أنه كان يبث هذه السمات في ثنايا الدراسات. 2ــ لم يستنتج الملامح الفكرية والفنية المشتركة بين الآثار المدروسة في كل قسم فالقسم الأول تجمعه السمة الرومانتية إضافة إلى التعثر الفني، وعدم وضوح الرؤية لدى كتاب المرحلة الأولى. والقسم الثاني تجمعه الواقعية الطبيعية، والتشاؤمية، إضافة إلى تمكن الكتاب من آليات الكتابة وفنيات الرواية. أما القسم الثالث فتنتظمه تمزق الشخصيات وضياعها، وانتهاج الكتاب أساليب وتقنيات فنية جديدة في السرد وبناء الحدث ورسم الشخصيات. 3ــ ترك جورج سالم للقارئ أن يستنتج هذه السمات التي كان يبث بعضها في ثنايا الدراسات مما يجشم القارئ عنتاً ويضطره إلى قراءة الكتاب كاملاً للحصول على هذه السمات. 4ــ ركز على دراسة الشخصيات مع إشارات طفيفة إلى التقنيات باستثناء إشارات مختصرة إلى الراوي والضمائر المستخدمة في السرد واللغة وسويتها. إن مغامرة جورج سالم النقدية. وإن صنفّها صاحبها على أنها محولة أولية للنقد الأدبي، إلا أنها محاولة ناضجة إلى حد بعيد تصطنع أدوات النقد وبعض مناهجه ومصطلحاته، بدرجة كافية، وهو بمغامرته هذه عاد كالسندباد بأفخر الجواهر وأنفس الآراء عن الرواية العربية وتطورها في القرن العشرين. مما وضعه مع نقاد زمانه في مرتبة متقاربة، بالحدود التي وصل إليها النقد الروائي في حينه. هوامش: 1ــ سالم ــ جورج: المغامرة الروائية، منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق 1973. المدخل ص 9. 2ــ سالم ــ جورج: المصدر نفسه ــ ص 11. 3ــ سالم ــ جورج: المصدر نفسه ص 28 ــ 29. 4ــ سالم ــ جورج: المصدر نفسه ص 19. 5ــ سالم ــ جورج: المصدر نفسه ص 34. 6ــ سالم ــ جورج: المصدر نفسه ص 55. 7ــ سالم ــ جورج: المصدر نفسه ص 54. 8ــ سالم ــ جورج: المصدر نفسه ص 73. 9ــ سالم ــ جورج: المصدر نفسه ص 95. 10ــ سالم ــ جورج: المصدر نفسه ص 59 . 11ــ سالم ــ جورج: المصدر نفسه، ص 158. 12ــ سالم ــ جورج: المصدر نفسه، ص 172. 13ــ سالم ــ جورج: المصدر نفسه، ص 179 ــ و ــ 183. 14ــ انظر في المدخل. 15ــ سالم ــ جورج: المصدر نفسه ص 7. |
|
| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |