مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 445 أيار 2008
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

لمحات في البراري ـــ خالد السلامة

-1-‏

نطرت عيونك يوماً تهلَّ عليَّ‏

وتدفق بالحب ماء تضاحك من نبعة نشفتْ في الزمانِ العجيبِ‏

وتشعلُ بالعشقِ أنأى النجوم‏

وتملأُ بالوجد كلَّ الجرار التي خَثّرتْ في الكهوف المريضة خمراً‏

وتهدمُ آنَ التلاقي على الدرب أنصاب طين وأبراج قار‏

وأقمارَ زنكٍ تتبّعُ أنفاسَ عشب السهوبِ‏

وتطلقُ من سجنها للفضاء حمائم تهدلُ خلف السياج‏

نظرت يديك تلمان في ظلمة الجبِّ آثار روحيَ‏

سيارة لن تمر لترمي الدلاء وبشراك سوسنةٌ لاتباع‏

نطرتُ يديك تمدّان، والليل خاوٍ، لنا مفرشين من الغَربِ‏

الأخضرِ المستهامِ على ضفة لا تخون ومادنستها الوجوهُ‏

حزينٌ أنا يا جزيرة روحي‏

وهذا المغيب المدمى عيوني‏

تركت ورائي عذارى يضمخن بالشوقِ ماءَ الوجوه وينثرنَ وجدا‏

مساء الإياب ويبكين صبح الرحيل الطويل‏

تركت مهاراً تدندش أعرافها بالخزامى وتجلد ظهراً لتطوي‏

السهوب وراء السياج الثقيل‏

تركت ورائي نهراً يكد ويلهب غاربه بالسياط‏

تركت هشاماً يجرجر أقدامه في الهلام العليل‏

تركت المناشي يفتح بابا ويدفن أيامه في التراب‏

وخوضت في الطين أبحث عنك لديك‏

يصاعد بوحي آن اختناق الظلال وآن تطاولها في الفضاء‏

أراقب سرب قطاةٍ تهيمُ غراماً بماءِ الوجوهِ ودمع العيون‏

تهفّ على الأفق مثقلة باللجين‏

وتصنع منك وفيك عروشاً لمجد الضياع‏

فكيف.. لماذا.. أتيتُ إليك‏

وكيف.. لماذا.. أسافرُ منك وأرحل فيك إليك‏

-2-‏

نطرت خطاكِ تهلّ عليّ‏

نطرتك تأتينَ‏

إنْ جاءك الهدهد المستريب وألقى إليك حروفي‏

أفيقي من النوم، مدّي خيوطاً إلى الموت، لا تنكريني‏

على طبق طافَ رأسي على عنقِ رمحٍ يخبّ صباحاً‏

فأبكى العصافيرَ، قادَ الدروبَ لصبحِ الحياةِ وروّى السواقي‏

التي هدْهدتْ في الضياعِ خطاي بماءِ العيون‏

حزينٌ أنا‏

غصن صفصافة في الفرات تلفّ جدائلها بالرياح‏

وتظفرها بالعجاج شغاف فؤادي‏

نطرت يديك‏

تلمان ريش الحبارى تصبر صبحاً لدى متحف للكلام‏

تلمان صوف الخراف تذبح ليل الهجوم الكبير‏

تلمان هدب العيون تمزق فجر الرحيل المديد‏

تلمان زغب الشفاه تقطع فوق حوافي الكؤوس لمجد المرايا‏

تلمان روحي وروحك‏

هيا لننسج في زحمة العمر سجادة نستريح عليها وراء السهوب‏

ونحملها مفرشاً في ليالي الشتاء الطويل‏

لنسجدَ طيلة نفي اليقين نرطّب أصواتنا بالدعاءِ‏

نطرت يديك‏

تعدان ليلاً لمن قد تبقى من الأهل والأصدقاء‏

عناقيد رطب وزقَ حليب وخبزا‏

ستأتي العواصف يوماً عليه‏

فليس وراء القناع سوى مكمن من غثاء‏

لعل تجيء الطيور خماصاً إليه‏

فتننفر مشبعة في الفضاء‏

سآتيك لا بد يوماً‏

سألقاك لا بدّ يوماً على ضفة الشمس طالعةً من حطامِ الخواءِ‏

نطرتُ يديك‏

لأعلنَ للطيرِ والشمسِ والنجمِ والريحِ والأرضِ‏

أنّي أحبكِ فوق الذي قد أبيحَ وفوق الذي قد يباح‏

وأنّي عشقتكِ يوم اصطفتك الضباع‏

وأنّي سأبقى أسافرُ منكِ، ومنك إليك‏

-3-‏

نطرتُ خطاك تهلّ عليَّ‏

نطرتك تأتين من أيّ فجٍّ‏

فنحنُ ضيوفٌ على ضفةٍ من شغاف القلوب‏

فأين سنلقي الرحال‏

سميرةَ روحي، شميران قلبي‏

وكلّ الدروب تحاصرنا والتلال‏

على أيّ سهبٍ...؟؟؟ تملّح صدرُ السهوبِ‏

على أيّ وادٍ..؟.. تحجّر دمعُ السحابِ‏

على أيّ شطٍّ..؟.. تغوّر دفقُ المياهِ‏

فأينَ سنلقي الرحالَ‏

وهذي السماءُ محاصرةٌ بالرجومِ‏

الفضاءُ كواكبُ مصنوعةٌ من حديد‏

تراقب سنبلة تستفيق لترشقها إذ تهبّ بفيض العجاجْ‏

فأينَ سنلقي الرحالَ‏

أضاقت صدور السهارى‏

أضاقت رياش الحبارى‏

أضاقت قلوب العذارى‏

إذن فانطريني..‏

سأحمل روحي وآتيكِ ثانية في الصباح النّدي‏

سأسري وراء هجينِ تمايل تحت حمال الخيامِ‏

سنهجر خان الفراغ المميت‏

سنفتح بوابة للفضاء تمزّق شوكَ الحدود‏

نقيم حواراً مع الصمّ والبكم والطير والأرض‏

نحكي بكل اللغات قصائدنا المهملاتِ‏

ونشربُ ضوءَ النجومِ ونرشفُ حسوَ السحابْ‏

ونسندُ رأسي ورأسك عند التخومِ‏

لنسمعَ نبضَ الديارِ التي هيّمتنا عشايا الضياع‏

ونوصل نسغي ونسغك بالنهر يرفد هذا الترابَ اليتيمْ‏

لعلّ سنطلع ثانية من جفونِ السهوب‏

شذى برتقالٍ، عبيرَ خزامى، أزاهيرَ فلٍ ترقش وجه السماء التي لم تخنا‏

لعلّ سنشعل شمعاً يكركر في غاسق الصمت راية شوق‏

تضاحك فوق تخوم الخراب‏

إذن فانطريني‏

سنولدُ ثانية من شغافِ الترابِ‏

سنترعُ هذا الخلاءَ بعطر الفراتِ‏

تكونين أنت أنا، لنشدّ الرحال‏

فكيف،: لأين نشدّ الرحال‏

وأنت هنا في العيون، أنا هاهنا في الجفون‏

أراك جناحَ حمامٍ‏

وأرحل منك وفيك ومنك إليك‏

-4-‏

وآتيك ثانية من حنيني‏

نطرتُ خطاك تهلّ عليّ‏

وأدري سألقاكِ يوماً‏

على جنح طير يغادر ليل العشائر تنزو على ورق من ثغام‏

يؤجج عزم مناة المريضة جوعاً‏

وأدري سألقاك يوماً على سعف نخل يهفهف مؤتلقاً في قبور الطوائف‏

تعرش خلف السياجات لبلابلها وتغني لقتل العصافير فوق الغصون‏

وتعلي لأنصابها في الخلاء بيوتاً تؤثثها بالرياش‏

وترفعها فوق كتف السياج العريض‏

ورسمية الحلم تعيا ارتقاباً لضوء نهار لعل سيأتي‏

وأدري سألقاك يوماً‏

تكونين أنت أنا.. والمساءُ الصباح، الظلام الضياء‏

وقلبي سيوغل منك وفيك ومنك إليك‏

-5-‏

نطرتُ خطاكِ تطلّ عليّ‏

سأتيكِ ثانيةً من حنيني‏

وأدري سألقاك يوماً‏

فلا بدّ للنهر أن يستحثّ خطاه احتداما إليك‏

ولا بدّ للنهر أن يسترد الضفاف تهبُ اشتياقاً‏

ويطوي السواقي التي وزّعتني طويلاً وتهتُ زماناً لديها‏

لأنسى اختلاجات روحي لديك‏

وأكوي الجراح التي خلفّتها الجدائل هزّتْ عروقي‏

بعطرٍ يهفهف من سادرات على مفرق في خيالي‏

وأدري ستأتين يوماً‏

فأنت مداي أسافرُ فيه وحيداً‏

لأرسم درباً يدل فؤادي لصبح تهلهل أنجمه المدنفات‏

وأنت ازدهاري‏

وأنت قوارير صحوي وسكري‏

وسوسنتي في ضفاف الفناء تحاورني في الغياب‏

فأسمعها في الرحيل المرير رفيفي‏

وأكسر بين يديها مرايا اشتعالي‏

وأكتم، آن تموء الثريا وتخلع أثوابها الطير‏

ذعراً غداة الطراد، نزيفي‏

وأدري سألقاك يوماً‏

ويوماً سترسو على شطّ عمري سفينتك المجتباة‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244