مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 445 أيار 2008
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

المعادل البصري في السيرة الذاتية فيلم (الخبز الحافي) أنموذجاً ـــ عمر إدلبي

أولاً: السرد البصري:‏

تتميز الصور البصرية بخصيصة متفردة تتمثل في أيقونيّتها، أو ما يسمى بخاصة المماثلة، وهذه المماثلة تعني التشابه الحسي العام للصورة مع الموضوع الذي تمثله، وأهمية هذه الخصيصة تبدو من خلال كونها أداة مركزية في عملية تحويل شيفرات الصورة، إلى أنظمة تواصل تمتلك القدرة على تحليل وقراءة موضوع الصورة.‏

ومن الأهمية بمكان الإشارة إلى أن الصورة ــ كأداة تواصل ــ تختلف في أهميتها من حيث قدرتها على الإيصال من فن بصري إلى آخر، وخير مثلا على ذلك بعض الأشكال البصرية التشكيلية الرمزية التي تغيب عنها خصيصة المماثلة، مما يستدعي من أجل فهمها استخدام أنظمة دلالية أخرى.‏

ومن هذا المنطلق ينظر إلى اللغة البصرية على أنها لغة "تقيم مع باقي اللغات علاقات نسقية متعددة ومعقدة، ولا أهمية لإقامة تعارض ما بين الخطابين اللغوي والبصري كقطبين كبيرين يحظى كل منهما بالتجانس والتماسك في غياب أي رابط بينهما، فالعالم المرئي واللغة ليس غريباً أحدهما عن الآخر، ورغم أن تقاطعهما على صعيد الشيفرة لم يدرس بعد بدقة كبيرة، فإن ذلك لا ينفي أن من وظائف اللغة الأساسية تسمية الوحدات التي تقطعها اللغة، كما أن من وظائف الرؤية منح التشكلات الدلالية للغة، واستلهام هذه التشكلات منها أيضاً"(1).‏

وبما أن فكرة التوصيل الجمالي هي محور التشارك في إنتاجية النص الإبداعي، فإن هذه الفكرة في الفنون البصرية تتميز بإمكانية التواصل معها بأكثر من حاسة واحدة، فالنص البصري يفترض متغيرات أدائية ترتبط بعنصرين رئيسيين هما: المكان، والدلالة، إضافة إلى عنصر الزمان، وهو غائب ظاهرياً، إلا أنه ضمن مستوى تأويلي باطني، ينفتح على رموز إشارية تأتي في سياق الشيفرات الجمالية التي من أبرز خصائصها خصيصة القيام بدور الدال على عدة مدلولات ضمن مدى الرؤية للنص الإبداعي.‏

وبالحس المكاني والزماني يكتمل جوهر العمل الفني، "إذ لابد للعمل الفني من بنية تعد بمثابة المظهر الحسي الذي يتجلى على نحوه الموضوع الجمالي، كما أنه لابد من بنية زمانية تعبر عن حركته الباطنية ومدلوله الروحي، بوصفه عملاً إنسانياً حياً"(2).‏

كل هذه الصفات التي يتوافر عليها النص البصري تجعل منه نصاً سردياً ينطوي على سارد ومسرود له وقصة تحكى، "وإذا كانت هذه العلاقة الثلاثية ما بين السارد والقصة والمسرود له قد تصنفت نهائياً في حقل الجنس الروائي القصصي حالياً، إلا أنها من حيث البنية تؤسس لكل ما ينتمي إلى عالم الحكاية والتعبير عنها وبذلك فإننا نستطيع القول: إن كل رقصة تعبيرية، أو كل نص محكي نثراً أو شعراً، أو كل فعل تمثيلي أو غنائي لابد وأن ينطلق بالضرورة من اللحظة السردية التي سيتموضع في مركزها سارد أو أكثر يسعون لتقديم الحكاية إلى جمهور سامع أو مشاهد أو قارئ بجملة من الطرائق يجترحها السارد أو المؤدي، وعلى هذا الأساس أيضاً يمكننا التأكيد على أن السرد سوف يكون موجوداً في اللوحة التشكيلية، وفي العمل النحتي، وفي السينما والتلفزيون، وغير ذلك مما يتصل بعالم السارد والمسرود له"(3).‏

ولما كانت الصورة تحكي، فإن السرد فيها موجود بقوة الخطاب الذي يسرد الحكاية، وإذا كانت وحدات الحكاية في الصورة الثابتة تظهر كلها دفعة واحدة ملتحمة في المكان وفي اللحظة ذاتها، فإن الصور المتحركة، وكذلك الصور الثابتة المترابطة تسلسل التعبير عن موضوع واحد تحيل على فضاء زمني وعلى محتوى حكائي بالغ التعقيد بقدر تعدد الفنون البصرية الحكائية.‏

وفي هذا البحث ندرس المعادل البصري في السرد، ونورد مثالاً على المعادل البصري في السيرة الذاتية، وهو فيلم (الخبز الحافي) المأخوذ عن نص الجزء الأول من سيرة محمد شكري الذاتية المعنونة بنفس العنوان، ونتناوله بالدراسة التطبيقية لنبين خصائص السرد في هذا النموذج من السرد البصري.‏

ثانياً: المعادل البصري في السرد‏

ينظر إلى المعادل البصري في السرد على أنه: التكافؤ بين النصوص ــ بالمعنى الواسع لهذا المصطلح ــ المرئية والسردية، وما ينتج عن هذا التكافؤ من علاقات.‏

فالمعادل البصري وفق هذا التعريف هو: مصطلح يعبر عن عملية تحويل المشاهد السردية التي يمكن تخيلها في السرد إلى صورة مرئية يمكن معاينتها بصرياً، وبمعنى آخر هي عملية تحويل الصورة الذهنية التي ينتجها الوصف السردي إلى صورة حسية مادية أيقونية (متحركة أو ثابتة)، فكل فعل سردي يمكن تخيله، ويمكن بوساطة التصوير أو الرسم تحويله إلى فعل مرئي بالعين.‏

وعملية التحويل هذه تقتضي ــ وهنا تكمن المشكلة أن لا يشكل النص السردي الأدبي إلا مادة دلالة أولية للنص المرئي، ونعتبر ذلك مشكلة لأن مسألة الإفلات من سطوة الأدبي السردي على المنجز المرئي مسألة ليس من السهل تحققها، وبالتالي غالباً ما تؤدي هذه السطوة من جهة، ومحاولات الإفلات منها من جهة ثانية، إلى ضياع الخصائص المميزة لكلا النصين، السردي والمرئي على حد سواء، وهذا ما يفسر مثلاً ندرة نجاح الأعمال السينمائية التي تعتمد نصوصاً روائية على سبيل المثال، ما لم تأخذ هذه الأعمال السينمائية بعين الاعتبار شرط المواءمة بين النصين، وشرط المواءمة هذا سنبحثه باختصار شديد لتوضيح أهميته في عملية التحويل سابقة الذكر.‏

المعادل البصري وشرط المواءمة:‏

لإنجاز معادل بصري للسرد ناجح ومقنع لابد من وجود "التوافق الممكن بين شكل المادة الدلالية وشكل تمثيلها من قبل النص ــ المصدر وبين شكل المادة الدلالية وشكل تمثيلها من قبل النص ــ الهدف"(4).‏

وهذا التوافق هو ما يسمى بالمواءمة التي يفترض لتحققها تحقق شرطين لازمين، وهما:‏

1ــ شرط إمكانية الاختزال: ويقصد بعملية الاختزال "الحصيلة الدلالية الناتجة عن سيرورة تدلالية تأويلية، وهي حصيلة تتم في الذهن بشكل سابق على تحقيق النص ــ المصدر في عمل فني مغاير من حيث وسائل المحاكاة، وينصب هذا الفعل الذهني على الدليل التفكري، أي على النواة الدلالية المجردة والسابقة على كل التمفصلات الدلالية المتحققة، سواء في وسائل البناء المستنتجة من خلال اللغة الإظهارية مثل الحبكة في كل أنواع الحكي، أم في وسائل الإظهار نفسها، وينتهي هذا الفعل عند التحقق الكامل للنص المصدر في ذهن الذات المحولة في شكل خطاطات ذهنية، تجعل إمكانية الترجمة إلى عمل فني آخر ممكنة"(5).‏

وشرط الاختزال هذا يمكن معه تصور عمليات حذف وتجاوز الكثير مما يتضمنه النص السردي، وذلك من قبيل عملية الحذف لبعض الهوامش التعليقية التي يضعها السارد في النص السردي، بما يمثل تدخلاً سردياً من المؤلف في سياق السرد بهدف تأدية وظيفة بلاغية أو تزيينية.‏

هذا إضافة إلى إمكانية تصور حدوث إضافات على هذا النص، وذلك لأن تحويل بعض الجمل السردية "من صيغة السرد إلى صيغة العرض يفرض على المخرج أن يختار ضرورة أماكن الحركة وخلفيات المواقف الحوارية الخ... ومن هنا لابد من أجل نجاح التحويل أن تكون الإضافة الإجبارية ملائمة لسيرورة الحدث الحكائي"(6).‏

ويمكن اعتبار عملية تحويل الوصف السردي إلى سيناريو فعل اختزال بسيط يساهم في جعل النص المصدر قابلاً ليكون موائماً للنص المرئي الهدف، أو المحول إليه.‏

2ــ شرط إمكانية الترجمة، ونقصد بالترجمة هنا "إعادة تجسيد المختزل في شكل مفصل، وإعادة إنتاج المؤشرات الدلالية في أشكال مادية منسجمة مع وسائل محاكاة الجنس أو النوع الذي ينتمي إليه العمل المحول إليه، ويعني ذلك أن الترجمة هنا هي ترجمة لوسائل المحاكاة المادية الإظهارية"(7).‏

ويمكن اعتبار عملية تحويل صفات الشخصية السردية (الجسمانية، والنفسية، والسلوكية) إلى صفات للشخصية المرئية في النص المرئي (العرض المسرحي، أو الفيلم السينمائي) عملية ترجمة لابد من توافرها لتوافر شرط المواءمة، مع التأكيد أن هذه الترجمة لا يمكن أن تكون عملية نسخ كلي وتام ومتطابق، لأن الخصائص المميزة والمتمايزة لكل من الفنين (السردي والمرئي البصري) تحول دون ذلك التطابق بالتأكيد.‏

وخلاصة الأمر إن نجاح عملية التحويل من السردي إلى المرئي البصري يفترض رؤية فكرية تتسم بالشمولية وحسن التبصر في الأهداف التي يتوخى النصان (السردي والمرئي) تحقيقها، وبالتالي التعامل معها من زاوية نظر واحدة، بما يحقق عملاً مرئياً يتخذ من السردي خلفية ودلالة وذاكرة.‏

وفي هذا البحث نحاول الإطلاع على تجربة المعادل البصري في السيرة الذاتية العربية، وهي تجربة لم تبلغ من التنوع والنضج ما يكفي لدراستها دراسة تهدف إلى استخلاص التقنيات المستخدمة فيها وإطلاق الأحكام النقدية عليها، ولذلك سنستعرض ونقرأ فحسب محاولات تقديم معادل بصري في السيرة الذاتية ونترك للقادمات من الأيام، وربما السنين، هذه المهمة التي نتمنى أن تساعدنا محاولات كثيرة وجادة على جعلها واسعة ومجدية.‏

ويدل واقع الحال أن المعادل البصري في السيرة الذاتية العربية جد قليل، إذ نكاد لا نعثر على محاولات تتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة حتى الآن، رغم أن المعادل البصري لنصوص السرد العربي الروائي بلغت حداً معقولاً من ناحية الكم، قاد بالتالي إلى عدد لا بأس به على صعيد النوع والنضج الفني، ومن أمثلة المعادل البصري في السيرة الذاتية، نورد مثالين:‏

أولهما فيلم سينمائي بعنوان (الخبز الحافي) يحكي بصرياً سيرة محمد شكري الذاتية التي تحمل نفس الاسم. وثانيهما عرض مسرحي بعنوان (غيوم رحلة جبلية صعبة) يحاكي بصرياً سيرة فدوى طوقان (رحلة جبلية ــ رحلة صعبة).‏

ونظراً لبلوغ فيلم الخبز الحافي درجة ممتازة من الجودة الفنية، وضآلة القيمة الفنية والفكرية التي تحصل عليها عرض (غيوم رحلة جبلية صعبة) من أكثر من ناحية، فإننا سنركز في مثالنا التطبيقي على تجربة المعادل البصري (سينمائياً) المتحققة في فيلم (الخبز الحافي)، وهو فيلم من إنتاج مغربي ــ فرنسي ــ إيطالي مشترك حققه المخرج الجزائري رشيد بن حاج عام 2005 ووضع السيناريو له بنفسه، وشارك في التمثيل من خلال شخصية المناضل الوطني (المرواني)، ولعب فيه دور البطولة بنجاح ملفت الفنان المغرب (سعيد طغماوي)، من خلال تجسيده دور (محمد شكري)، فيما أدت الممثلة الإيطالية (مارزيا تيديسكي) باقتدار دور (سلافة) بائعة الهوى، إضافة إلى الكثير من الفنانين والفنانات المغاربة وفي مقدمتهم الفنانة المغربية (سناء علاوي) التي أدت بإتقان دور أم محمد شكري.‏

وما نذكره عن أهمية هذا الفيلم تؤكده حقيقة حصول الفيلم على أكثر من جائزة في أكثر من مهرجان، ومنها حصوله على أحسن جائزة في مهرجان سالينتو الدولي للسينما الذي انعقد في تريكيس بإيطاليا، وجائزة الجمهور في مهرجان مونبلييه للسينما المتوسطية.‏

(الخبز الحافي) سينمائياً‏

يتميز الخطاب السينمائي عن غيره من أنواع الخطاب بكونه ذا سلطة وسائطية، تضعه بين التعبير والبناء الجمالي والمنحى الفكري والدعائي والترفيهي.‏

ورغم أن (بازان) يرى أن الصورة في الفيلم السينمائي هي في جوهرها تسجيل موضوعي لما يوجد في الواقع، فإن هذا الرأي لا يغير من حقيقة أن السرد البصري السينمائي بصفة خاصة، والبصري بصفة عامة، يتضمنان ولا شك مساحات تخييلية شاسعة ومتنوعة، ولكن هذه المساحات التخييلية تصبح مع سيناريو يحاكي نص سيرة ذاتية مجرد لعبة بصرية يطغى عليها البعد الواقعي والذاتي.‏

وبعد كل هذا، لنا أن نتصور حقيقة المتخيل البصري في علم سينمائي يجسد مرئياً نص سيرة ذاتية لمحمد شكري، هو (الخبز الحافي)(8)، بكل ما يحكيه هذا النص من تجربة فعلية، لكائن حقيقي، في واقع فعلي حقيقي، يكاد ينفجر بما فيه من فقر وبؤس وغرابات وشذوذ؟؟‏

المخرج الجزائري رشيد بن حاج، وفي 97 دقيقة هي مدة الفيلم كاملاً قدم لنا معادلاً بصرياً لهذا الجزء الشائك والمتجاوز من سيرة محمد شكري الذاتية، في عمل سينمائي يمتلك كل الجرأة التي امتلكها شكري نفسه في سيرته، ومنذ المشهد الأول في الفيلم يعلن السرد البصري في الخبز الحافي / الفيلم نفسه معادلاً للسرد في السيرة الذاتية (الخبز الحافي)، وبكل اقتدار.‏

فإذا كان نص السيرة يحكي الفقر والجوع في أبلغ حالاتهما، فإن الفيلم يبدأ بمشهد (محمد شكري الطفل) يبحث في القمامة عما يسد به رمقه، ومنذ هذا المشهد يصبح من الصعب على المتلقي / المشاهد أن يقبل أقل مما قدمه محمد شكري في نصه الكاشف لسوءات المجتمع كمؤسسة والناس كأفراد.‏

وبداية نشير إلى أهم ما يجعل فيلم (الخبز الحافي) معادلاً بصرياً ناجحاً إلى حد معقول للسيرة الذاتية لشكري بجزئها الأول، وهو أن المخرج رشيد بن حاج لم يرغم اللغة البصرية في فيلمه على نقل اللغة السردية (الفكرية والذهنية) بحرفية صارمة، وإنما يختزل ويترجم (الخبز الحافي) السيرة الذاتية عبر لغة سينمائية متقنة وظف فيها صيغة سردية سينمائية تتناسب مع طرح النص المصدر، وهي صيغة البناء المفتوح: التي تولي اهتماماً بالهدف والأحداث، ولكن مع التركيز على الدافع الداخلي محرك الحبكة الرئيسي، وتأخذ عملية الدخول إلى أعماق الشخصية وأفكارها ومزاجها النفسي جل اهتمام السيناريو، وهذا ما يجعل السرد في صيغة البناء المفتوح سرداً بطيئاً، وقد يؤدي إلى إحباط المتفرجين لكنه في فيلم الخبز الحافي لم يكن كذلك، بفعل تقنية الإضافة التي ساهمت في تسريع إيقاع الزمن، إضافة إلى حيوية الحوار ودوره في دعم المحتوى البصري للمشاهد وفي تصعيد الحدث ودفعه للأمام.‏

ويبدو أن عملية المواءمة التي أنتجت فيلم (الخبز الحافي) كمعادل بصري لــ (الخبز الحافي) السيرة الذاتية لمحمد شكري، يبدو أن هذه المواءمة كانت عملية دقيقة ومتناسبة وشبه متكاملة، بحيث أنها انطوت على تحقيق شطري الاختزال أولاً، والترجمة ثانياً، وبنجاح معقول، مما مكن الفيلم من تقصي مكامن الجمال والدهشة في النص السير الذاتية وتقديم وجهة نظر إخراجية أقرب ما تكون إلى وجهة نظر محمد شكري.‏

وبفعل عملية المواءمة الناجحة هذه يبدو السرد البصري في الفيلم في حالة تماسك، تعكس البنية المتماسكة للنص السير الذاتي المصدر، وهي كما نعرف سيرة ذاتية متماسكة البنية، ويتميز السرد فيها بمشهدية وصفية عالية من جهة، وتركيز على الشخصيات من جهة ثانية، مع الإشارة إلى أن الكثير من عمليات الحذف والتلخيص كان لابد منها لتكون عملية المواءمة أقرب ما تكون إلى النجاح.‏

وبفضل عملية الترجمة الناجحة يظهر زمن السرد في الفيلم داخلياً، يتوضح بحركة الشخصيات، ولاسيما عندما يبتعد الفيلم عن بؤرة الحدث ويتحول إلى السرد الوصفي للمكان ومعالم الشخصيات، بحيث يتباطأ زمنه حتى كأنه يتوقف.‏

ورغم أن الحوار يبطئ السرد عادة، فإنه في فيلم الخبز الحافي لم يكن مؤثراً بدرجة كبيرة على تدفق الزمن وسرعته، وذلك بفضل تقديم حوار متماسك عن طريق تقنية "رباط الحوار" إضافة إلى تقديم المخرج طرقاً مرئية للحوار ساهمت عيون الممثلين بتقديم أهم مقترحاتها، مما قلل استخدام الكلام وشكل منظماً لإيقاعات المشهد.‏

بناء السرد في فيلم (الخبز الحافي) جاء وفق نسق السرد المتداخل، حيث تتكون بنية السرد من محاور متداخلة، زمانياً ومكانياً، وأدت تقنيات الوقفات والارتدادات والقفزات، الدور الهام في بنيته، مع الاحتفاظ بروابط ذهنية وبصرية شكلت عوامل فنية دلالية أمنت الوحدة العضوية للفيلم، وعززت آليات التوصيل بين الفيلم والمتلقي.‏

البنية المتداخلة للسرد في الفيلم جاءت حصيلة دمج مستويين، الدرامي والتسجيلي، حيث عمد المخرج رشيد بن حاج إلى بناء السرد في الفيلم من خلال دمج سهل وموظف بين وثائقية الحدث التاريخي وبين انطباعات الشخصيات وردود أفعالها على هذه الأحداث، كما يتأسس هذا الدمج على تطور الشخصيات التي يقدمها الفيلم، وهذا التطور يأتي سلساً من خلال التوازي مع تطور الأحداث المؤثرة بعمق في مجريات حياة الشخصية الرئيسية (محمد شكري) أولاً وباقي الشخصيات ثانياً، وتطور إحساس ووعي وفهم هؤلاء الأبطال لعمق مأساتهم ومدى تركيبيتها وتعقيدها.‏

هذا المستوى الدرامي يمكن أن نلحظه بوضوح بفضل بنيته القائمة على المتخيل السينمائي والصناعة البصرية للمعنى والوهم، وترميز المعنى والفكرة، على نحو ما يفعله المخرج في لقطة جميلة ومعبرة، عندما تدين الكاميرا الفقر والحاجة والجوع بمشهدٍ آسرٍ ومؤثرٍ، حيث ينبطح (محمد) ويضع وجهه على الأرض ليلتهم الحليب المسكوب على الأرض والمختلط بشظايا الزجاج من الزجاجة التي انكسرت بعد أن وقعت من يد سائحة أجنبية.‏

في حين يظهر المستوى التسجيلي بوضوح وجلاءٍ من خلال اللقطات الوثائقية التي اعتمدها المخرج من الأرشيف كحامل دلالي يعبر عن الحياة المغربية الاجتماعية والسياسية والاقتصادية في الفترة التي كان يسيطر الاستعمار (الفرنسي والإسباني) على مقدرات الحياة في المغرب، إضافة إلى اللقطة التسجيلية المركزية والجوهرية التي يظهر فيها محمد شكري نفسه قبل وفاته بفترة وجيزة في زيارة إلى قبر أخيه عبد القادر (الطفل الذي يقتله الأب في نوبة غضب منفلتة)، وتنتهي اللقطة بذلك المشهد الذي يجمع محمد شكري في المقبرة بالطفل المشرد الذي يبحث عما يسد به رمقه بين القبور، ليبدو الفيلم مدوراً في مشهده الأول ومشهده الأخير، في دلالة على أن شيئاً لم يتغير بين الأمس واليوم، فالفقر ما زال قادراً على أن يفعل فعله في المستقبل (الطفل الصغير) كما سبق له وفعل بالماضي (محمد شكري الطفل).‏

وإذا كان البعد الدرامي في الفيلم السينمائي يهتم بتقديم المتعة البصرية الحكائية وذلك ببناء العقدة وتحبيك المقاطع الفيلمية على أساس العلاقات بين الأحداث التي تدور حول الشخصيات والمواقف تنشأ عن سلوكهم، والعواطف الفردية التي يشكل التأكيد عليها واستثمارها بصرياً أهمية بالغة في نسيج السرد في الفيلم، فإن الفيلم نجح على هذا الصعيد في تمثل كل هذه المعطيات التي تقدم متعة بصرية تنمو بنمو الأحداث، وتطور الشخصيات ولا سيما تطور شخصية البطل الرئيسي/ محمد شكري عبر مراحل نمو وعيه وعمره.‏

هذا بالإضافة إلى أن البعد التسجيلي للفيلم بانغماسه الكبير في قلب الحياة البائسة والفقيرة للسواد الأعظم من الناس، ومعايشة الفيلم للواقع السياسي، والاجتماعي، والاقتصادي، والإنساني، ومتابعته الراصدة والكشافة والمضيئة لتفاصيل الحياة والناس، ساهم في حفاظ الفيلم على مضمون الرسالة التي عمل محمد في سيرته الذاتية (الخبز الحافي) على إيصالها والتأكيد عليها، وبذلك تمكن الفيلم من تقديم معادل بصري للمضمون الفكري والوجداني للسرد في نص (الخبز الحافي) بما انطوى عليه الفيلم من رسالة لها خطورتها ودورها وأهميتها في تكوين الوعي المجتمعي، وتوجيه انتباهه نحو ظواهر مؤثرة في بنائه أو تقويضه.‏

كل هذا لا يمنع من الإشارة إلى مأخذ سلبي على الفيلم، وهو دبلجة حوار بعض الشخصيات، ولاسيما شخصية (سلافة) بائعة الهوى، التي جسدت دورها بنجاح الممثلة الإيطالية (مارزيا تيديسكي)، هذه الدبلجة خلقت شيئاً من البرودة في الحوارات التي تستعمل فيها هذه التقنية، والتي نعتقد أنها أضرت بعفوية انسياب السرد في الفيلم وخلقت فجوات نفسية بينه وبين المشاهد.‏

ختاماً، أردنا أن نؤكد أن المعادل البصري في السرد السير الذاتي لم يؤكد حضوره الفعال في المشهد البصري حتى الآن، شأنه شأن نص السيرة الذاتية الواضح والميثاقي، وإن كنا قد تجاوزنا مسألة انتظار نص سيرة ذاتية ينطبق على ما نتخيله من شروط وحدود ومتطلبات وممنوعات، فإننا سنظل بانتظار المزيد من تجارب ومحاولات تحقيق المعادلات البصرية لنصوص السيرة الذاتية أولاً، ونصوص السرد العربي بكافة أجناسه ثانياً، نظراً لفقر مكتبتنا البصرية بمثل هذه النصوص البصرية التي تجعل المتخيل السردي مرئياً ممتعاً ومفيداً بآن.‏

********‏

هوامش‏

1ــ كريستيان ميتز ــ ما بعد المماثلة / الصورة ــ ترجمة وائل محجوب ــ مجلة النداء الفني ــ بيروت ــ العدد 14 ــ نيسان 2004م.‏

2ــ زكريا إبراهيم ــ مشكلة الفن ــ مكتبة مصر ــ القاهرة (د.ت) ص 27.‏

3ــ عزت عمرــ من ورقة عمل مقدمة إلى ورشة الإبداع الثامنة بعنوان: السرد وبناء السياق الثقافي ــ الشارقة ــ نيسان عام 2005م.‏

4ــ عبد اللطيف محفوظ ــ عن بعض آليات تحويل النص الروائي إلى شريط سينمائي ــ موقع الفيلم السينمائي على شبكة الإنترنت.‏

5ــ المصدر السابق.‏

6ــ المصدر السابق.‏

7ــ المصدر السابق.‏

8ــ محمد شكري ــ الخبز الحافي ــ دار الساقي، بيروت 1999.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244