|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
أحرف الرماد ـــ زهير جبور ما فيها من جحيم يوازي ما اخترعته البشرية المعاصرة من (تكنولوجيا) والتاريخ تشكل من رمادها الذي تحول إلى أحرف هكذا قالت وصمتت. تلاشت أفكارها حين دخلت المكتب وكانت قد رتبتها. قادمة إليه، فجأة لم تستطع الكلام. ستقول: ـــ هو الزمن وما عشته اللامعقول، والحزن نبت في مسام جسدي، فحجب عن جلدي النور، والهواء، وما أستنشقه رائحة عفونة ولا أحد يشاركني قهري، ولم أعش حلمي، وما منحني الزواج المرتب دون قناعتي أي عطف أسروي، حتى الطفل الذي أنجبته لأحياه جاعلة منه بعض النبض لشلل حياتي النصفي، لقد وهنت ودربي صوب رمادي، بعد أن أخفقت في الوصول إلى المدى القديم، وكنت أمضي ساعات أخطط له، فماذا عليّ أن أفعل، وها أنا بين يديك أريد حلاً. استثارته هالتها التي سطعت وأيقظت ما أنهكته السنون، فهبّ ضجيج ذاته محدثاً نفسه: ـــ املأ رئتيك برائحة افتقدتها، واستنشق الحبق، فك قيد أصابعك، دعها تقطف الشهد، انزع غطاء عينيك، تحرر من حصارك، استمتع بهبة هبطت من السماء عليك، فالعمر يمضي وأنت معه على قارب قديم. أمطرها بتعابير الورد، وقد عرفت خنوع الرجال حين ترميهم سهام الجسد وتشعلهم أسطورته، بداخلها محيط متجمد منذ قرون، من يقترب فسيواجه صقيعها، وما عرفت يوماً معنى الدفء ولا الاستجابة، ولم يحدث أنه تعرق كما هو الآن، لينعكس صقيعها جمراً يحرقه. كان التلفاز ينقل صور ضحايا التفجير، توابيت من خشب تفسخ بحكم الزمن، والبث يقرب الرأس المقطوع، والساق المبتورة، المكان صبغ بالأحمر، وبصره يلتهم الأعضاء. ـــ أتفضلين البارد أم الساخن؟ ـــ لا شيء معدتي يفكر. معدة متمردة لسحر يصلح عطب الوريد التالف، ويزيل ماء زرقة العينين، ويوقظ خلايا ماتت. ـــ أهو المرض؟ ـــ انفعالات. بكثير من الغموض المندهش قال: ـــ أمثلك تنفعل؟ يحل الصمت، هي بتثلجها، هو ينز عرقاً، المبرد بأعلى درجاته. تظهر حماتها لتكرر جملتها المعهودة (ابني ما عرف الراحة منذ تزوجك. وقد حلّ علينا البلاء) أوديب كما أعلن العراف: (سيقتل أباه ويضاجع أمه) الطفل يبكي. حماتها تصرخ: (ساعديه. المطلوب أن لا تقولي أين كنت، بل ماذا جلبت. فعلت هذا من قبلك وزوجي لا يعرف أي شيء، وأنا أفرج عنه الضيق) وحين غزاهم الهواء الأصفر، صار الناس يتساقطون صرعى بعد إقياء طويل، ووجد الكهنة أن ثمة خطيئة قد أغضبت الآلهة. تعلمي يا ست يا مثقفة أن لكل أنثى مفتاح ثروتها، فماذا تنتظرين؟ حتى يذبل جسدك، وتتحولي إلى خرقة بالية ما عدت صالحة للإغواء). وكان أوديب لا يعرف سر إثمه، وأمه تؤججه حتى الغليان، وفتوته تستجيب لهدير شهوتها، وآهاتها تنطلق كالرعود رعشة بجسديهما. تقول لحماتها: ـــ أنا لم أنه دراستي وأحصل على شهادتي وأتزوج ولدك، لأفعل هذا. يتقاذفها هولها، ويحنيها فجور حماتها ليطغى على بكاء الطفل ـــ أرضعيه يا شيطانة وقد جف حليبها. دمها. دمعها. حرائق. قاذفات، تنطلق طائرات من حاملات عملاقة متواجدة في البحر. بعلوه يتذلل لجسدها، فتلامس جبهته الحذاء، وتصخر جليدها. تعودت أن تغلق أذنيها كي لا تسمع، وترفع ستارة