مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 445 أيار 2008
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

شاعرة الشام طلعت الرفاعي ـــ فوّاز حجّو

الدكتورة الشاعرة طلعت الرفاعي، شاعرة لمع نجمها في دمشق والقاهرة.

حائزة على دكتوراه في الحقوق والعلوم الاقتصادية والسياسية من جامعة باريس.

قامت بدراسات وأبحاث في الفلسفة والآداب العالمية في جامعة السوربون بباريس.

كانت أول امرأة تشغل منصباً سياسياً رفيعاً في الجامعة العربية وتصعد المنابر العالمية للدفاع عن قضايا بلادها وعن حقوق الإنسان.

نالت في جنيف الثقة بالانتخاب لمنصب أمين عام مساعد لاتحاد المغتربين العرب.

مثلت بلادها في العديد من المؤتمرات في ميادين التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية وفي أعمال مؤتمرات الأدب ومهرجانات الشعر التي عقدت في مختلف البلاد العربية والعالمية، ونالت أرفع الأوسمة على المستوى العربي والعالمي.

ذاعت شهرتها كشاعرة مجيدة وشعرها سياسي وقومي ووجداني عاطفي.

عرفت بإلقائها الشعري المتميز، ونالت المرتبة الأولى في الإبداع الشعري.

كان لها حضورها في الأدب كما كان لها حضورها الدبلوماسي والحضاري، وخاطبت الغرب من باريس ولندن وبرلين وجنيف وبروكسل وبرمنغهام وغيرها من مدن أوروبا.

نادت بوحدة العرب وتكامل الحضارات بين الأمم، كما نادت بتسخير الطاقة الذرية لأغراض السلام، وحماية حقوق الإنسان، وصُنفت بدرجة وزير في السلك الدبلوماسي.

وفضلاً عن ذلك فهي سيدة من سيّدات المجتمع، عرفتها المنتديات الأدبية، والمنابر الثقافية والمؤتمرات الاجتماعية. وقد أخلصت للشعر في كلّ أطوار حياتها، وقرأته في كل هذه المنابر.

صدر لها بضعة دواوين شعرية، ولديها الكثير من الشعر المخطوط الذي ينتظر الطبع.

***

وقد عرفتُ الشاعرة طلعت الرفاعي قبل أن ألتقيها، وقبل أن أتعرّف عليها، وكانت معرفتي بها من خلال قصيدة (أغنية للحب) التي تولّت تعريفي بالشاعرة نيابة عن صاحبتها، وهذه القصيدة قرأتها في مجلة (الأديب) في أحد أعدادها الصادرة عام 1958م، وفيها تقول:

لهفي..

أيوجد من يعاني حرقة الأشواق

مثلي..

أنا... ما عرفتُ الحبّ قبلكَ

هل عرفتَ الحبَّ

قبلي..

قلْ لي.. بربّكَ..

كيف تقضي الليلَ، في مَسراكَ

قل لي..

هَبني بظلّكَ غفوةً

فأريكَ، كيف أمدُّ ظلّي

وأكونُ طفلتَكَ التي ترعى الهوى

وتكونُ..

طفلي

ومنذ قراءتي لهذه القصيدة أحسستُ أن وراءها شاعرة بكل ما تحمل هذه الكلمة من معنى، وأخذتُ أقلّب صفحات مجلّة (الأديب) على امتداد أعدادها الصادرة منذ العام الذي نُشرت فيه القصيدة إلى أن توقفت المجلة عن الصدور في عام 1983م، إلا أنني لم أجد لها قصيدة أخرى، ويبدو أنها كانت القصيدة الوحيدة التي نشرتها في هذه الدورية التي كان لها دورها الكبير في الحركة الأدبية في الوطن العربي. وقد اكتفت الشاعرة بهذه القصيدة اليتيمة التي كانت بمثابة بصمة إبداعية واضحة تركتها على صفحات هذه المجلة.

وفي هذه الأبيات نجد الشاعرة استخدمت أسلوباً يعتمد على ردّ الصدر على العجز، والتقابل بين الشطرين لإبراز المفارقة، وتعميق التجربة، وفي البيت الأول نجد: ضمير المتكلم (أنا) يقابله ضمير المخاطب (الكاف) الذي يمثّل (أنتَ)، بالإضافة إلى (قبلكَ) مقابل (قبلي) وقولها (ما عرفتُ) مقابل (هل عرفتَ).

والملاحظ أن القصيدة نُشرت في مجلة (الأديب) بالطريقة التي أثبتناها في هذه المقالة، وذلك لأن توزيعها كان بشكل قصيدة التفعيلة مع أنها من الشعر الخليلي، وهي مجرّد خمسة أبيات لا أكثر، وبهذا القصر لا تبلغ حدّ القصيدة حسب الشروط التي اشترطها النقد الأدبي القديم، وبقصرها هذا تعدُّ من المقطّعات التي دون سبعة أبيات.

ويذكر الأستاذ عيسى فتّوح أن قصيدة (أغنية للحبّ) تتحدث فيها عن نزهة في ضوء القمر، ويشير إلى أن القصيدة لها تتمّة هي:

أنا في انتظارك قد بسطـ

 

 

ـتُ على عِذار النهرِ زندي

ووضعت في رفق النسيـ

 

 

ـم على خدود الوردِ خدّي

وأشعّة القمر المتيّـ

 

 

ـم في الهوى تخفي وتبدي

أغمضتُ طرفي كي أرا

 

 

كَ فثارَ في مثواهُ وجدي

وبقيتُ في ليلي أعا

 

 

ني لوعة الأشواق وحدي

ومن خلال قراءتي لتلك القصيدة شعرت أن هذه القصيدة هي طلعت الرفاعي، وأن طلعت الرفاعي هي هذه القصيدة، فالقصيدة تمثّل شاعرتها خير تمثيل، وذلك في جانب مهم من حياتها الوجدانية، بما تحمله من صدق في العاطفة، ومصداقية في التجربة العاطفية.

وإن القصيدة حين تمثل شاعرها، ونستشف من خلالها ذاته الشاعرة، فإنها تحمل الشيء الكثير من الذاتية، والشاعرة طلعت تعترف بذلك من خلال ما جاء في المقدمة التي عنونتها بـ(إليك) في ديوانها الأول (مهرجان الشروق) فتقول: "فما زلت أرى أنه من الصعب الفصل بين الشعر والشاعر بقدر ما يصعب الفصل بين الشعاع ومنبعه".

ولاشك في أنّ إعجابي بتلك القصيدة جعلني أحفظها غيباً، وأتمثّل بها، وأقدمها أنموذجاً للشعر الغنائي الذي يمتلك ناصية الشاعرية، ويؤثر في المتلقي، ويحتل مكاناً في ذاكرته، ولا بأس في أن أقول إنّ حكمي على هذه القصيدة هو حكم ذوقي انطباعي.

وإذا عدنا إلى تلك القصيدة ودققنا النظر في شكلها الفني، وجدناها لا تكتسب قيمتها الجمالية من خلال صورها الفنية، وذلك لأنها في تشكيلها الفني بسيطة، ولكنها غنية بأدائها التعبيري، وهي تعتمد على شعرية المعنى أكثر من اعتمادها على شعرية الصورة الفنية، وهذا سرُّ نجاحها.

وهذه القصيدة كما يبدو لنا تعدّ أنموذجاً للقصيدة القصيرة التي لا تسرف في لغتها، وهي أشبه بالومضة الشعرية التي تقتصد في لغتها، وتعتمد على الإيحاء، الذي يلقي بظلاله الوارفة على الرغم من مساحة القصيدة القصيرة، فيذكرنا بالمقولة الشهيرة: إذا اتسعت الرؤيا ضاقت العبارة... وقد استطاعت الشاعرة أن تكثّف إحساسها في نقطة تأثير محددة، وجعلتها مركزاً تدور حوله المقطوعة.

وحين التقيتُ بالشاعرة في دمشق لأول مرّة عام 2005م، وعرّفتني بنفسها، قلتُ لها: أنا أعرفك منذ زمن بعيد، وذلك من خلال قصيدتك (أغنية للحب) ومع أني أحفظ تلك القصيدة ــ وقد أسمعتها إيّاها ــ إلا أنني أرغب في أن تكتبيها لي بخطّك للذكرى، وقد فعلتْ، وما زلتُ أحتفظ بالقصيدة بخطّ صاحبتها.

وبعد ذلك رحت أتابع ما تنشره طلعت الرفاعي من شعر في الصحافة، فقرأتُ لها عدداً من القصائد في مجلّة (الثقافة) الدمشقية وجريدتها الأسبوعية، كما قرأتُ لها ديوان (حسناء.. قاهرتي)، وقرأت لها ديوانها الأخير الذي أهدتني إياه (جهنم الجنون.. خارطة الطريق)، إلا أنني بقيتُ مشدوداً إلى قصيدة (أغنية للحب) أكثر من كلّ ما قرأته لها من شعر.

وإذا قلنا إن قصيدة (أغنية للحب) لا تكتسب قيمتها الجمالية من تصويرها الفني، فإن هذا الحكم لا ينسحب على شعر طلعت الرفاعي اللاحق، فقد يُفهم من هذا الحكم أن الشاعرة فيما كتبته في الشكل العمودي لا تعوّل كثيراً على الصورة الفنية، وللإنصاف نقول إن هذه الشاعرة تمكّنت من إبداع كثير من الصور الفنية المبتكرة التي تحمل بصمتها الخاصة، ولا نكاد نجد أثراً لبصمات الآخرين في تصويرها الفني، وهذا أيضاً لا يعني أن الشاعرة لم تتأثر بغيرها من الشعراء، وإذا استعرضنا شيئاً من شعرها في ديوان (حسناء.. قاهرتي) وجدناها تتأثر أحياناً بنزار قباني، وتارة أخرى نراها تعارض أحمد شوقي، وربما ضاهت الشاعرين معاً، وانفردت بشعر له خصوصيته الملحوظة، وهذا ربما يدلّ على التفاوت الفني في شعرها.

ولا شك في أن الشاعرة طلعت تقف في طليعة الشاعرات في قطرنا، هذا إلى جانب كونها الشاعرة الدمشقية الأولى التي استطاعت أن تتخذ لها مكاناً بارزاً بين شعراء دمشق المعاصرين وعلى رأسهم نزار قباني ونذير العظمة وشوقي بغدادي وبديع حقّي وعمر النصّ، وكمال فوزي الشرابي وغيرهم.

ولكي ننصف الشاعرة طلعت علينا أن نضعها بين شعراء جيلها وشاعراته، وهو جيل الخمسينات الذي لمع فيه نجم طلعت الرفاعي، وأخذ صوتها الشعري مكانه فيه، فهي منذ الخمسينات تمكنت من أدواتها الفنية على نحوٍ لافتٍ للنظر، وذلك من خلال ما نشرته من شعرٍ في الصحافة، وما ظهر ديوانها الأول (مهرجان الشروق) الذي بشّر بولادة شاعرةٍ كبيرةٍ من خلال بداية كبيرة تتمثل في باكورة شعرها.

وإذا بحثنا عن موقع الشاعرة طلعت على خارطة الشعر العربي المعاصر نجد لها موقعاً متميزاً، إلا أنه كان يمكن لهذا الموقع أن ينال اهتماماً أكبر قياساً لغيرها من الشاعرات اللواتي حظين باهتمام كبير، وسُلطت عليهنّ الأضواء بكثافة، وتابعت خطواتهن حين حللن، ومن هؤلاء الشاعرات تقف في الصدارة نازك الملائكة الشاعرة الرائدة، والناقدة الكبيرة، ثم تأتي فدوى طوقان التي اقتصرت على الشعر، وكتابة مذكراتها، وبعد هاتين الشاعرتين اللتين طُبعت أعمالهما الشعرية الكاملة في دار العودة وهذا ما حقق لهما انتشاراً واسعاً وشهرة كبيرة، ونحن نأمل أن تُطبع الأعمال الشعرية الكاملة للشاعرة طلعت الرفاعي إلى جانب نظيرتيها في دار العودة، وهي أعمال تستحق الاهتمام كماً ونوعاً، وذلك بعد أن بلغت مجموعاتها الشعرية المطبوعة عشرة دواوين، إلى جانب ما لديها من مجموعات شعرية مخطوطة جاءت على ذكرها في ديوانها الأخير الذي طبع عام 2003م.

وإن الشاعرة طلعت حين غادرت دمشق وذهبت إلى القاهرة في مطلع الستينات وذلك في أثناء الوحدة بين مصر وسورية، تركتْ فراغاً في الحركة الشعرية في سورية، وهذا الفراغ شكّل رهاناً صعباً للصوت النسائي الشعري، ولاشك في أننا خسرنا حضورها في الساحة الأدبية في قطرنا، إلا أنها حقّقت حضوراً مرموقاً على الصعيد العربي وخاصّة بعد أن عملت في إدارة الشؤون الاجتماعية والعمل في جامعة الدول العربية، ومن خلال اطلاعي على أرشيفها الأدبي، وجدتُ بالوثائق ما يُدهش ويُثير الإعجاب والاعتزاز لما حققتهُ من إنجازات تدلّ على أهمية صوتها الشعري في مصر، ولما لقيَت من حفاوة وتكريم بشهادة كثير من الأدباء والنقاد في مصر، وبما قامت به من أنشطة أدبية هناك، تابعتها الصحافة المصرية بكل اهتمام. وعندما انتقلت جامعة الدول العربية إلى تونس بعد اتفاقية السلام سنة 1979م، انتقلت الشاعرة إلى هناك لمتابعة عملها، وخلال وجودها في تونس حققت حضوراً أدبياً ملموساً، وظهرت من خلال مهرجانات الشعر التي أقيمت هناك على المستوى العربي.

والشاعرة طلعت كتبت الشعر العمودي، أولاً وأجادت فيه، ثم كتبت شعر التفعيلة، ولكنها ما أجادت فيه كما أجادت في قصيدة البحر، وذلك لأنها شاعرة مطبوعة على أوزان الخليل، وهي حين تكتب قصيدة التفعيلة لا تبتعد كثيراً عن القصيدة الخليلية إلا في التوزيع.

والقصيدة المطوّلة التي أشرنا إليها، هي مؤشر واضح الدلالة على قدرة الشاعرة على توليد المعاني، وهي بذلك تعدُّ ذات نفسٍ إليها، ورغبة في الاسترسال، وهذا ما ظهر أيضاً في ديوانها (معلقة الألفين) فهي شاعرة تحاول أن تبزّ شعراء المعلقات قديماً وحديثاً، وكأنها في رهان مع فرسان الشعر وفحوله.

وقد نشرت بجريدة (الأهرام) في الثامن عشر من شباط سنة 2000م قصيدة تحت عنوان "على قمة الألفين" تعكس مدى إيمانها بعروبتها وقوميتها ووفائها لمصر:

على شرفة الألفين أهدي أحبتي

 

 

 

سلالاً بها ورد شهيٌّ وزنبقُ

أقول لهم يا أجمل الناس حبكم

 

 

على الدهر في قلبي سلاف مُعتّقُ

أقول لكم يا أهل مصر غرامكم

 

 

كما كان سيل عارم يتدفّقُ

ولا تحسبوا أن الفراق بقادرٍ

 

 

على محو ما بين الضلوع معشّقُ

وطلعت الرفاعي شاعرة ذات حسّ وطني عروبي، وتجلّى ذلك منذ ديوانها الثاني والثالث: (فتاة من القدس) و(مناضلة عربية)، وهذا الحسّ الوطني العروبي لازمها طيلة تجربتها الشعرية، حتى آخر ديوان صدر لها وهو (جهنم الجنون.. خارطة الطريق).

ويكفي أن نشير إلى أنّ ديوانها الأول (مهرجان الشروق) صدَّرته بإهداء تقول فيه: "إلى كل حرٍّ ثائرٍ على درب النضال والتحرير.. أهدي هذه المشاعر"، وقد غنّت الشاعرة للوحدة العربية، وهلّلت لفجرها، وخرجت في موكب شروقها تهتف سكرى من الفرح، تقول في قصيدة (فجر الوحدة) التي ألقتها في مهرجان الشعر الأول الذي أقيم في دمشق عام 1959م:

لا تسقني فالكأسُ بعدُ مليئةٌ

 

 

فاض الرحيقُ ندى وخُزامى

 

لا تسقني.. سكرى أنا في موكب الـ

 

 

إشراق ألمس في يدي الأجراما

إني رأيت الشمس قد تخذت على

 

 

أرضي لها بدل السماء مُقاما

ومواكب الشهداء.. قد أبصرتها

 

 

في المهرجان تراقص الأعلاما

أنا لم أنم.. هي يقظة عِلْويّةٌ

 

 

فيها كشفتُ عن الغمام غماما

دوّى الهتاف بمسمعي.. هي وحدة

 

 

إنّ الحقيقة فاقت الأحلاما

ومن الحديث عن الوحدة إلى الحديث عن الحرية وهما توءمان، لا يتغنى الشاعر بإحداهما حتى يتغنى بالأخرى، وهاهي الشاعرة تهلّل للحرية في ذكرى الجلاء من خلال قصيدة (عيد الحرية):

هلَّ الربيع الذي في خافقي صدحتْ

 

 

أفراحُ فعلا الإنشادُ واصطخبا

ماذا أحسَّ؟ أسكرى بالرحيقِ أنا؟

 

 

سقانيَ المجدُ أقداحاً وما حسِبا

أنجمة أنا في الآفاق مريضُها

 

 

يا قومُ ما لي كأنّي أعتلي السّحبا؟

ما سحرُ نيسانَ قد أذكى الحياةَ سناً



 

وأرسلَ الشعرَ في آفاقها لهبا؟

وقد ألقتْ هذه القصيدة بمناسبة عيد الجلاء 17 نيسان/ إبريل في الحفل القومي الذي أقامته الوفود العربية في المدينة الجامعية في باريس.

وطلعت الرفاعي أيضاً شاعرة ثائرة متمردة، وهذا ما تجلى في ديوانها: (ثائرة)، الذي ظهر في عنفوان شبابها، ويبدو أن جذوة ثورتها لم تخمد حتى الآن، وإذا عدنا إلى ديوانها الأخير تجلّت لنا الثورة فيه على أشدّها، وإذا كانت في شعرها ثائرة مفرطة في عنفوانها، فهي إلى جانب ذلك رومانسية مفرطة في رومانسيتها... تقول:

 

فلتعذري عشقي و وَقْدَ صبابتي

 

 

وكما علمتِ محبتي بركانُ

وتقول في قصيدة (ما أحلى السلاح):

أختاهُ... جُرحُ الكِبْرِ.. يُضْرِمُ في دمائي.. ألفَ ثورة

وفي قصيدة: (ثورة) المنشورة في ديوانها (مهرجان الشروق) تجلَّت الثورة على نحوٍ رامز، وفيها تقول:

من أين أغزلُ للشموسِ وشاحها

 

 

وإلامَ تزرعُ منكبي الأنجمُ

هذا نجيعي في هواك أريقه

 

 

وأراهُ أرخصَ ما إليكَ يُقدّمُ

أحنو على الرمل الطهورِ وأرتمي

 

 

وأمرّغُ الخدَّ النضيرَ وألثمُ

لا.. لن أفي دَينَ العروبةِ إنْ أنا

 

 

لم يروَ من دميَ الترابُ المُضرَمُ

أنا صخركِ العاتي الصَّمودُ وكِبْرُهُ

 

 

وأنا عليه الجدولُ المترنّمُ

وقد ألقت هذه القصيدة في مهرجان الشعر الذي أقيم في دمشق عام 1959م.

وفي شعر طلعت الرفاعي نجد نزعة صوفية في بعض قصائدها، وكان أول من تحدث عن الجانب الصوفي في شعر طلعت الرفاعي الشاعر المصري علي الجندي في كتابه الذي أفرد لها فصلاً مطولاً واستفاض في الحديث عنها وتحت عنوان: (طلعت المتصوفة الربانية) الذي مهّد له بالحديث عن حبها الإلهي الروحاني وحبها العذري الأفلاطوني عاد ليتحدث عن نزعة التصوف في شعرها، وتوقف عند كنيتها وأشار إلى أن نسبها يرتقي إلى السيد أحمد الرفاعي، أحد أقطاب التصوف المشهورين، ثم يذكر أنها تنسب إلى أسرة هاشمية في مدينة حمص، وأنها بذلك سيدة شريفة من العترة النبوية الطاهرة.. هذا ما يخص نسبها أما ما يخص شعرها فلا يفصِّل القول في هذا الشعر الذي تتجلى فيه النزعة الصوفية، أما إذا انتقلنا إلى الدكتور محمد مصطفى الذي قدم لديوانها (حسناء.. قاهرتي) وجدناه هو الآخر يتحدث عن النظرة الصوفية البعيدة التي استشفها من شعرها، ويستشهد بقول نثري لها تتحدث فيه عن الفيض النوراني النابض في كيان الكون كله، وما الذات الشاعرة لدى الشاعر بنظرها سوى المرآة الخاصة التي تنعكس من خلالها أعظم الحقائق، ثم يتحدث عن الرؤية الصوفية عندها، والتي تتلخص بأن الشعر قدر كوني، يضفي البهاء على الكون، ويحكم الروابط في وحدة الوجود السرمدية، ويجعلنا نعود إلى إنسانيتنا فنحس بالغبطة والتوازن إزاء كل ما نراه في توافق وانسجام في هذا الكون، ثم يتحدث عن رؤيتها إلى الطبيعة، وتغلغلها في أعماقها، واندماجها بعناصرها، وهذا برأيه هو موجز الرؤية للشعر عند الشاعرة، ويستشهد على ذلك بقولها:

مَنْ ذا الذي للنحل أنزل وحيَه

 

 

حتى زهت بشفائها الأبدان؟!

مَنْ قال للشلال امضِ ضَفيرةً

 

 

من قمّةٍ لتحلّها الوديانُ؟!

مَنْ بثّ في العنقود ملحمة الطلى

 

 

فإذا القصيدة كرمة ودنانُ؟!

مِنْ قبلِ نوحٍ والقصائد خُرّدٌ

 

 

نظَم النخيلُ بيوتَها والبانُ

مِنْ يومِ عادٍ والعيونُ قصائدٌ

 

 

تشدو بها عند المهى الألحانُ

مَنْ لقّن الشحرورَ بحر عروضه

 

 

فقصيدُهُ نايٌ به وكمانُ؟!

مَنْ ألهم الورقاءَ ديوان الهوى

 

 

حتى اكتوت من وجدها الأفنانُ؟!

والمبدع الأعلى المهيمنُ شاعرٌ

 

 

أسمى قصائد فيضه الإنسانُ

ولاشك في أن ما انتهى إليه هذا المقطع الشعري يشير إلى إيمان الشاعرة بالله من خلال أحد أهم اسم من أسمائه الحسنى وهو المبدع، الذي تردد ذكره في القرآن الكريم بصفته بديع السموات والأرض، وترى أن قمة إبداعه تجلّى في خلق الإنسان، وهذه النظرة تنبثق من شعور ديني عميق متأصل في نفس الشاعرة، وقد صبغ شعرها بصبغة صوفية، لا تستند إلى مفاهيم الصوفية ومصطلحاتها بقدر ما تستند إلى إحساس تأمّلي فردي، يتوصل إلى عظمة الخالق المبدع من خلال مخلوقاته، ومن خلال رؤية جمالية تستجلي ما في الكون من إبداع في المخلوقات تُوصِل الإنسان إلى المبدع الذي أحسن كل شيء خلقه.

والشاعرة طلعت تدلي بدلوها في الحديث عن الشعر، القديم منه والحديث، وتبيّن رأيها وموقفها بجلاء من الثنائية التي قصمت ظهر الشعر، وعمَّقت الهُوَّة بين قديمه وجديدة بما يعرف (بالأصالة والحداثة)، ونراها تميل إلى مفهوم الشعر الذي يعتمد على الومض على حدّ قول البحتري (والشعر لمْحٌ تكفي إشارته) ولا تفصل بين شكلي الشعر العمودي وشعر التفعيلة الذي عرف (بالشعر الحر)، وإذا كان الفضاء يتسع لكل الطيور، فإن الشاعرة ترى أن كل طائر له غصنه الذي يقف عليه، وكذلك الشاعر الذي يغرِّد كما يحلو له، ويتخذ الشكل الذي يرى ذاته فيه، وفي ذلك تقول:

 

ما لي وللشعر العمودِ "وحرّهِ"

 

 

إن صاغ عَمْرو أو شدا زيدانُ

غرّد بروضكَ مثلما يهوى الهوى

 

 

لك فيه أغصانٌ ولي أغصانُ

وإرادة الإبداع كلٌّ واحدٌ

 

 

بنقائه يتعملق العمرانُ

عارٌ على الكتّاب إن غاب السنا

 

 

والنجم فوق أجيجه سهرانُ

و"النقد" هل يوماً تفقّدَ غابةً

 

 

إن كانَ يحمي الغابةَ السرحان

درّ "الأصالة والحداثة" واحدٌ

 

 

إن صحَّ فيه الومض واللمعان

والشعر إن لم يشتعل حمماً فلا

 

 

كانت به الأقوال والأوزانُ

ونجد الشاعرة في قصيدة (حسناء.. قاهرتي) متمكنة من البحر والقافية، وعلى الرغم من طول القصيدة قلّما نجد فيها قافية قلقة، وقلّما نقع على وهنٍ في بنية البيت العروضية.

وفي هذه القصيدة نشعر بأن اللغة الشعرية مطواعة تستجيب لها في أحرج المواقف، وأدقّ الحالات، فتعبّر عن مشاعرها الدفينة وخلجاتها النفسية بلغة تستبطن مشاعرها وتصوّر إحساسها خير تصوير، وإن حسن اختيار البحر والقافية ساعدها في ذلك.

والشاعرة طلعت تجيد الوصف القائم على التصوير الفني الذي يتخذ من الطبيعة ملهماً، ويحاول أن يبدع لوحات فنية على طريقة شعراء الإبداعية الجديدة، ومن خلال الاندماج في الطبيعة، والهروب إلى الغاب كما تجلى ذلك لدى شعراء الرومانسية في الغرب، وهذا الهروب له طابعه الخاص، فهو ليس هروباً فردياً، وإنما هو هروب مع من تحب، فيكون اللقاء في غابات (الفرلّق) وإن الشاعرة تتخذ من الطبيعة ومن الغاب تحديداً مسرحاً للحب ولقاء الحبيب، وفيه تتحرك صورها الفنية بجمالياتها وتقنياتها، وهذا ما نجده في قصيدة (لقاء في الفرلّق):

 

لقاءٌ أضاءَ.. بلا موعدِ

 

 

وهل يبسمُ السّعد في موعدِ؟

رمت بين خُطايَ بأرض العطاءَ

 

 

فضيّعت في سحرها مِقوَدي

هنا في الفرلّقِ يصحو الزمانُ

 

 

على خفقة النغم السرمدي

به الحُورُ هائمة في السماء

 

 

تُذيبُ الزمرَّدَ في الفرقدِ

أدرْ أيها الغابُ خضرَ الكؤوسِ

 

 

ويا نسمات الصبّا هدهِدي

هنا في مغاني الهوى والجمالِ

 

 

هنا في (الفرلّق) في معبدي

والشاعرة طلعت تتعامل مع الحلم تعاملاً جديداً، ومن خلال الواقع الذي تجعل منه خلفية لقصيدتها، تتطلع إلى حلم ليس بالضرورة أن تكون قد رأته في نومها، ولا يستبعد أن يكون من أحلام اليقظة، وتنصرف إلى محاولة التعبير عن هذا الحلم، مع قناعتها بأنه (حلم لا يفسر)، وتجيد الخوض في هذا الحلم بطريقة لافتة للنظر، وتتخذ من الرمز والتلميح وسيلة في التعبير عن حلمها، وتحاول أن ترسم ظلالاً ذات مدلول رامز، وتهيب بالمتلقي أن يستشف من خلال هذه الظلال الرامزة ما يحلو له لمعرفة شيء من هذا الحلم الذي يستعصي على التفسير.. وفي ذلك تقول في قصيدة (حلم لا يُفسَّر):

لا تلمني.. إنَّ في جفنيَّ.. حلْماً لم يفسَّرْ

يانعاً.. كالوردة الحمراء.. بل أشهى وأنضرْ

مثلما الينبوعُ.. نادته السواقي.. فتفجّرْ

نسجتْهُ الشمسُ.. من ذوبِ السنا.. للبدر مئزرْ

قلتُهُ للموج.. فانهدَّ صريعاً.. يتكسّرْ

وسقيتُ البحرَ منه.. فرأيتُ البحرَ يسكرْ

عجز العرّافُ عن تفسيرِهِ.. ماذا تذكّرْ

كلما لملمتهُ..  راح وراء الأفْقِ يُنثَرْ

صوراً سحريّةً.. فوق السما تُطوى وتُنشَرْ

سكبَ الليلُ عليها.. جمعة النجمِ المُحيَّرْ

ثمّ تتطلع الشاعرة إلى آفاق بعيدة، وتنشدُ الرحيل إلى المجهول عَبْرَ زورقٍ في البحر:

طُفْ بيَ المجهولَ.. يا زورقُ.. إنَّ الصبحَ أسفرْ

وكما غنّيتُ.. سِرْ بي.. لا تكنْ دوماً مُسيَّرْ

مُرَّ بيْ.. لا ترهبِ الإعصارَ.. فالهدأةُ أخطرْ

إنْ يطُلْ في البحرِ ليلي.. لستُ أرضى الليلَ أقصرْ

لا تلمني.. ربَّ طرْفٍ.. عندما أغمضَ.. أبصرْ

لا تلمني.. لا تلُمْ قلباً.. إذا ذاب تبلورْ

لا تلمني.. لم يعُدْ في ناظري الشاطئ أخضرْ

وهذه القصيدة تتميز بالعذوبة والرشاقة، وهي طافحة بالغنائية والمشاعر الوجدانية، وهي تذكرنا بالقصيدة التي يغنيها محمد عبد الوهاب، ومطلعها:

عندما يأتي المساء

 

 

ونجوم الليل تُنثرْ

والمطّلع على شعر طلعت الرفاعي يلحظ لديها نزوعاً نحو التأمل والحكمة، وإذا كانت بعض الأبيات تأخذ شكل الحكمة، فإن هذه الأبيات ذات رؤية معاصرة، تختلف عن الرؤية التقليدية التي تتجلى في شعر الحكمة التقليدي، ويمكن أن نجد أبياتاً كثيرةً مبثوثة في قصائدها، ونكتفي بذكر بعض البيات كنموذج لشعر الحكمة الذي ربما يشكّلُ ظاهرة في شعرها، تقول في قصيدة (بائعة الجمال):

والضوء إبداع الكواكب كيف نورده الزوال

سر ائتلاق الشمس في التغيير من حالٍ لحال

وفي قصيدة (وطني الحبيب) تقول:

أنا حبّة القمح التي في أرضها

 

 

تفنى ليحيا البيدر المترامي

وتقول أيضاً في قصيدة (حسناء.. قاهرتي):

سرّ انفجار النجم في إشعاعه

 

 

أن تستبدّ بحبسه الأزمانُ

والشعر قبل الوحي وحيٌ من علٍ

 

 

يملي صبيب ضيائه المنّانُ

والشاعرة طلعت قلبها معلَّق بدمشق، وزاد هذا التعلّق بعدها عنها، وإقامتها في القاهرة، وعلى الرغم من تطواف الشاعرة في معظم حواضر البلاد العربية، وفي عدد من أجمل العواصم العالمية، إلا أنها تبقى مشدودة إلى دمشق التي تحبها إلى درجة العشق والهيام، مثلها في ذلك مثل الشاعر نزار قباني وغيره من الشعراء الذي تغنوا بدمشق، وأحبّوها إلى حدّ التقديس، وفي ذلك تقول:

ما زال يسكب "قاسيون" رحيقَهُ

 

 

والبدر فوق ذراعه سهرانُ

عطرُ الجبال تميمةٌ في موطني

 

 

تشفى به الأوجاع والأدرانُ

عشقُ الجَمالِ ضريبة في موطني

 

 

لم ينج منها خافقٌ فنّانُ

صوت العروبة من دمشقَ نشيده

 

 

يعلو فساح الهائمين جنانُ

وإن بعد الشاعرة عن دمشق بشكل خاص، وبلادها بشكل عام فجّر في قلبها ينابيع الشوق والحنين، وخاصة حين تسافر إلى بلاد الغرب، ويذكر مؤلفا كتاب (الكاتبات السوريات) أنه (عندما كانت في سويسرا شاهدت الأطفال في الحدائق، ورنّت إلى بلادها، فرأت ما يعانيه أطفالها من عدم الرعاية، والفرق بين المستوى في تنظيم الحياة)، فجادت قريحتها بقصيدة عنوانها "من وحي الغرب" تقول فيها:

على رجع الصدى الغربيِّ

 

 

رحتُ أصوغ أنغامي

وأرسلُ في انطلاق الفجرِ أفراحي وآلامي

أطلُّ بدمعة حرّى تُقرّح جفنيَ الدامي

تلقنني دروس البعد حبَّ بلادي السامي

فأسكبه نشيد الحبّ في قيثار إلهامي)

وإن عشق الشاعرة لدمشق لم يمنعها أن تعشق مدينة أخرى مثل القاهرة التي أقامت فيها وسحرتها بكل ما فيها، وخاصة نهر النيل الذي بدا لها نهراً عاشقاً، يلهم الشعراء، لأنه منبع السحر والهوى والجمال على حدّ قولها في قصيدة (النهر العاشق):

منبع السحر والهوى والجمال

 

 

وانسياب الرؤى بجفن الليالي

دفقات الحياة والحب تترى

 

 

بين بوح الشذا وصمت الظلالِ

في خيال النخيل أطياف شعر

 

 

تلهب الشعر في نخيل الخيالِ

فسؤال يوحي بألف جواب

 

 

وجواب يوحي بألف سؤالِ

غنِّ يا نيل ما عهدتك حيرا

 

 

نَ تقاسي لظى الهوى القتّالِ

بين أمواجك الهيامى نداء

 

 

صاغه الشوق من حنين الرمالِ

ومن مخاطبة النيل إلى مخاطبة الحبيب، ولا يمنع أن يندمجا معاً، فيصبحا حبيبين بنظر الشاعرة، وفي ذلك تقول:

يا حبيبي وفي الفؤاد سعير

 

 

يتلظى على رماد الدلال

ثمّ تنتقل الشاعرة إلى المقطع الثاني من القصيدة، مع تغيير طفيف في القافية، فتقول:

هدهدي الموج يا ضفاف النيل