سوداء أمامها تحجبها عن الدنيا، قديماً كانت ترى. تقرأ. تعيش. تراقب. تتابع هستيريا الكون. الآن لم تتمكن من إيجاد الستارة، وما يجري أمامها، وبداخلها، وخارجها، ومحيطها المكاني، يزداد مغص معدتها تقطعاً. لم تنجب الطفل لتقدمه هدية لقاتليه، وهم يقتلونها، وإن نجحت بالتجربة فسوف تفر وإياه تنقذه وتنقذ نفسها. لكنها المعدة، ولن يتفكك صقيعها، ويلين صوانه، وهو الصفقة، وأي احتباس حراري سيذوبه، يغتسل لهاثاً بفم مفتوح، ولسان متدل، وشخير، وأنين، وعذاب، وأدواته النحاسية تتضارب دون إيقاع، وهو يقاوم الصقيع. (يا مشحر يا ابني، أية خطيئة ارتكبت حتى تقضي على زهرة شبابك مع شهادتها التي لا تطعم الخبز، قال علم). تغذيه بوحشيتها، تناوله السكين ليقتلها والطفل، وهي بطلة الفشل، وما كانت إلا لتواجه مصيرها المتفرد عن كل البشر، فهل تصمد؟ استيقظ أوديب على كابوس دناسته، وكان قد امتص من الحرام أشهى شهده، ولا طهر بعد الآن، ففقأ بؤبؤيه، وعاش الظلام. ارتدى الرجل الذي تلبسه جن الجسد (مريولاً) أبيض، وحمل كتاباً من الرحمة، ورأت جناحين من ملائكة على جنبيه، يرفرفان دون طيران، وقد اخترقها بحزن عظيم. ـــ ماذا قرأت بالجامعة؟ استسلمت للسؤال، فعله الخلاص، أعمدة. حجارة عتيقة. أبجدية. خطابات قادة. خيول تفر من الميدان ببنادق منكسة. ـــ رفضت النهايات المزيفة للانتصارات، الوهم يا سيدي وما وجد إلا لسحقنا. خفضت رأسها المتصدع. وتفجرت معدتها صراخاً وألماً. ـــ يا سيدي ابتدأ التاريخ من أحرف رمادية، وها أنا أنتهي عنده، وحين يصهر ينبغي أن تهتز الأرض سخطاً. هرم صدرها: أهم من أي هرم رآه بتكوره وهندسته ـــ أيمكن لمن تحمل عظمة خوفو، والمنقرع، أن تشكو من ألم، يا للهول! وفي أي فاجعة وضعت؟ ـــ أتفضلين الساخن أم البارد؟ أم قليلاً من الأعشاب المحضرة لوجع البطن؟ ـــ أنا لا آكل ولا أشرب ـــ كيف تعيشين إذن، وأنت مؤهلة لكل الانتصارات؟ ـــ مؤهلة دون جدوى. تحول الرجل المهووس بالجسد إلى ناب بأظافر قذرة، وقد طالت، وصار يضحك مجنوناً، والمبرد ينفس سخونة عالية، وهي في تصخرها. قذفها بقنابل الاستشهاء، وعراها نحتاً، صرة على صفيح مرمر أملس أعذب من فتحة نبع رقراق حتى الصفاء الأزلي، ويا لروعة ما أرى كالحلم ما عاشه يوماً شامة بلون (الشوكولا) مرتفعة فوق جدول منشطر كالبنفسج، وضفتين من خيال مرصع على الطرفين، وأي طفل أخرجه هذا البهاء المهيب وقد زين بتاج لإله إغريقي، ومضى بين النمنمات وكل ما يراه تتبدل ألوانه كربيع يفوق الوصف، انتفضت فحولته صراخاً وضجيجاً ـــ يا ربي أيمكن أن تكون هذه من خلقك؟ من هي التي هبطت عليّ لتحييني، وأنا الميت منذ زمن فرعون؟ وهبت أعاصير (تسونامي) فركع. ثم نهض، وركع.. نبح. شهنق. حمحم. تضاعف لهاثه. تحطمت الأمواج على الصخور.. المبرد يحترق. التلفاز يعرض، والرجل المهووس بالجسد يصرخ. ـــ يا جحيمي خلصني من عذابك الرحيم. دفن رمادها في زجاجة (كوكا كولا) قذفوها صوب التاريخ. مضت كما تشاء صفحاته، وطفلها يبكي. سأترك الخيار لكم في خاتمة تجدونها مفتوحة لخيالكم. |
|
| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |