مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 445 أيار 2008
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

قبعة على بركان ـــ عبد الستار ناصر

ذهبتُ إلى موعد "أرين" لا أسنان أحس بها ولا نبض أسمعه وراء جلدي، أشفق ممدوح على هذا الكائن الأزرق الذي لم يتمكن من النوم حتى شروق الشمس، أوهمني أنه قال لي:‏

ــ عليك أن تأكل وتشرب النبيذ قبل أن تراك "أرين"..‏

شكلك لا يعجبني.‏

فعلتُ كما أراد، أي إنسان "عجب" هذا الممدوح الهارب، استطاع في ساعة واحدة أن يلصقني على أكداس من النكات التي تُضحك حتى الحجر وأنقذني من البلاهة التي سيطرت على جبالي وسفوح مخي الذي كاد يغرق تحت انتظارها الموجع اللذيذ.‏

في الثامنة مساء جاءت "أرين" أحلى مما كانت يوم أمس، تمشي على ركام من أعصابي، أطلال من بقايا أجدادي، اقتربت مني:‏

ـــ أهلاً محمود، محمود حلو.‏

ما زال اسمي على لسانها، شممتُ عطرها الطافح باللوعة، ثم تركتها على بعد مترين وقد ابتسمت في وجه ممدوح وأشارت إلى جبل من البيرة كان قريباً منا:‏

ـــ ما رأيك أن نشرب قليلاً هنا قبل أن تحرقنا ذئاب "البحيرة"؟‏

لم أفهم، كنت كما الحمار أنتظر السوط الذي يرشدني إلى المكان، أقطعه وأمشيه بلا اعتراض.. قال ممدوح:‏

ـــ ما رأيك يا محمود؟ البيرة هنا أرخص من هناك عشرات المرات.‏

يدري أن لا رأي لي أمام حيرتي، لكنه يسألني أمامها احتراماً لما يخطط له، إذا به يقول بشيء من الحماقة والغضب:‏

ـــ تحرك يا محمود، تحرك، أنت لا تدري كيف أصبح شكلك البليد هذا.‏

أريد أن أتحرك فعلاً، لكن الشيخ "عمر أبو الطوق" ير فسني ويصرخ بي من وراء جبال مسننة بالفولاذ، دون أن أدري رحت أصفعه وأنقذ نفسي من بطشه وسفالته، إذا بي أرى يدي تصفع الهواء بينما ممدوح يكرر:‏

ـــ ماذا دهاك يا محمود؟‏

أحمد الله أن "أرين" ذهبت لتختار المكان ولم تكتشف الحمار الذي راح يرفس الهواء دونما سبب، نظرت إلى ممدوح لا أدري كيف أعتذر وكيف يمكنه أن يفهم ما جرى في النخاع المشلول وفي ممرات الماضي الملوث بالمذلّة؟ لكن ممدوح أدرك كل شيء بل أوشك على البكاء بدلاً مني.‏

في ملهى "البحيرة" قرب الممر المائي الذي يقطع المدينة إلى أجزاء لا تتساوى، أصبحتُ على يقين "أنني مريض" وأن تراثاً من النكبات والحروب والخراب والجوع والحرمان والغباء يركض خلفي، لا يريد أن يتركني لمصير غير المصير المرسوم على جبيني منذ ولادتي، آمنت أن الخطوط التي تتقاطع في كفي إنما تحكي ــ كما أخبرني عراف غجري ـــ أسوأ حالات الرعب والتذبذب.‏

ما زلت على يقين: أن ممدوح من عجائب الدنيا، لا فرق بينه وبين المعجزة إلاّ في كونه من لحم ودم وبقية العجائب من إسمنت وفولاذ وتأريخ وصخور، ليس لي من أحد أثق به غير هذا العبقري الذي تطارده ملفات الشرطة والقضاء دون ذنب سوى أنه قال:‏

ـــ أنا أحب الحمقى من البشر، لهذا السبب لا أحتفظ بصورة على جدار البيت غير صورة هذا الـ... الأسمر الجميل.‏

كان يومها يشير بإصبعه إلى "الريس" أنور السادات، لا يدري بمن تسلل خفية ليقول أو يكتب عنه أكثر مما قال من "حقائق.."‏

أشارت علينا "أرين" من طرف بعيد أنها عثرت على مكان يناسب امرأة بين اثنين، مشينا على نغم وحشي يقول: بهدوء يا محمود ليس من شيء يستحق الخوف، تذكّر أنها مجرد أنثى.‏

هذا العالم المزحوم بأقوى الرجال وأكثرهم وسامة ومالاً وذكاء، ماذا ينقصها أرين الساحرة لتأتي إلى عربي أبله جاء من دغل الأخطاء والذل يسأل مرعوباً عن الحياة: كيف يعيشها البشر خارج حدود أرضه المسوّرة بالمجهول والمحاطة بعلامات الممنوع... ماذا ينقص هذه الجميلة الحافية حتى تحصل على مليونير أو ممثل شهير؟ كيف أصدق نفسي إذا ما ارتبك الكون أو انقلب على بعضه وصارت "أرين" من نصيبي وقالت "نعم" لهذا المذعور، أربكه الجميع والتفت على عنقه المشانق "بهدوء يا محمود، لا شيء يستحق ما أنتَ عليه من هموم وأسئلة، ساعة واحدة تفهم أين أنت منها وأين تصبح منكَ هذه الهولندية القمر".. راحت ترقص وهي جالسة معنا على مائدة خشبية قصيرة السيقان، ربطوا حولها حبالاً غليظة اكتشفنا فيما بعد أن الحبال محفورة بشكل دقيق يكفي أن نضع كؤوس البيرة في تلك الحفر الدائرية قرب اليدين، شعرت أن حذاء ممدوح تدوس حذائي، نظرت إليه، أشار إلى أرين "أنها تريد أن ترقص أيها المغفل" فقلت مضطرباً:‏

ـــ أنا لا أعرف الرقص يا ممدوح، لم أجرب ذلك من قبل.‏

قال ممدوح وهو يوهم "أرين" بنظراته الذكية أن ما نقوله لا يعنيها في شيء:‏

ـــ قم وافعل كما يفعل الجميع، ليس المهم أن ترقص أنت، هي التي تريد أن ترقص.‏

ـــ اذهب معها أنت، وسوف أحاول بعدك يا ممدوح، أنا لا أملك الشجاعة في أمر كهذا.‏

ابتسم ممدوح بغضب جميل:‏

ـــ هذا يعني بالنسبة لها أنك لا تريدها. انهض يا رجل افعل أي شيء لئلا تخسرها، ستكون لي، تذكّر ما أقول: أرين ستكون لي.‏

كل شيء إلاّ خسارة "أرين".. فعلتُ كما أراد ممدوح، رقصت كما الببغاء أفعل ما يفعله سواي من الراقصين، يتصبب العرق من قميصي وبلاهتي وجبيني، ويتصبب على نهر دجلة الذي بكيته، أرقص مثل دبّ عجوز، لا إيقاع ولا ضبط في خطواتي، أرين على ما يبدو تفهم معي ذلك، أيقنت بعريزة الأنثى أي نوع أمامها برغم ذلك كانت رائعة معي، ربما سعيدة بما أنا عليه، لم أعد أخاف خوفي، رحت أرقص على جسد الماضي، أضرب أرض "الطاطران"(1) علّها تنفجر تحت سيقاني ودهشتي، أدهس برقصي وجه ا لشيخ عمر أبو الطوق بحذاء رخيص أدوس أرض "البحيرة" كما تفعل "أرين" عسانا نهرب من ذاك الشيء الذي رأيته في عينيها.. طاف ذهني حول ما أنا فيه من نعيم طارئ، هل يأخذ النعيم شكلاً يعوضني عن جفاف الماضي؟ ماذا سأفعل في هذه الفوضى العذبة وأنا لا أدري كيف أخطط مستقبلي؟ سوف أخسر كل شيء إذا لم أعثر على حجر أبني عليه حياتي، أخسر الماضي إذا ما رجعت إليه ذات حنين، أخسر الحاضر السريع الذي يسابقني، ليس من أحد أو أمل يأخذني إلى مستقبل صحيح:‏

ـــ أي حلّ عجيب هو الرقص على أطلال حاضري وأخطائي؟‏

رقصنا مع الجميع حتى أنهكنا الجميع، بقينا وحدنا أنا وأرين في رقعة مداها الكون، نرقص على نغم تركي، غناء فرنسي، طرب عربي فاجع، لم نتعب، حتى اعتذرتْ فرقة العزف واستراحت ربع ساعة تستغرب هذا النوع من الغرباء وتستعين بالذاكرة: من أي بلاد جاؤوا؟ هل تراني سمعت "أرين" وهي تردد: أنت رائع، رائع حقاً؟ أم كان ذلك محض عبور إلى ضفة لم أعش فيها ولم اكتشف بعد فردوسها الربّاني؟ رأيت ممدوح ينهض من مكانه طائراً كما النوارس، يوشك أن يرفعني إلى السحب البيض:‏

ـــ هكذا يا رجل، هكذا يا بطل، نجحت ولم يعد من خوف عليك بعد اليوم.‏

لماذا أصابه الفرح هكذا؟ ممدوح راح يرقص طرباً على ما أسماه "انتصاري" وأنا لم أفعل أي شيء سوى أنني رقصت خوفاً على "أرين" أن تذهب من يدي وتمضي لسواي، أي فرح يا ربي أصاب ممدوح؟ لا أدري كيف أفسر ما جرى، لكنه دون ريب كان أسعد مخلوقات الرب في تلك الساعة.. رأيت أرين تقترب، تشبك أصابعها بين أصابعي كما فعلت "فالا" ذات يوم:‏

ـــ من أي بلاد أنت؟ من أي مكان جئتَ يا مجنون؟‏

نظرتُ إلى ممدوح، عيناي تسألانه عما أقول؟ هو يعرف الدنيا وما فيها وسيفهم الجواب المناسب لئلا يهرب الغزال الجامح، لكن ممدوح الكلب لم يفتح فمه بشيء ولم يبق من الوقت سوى عاصفة لا أدري أين ستأخذني إذا ما هبّت واقتلعت هذا الفرح العظيم الذي غطاني أكثر من ساعتين، أخاف أن تهرب مني إذا ما قلت اسم "بلادي" وإذا ما مضت هذه "الأعجوبة" عني أو فلتت من يدي لا أدري كيف أعيش.. انتهى كل شيء بالنسبة لي سوى أن تنام معي وأصدق فيها إنسانيتي، أمسك حلمي الأبدي في أن يكون لي هذا النوع من النساء، قلت لها بشيء من الحذر "أنا من بغداد"...‏

بلعتُ لساني وأنا أهمس بصوت مسموع: هل سمعتِ بهارون الرشيد؟‏

هزّت رأسها وأنا ما زلت أهمس:‏

ـــ بغداد؟ ألف ليلة وليلة؟ إنها بلدي، عشتُ فيها سنواتي كلها.‏

هزّت رأسها ثانية لكن بفرح، اهتز جسدي بفرح أكبر، مرت المحنة ولم أعد أحس بأخطبوط الفواجع الذي دار حولي وأنا أفكر في "معلومات" هذا الملاك الطافر من بحار المستحيل، أرين ترفع كأسها قرب رأسي:‏

ـــ أنا من "أمستردام" هناك شيء من التشابه بينها وبين "فينيسيا" لهذا أحب هذا المكان وأحنّ إليه.‏

أخذت يدي بقوة، رجعنا إلى دائرة الرقص، هذه المرة رحنا نرقص على أنغام هادئة، فوجئت بها تأخذني، تلصق لحمي وثيابي بجلدها، تضع رأسها الصغير على كتفي وتغنّي مع العازفين، ذاك الغناء الذي يدخل نحو الروح على غفلة من جرائم العالم، ممدوح يبتسم ويرفع كأسه من بعيد، نشوان، لست أدري لماذا ظننته يبكي، غير أنني دخلت في السحر، لم أعد أدري أين وليت وجهي وماذا يجري خلف الفردوس الذي صرت أملكه وحدي.. بعد ساعة من الرقص أصبحتُ على يقين: أن ممدوح يبكي، بعد حين من الزمن أيقنت أنه كان يبكي أكثر مما ظننت، ويحترق أكثر مما رأيت، لماذا يبكي ممدوح؟! جاءنا العشاء في الثانية بعد منتصف ليل البندقية الاستثنائي، في الثالثة كنا نغنّي عبر الطريق المائي إلى مسكن ممدوح الذي تبرع به "ماذا ستفعل خارج البيت في هذا الشتاء الطري"؟ أعماني الجسد الغض، جاء هادئاً ودخل الغرفة دون ضجة ودون ارتباك، في الرابعة قرب الفجر، الليل حشّد الغيوم والنيازك وأنزل جيش المطر وأسلحة الرعد والبروق، تتناثر الثياب فوق قناني الخمر الفارغة، أين جلدي بين مسامات جلدها.؟ ضجة في السماء، لهاث في الأرض.. أدخل غابات من الزغب الذهبي، بدأت "أرين" حرباً ولم تبدأ معركة، برغم ذلك انسحبتْ مكسورة القوى، ثم رمت جيوشها على عفريت هائج عنيف هاجت وماجت معه وأرعدت، رأيتها تلهث مكشوفة الفخذين لا تصدق أن عفريتي أقوى من بروقها وبراكينها، انتقم من "عمر أبو الطوق" وأتباهى برجولتي أمام أهلي هناك في زقاق الطاطران، أتذكر أنني صحوت، على نفسي في الظهيرة يضحك مني ممدوح وهو يرفع بعض خسائره عن الأرض:‏

ـــ من الذي انتصر؟‏

اعتذرتُ عن الغرفة التي لم تعد غير ديكور لمعركة واجتياح جيوش ومتاريس وهجوم كاسح، وفي مساء اليوم نفسه ـــ ذاك الذي صحوتُ فيه على خرائب أجمل حروب الدنيا ـــ ذهبت إلى مقهى "دافنشي" انتظر أرين، لم يكن ممدوح معي، تركته مع مجموعة من السيّاح علّه يستفيد أو يحصل منهم ـــ كما قال ـــ على شيء من "المارجوانا".. فات الوقت بطيئاً جارحاً، لا أحد يأتي المقهى غير عجائز القرن العشرين يحتسون الشاي مع الحليب، ليس من أثر أو أمل في حضورها، هل عادت إلى "روما"؟ لكن بحارها وماضيها لن يسمحا بالرحيل قبل أن تخبرني وتعطيني عنوانها هناك.‏

العاشرة ليلاً.. لا ممدوح ولا أرين، قلبي خائف عليهما، لا أريد أن أخسر النقاء الذي أعيش فيه، احتسيت الكأس الثالثة من البيرة، قررت الرجوع إلى غرفتي، برغم أن ممدوح ألحّ على ضرورة انتظارها حتى منتصف الليل لئلا أخسر هذا "اللا معقول" من الجمال..‏

قبل أن أطرق باب غرفتنا المشتركة، غرفة ممدوح التي تبرع لي بنصفها، قبل أن أفتح بابها بالمفتاح الثاني، قبل أن أسقط على مرمر الطابق الثالث من أقدم مباني "البندقية" سمعت (صوتهما).. ممدوح وأرين، يلهثان بكلام لا أحتاج إلى ترجمته، نفسه الكلام الذي يقال في أي فراش.. لماذا فتحت الباب؟ لا أدري، لكنني رأيت الجسد الذي جننت به، جسد أرين يتحرك تحت جرم شاهق، أسقطني مغمياً على براءتي وصحرائي، ولم يستطع أن يمسكني قبل أن يرتطم عظم جمجمتي على مرمر غرفته المجرمة.. لا أعلم الوقت الذي فتحت فيه صوابي على أخطاء الماضي، ربما هو نفسه الزمن الذي قطعته حتى صحوت على أخطاء هذه الدنيا، ممدوح عند رأسي، وجه طاهر برئ لا يمكن أن يكون هو الذي تسلّق "أرين" وتسلق كبريائي وأسقط عني جبال نشوتي، لماذا فعلتها يا ممدوح؟ كيف ضيّعت كل شيء في لمحة خاطفة؟ من أين لي في هذا الكون الغامض أن أعثر ثانية على من يستحق إيماني وولائي؟ اقترب ممدوح مني وقال كما الحكماء:‏

ـــ عليك أن تتعلم الكثير، هل تصدق إنها تسألني: ماذا جرى ولماذا سقط صاحبك على الأرض؟‏

قلت بصوت خافت مملوء بالغضب: ابتعد يا ممدوح لا أريد أن أراك مطلقاً.‏

ما زال كما الحكماء، وهذه المرة كان قد اقترب أكثر‏

ـــ اسمع يا محمود يا ابن عيسى، أنا أكبر منك كثيراً وأعرف هذه الدنيا أفضل منك مئات المرات، ما جرى بيني وبين "أرين" هو نفسه ما جرى بينكما، فما الغرابة في الأمر؟ أهي زوجتكَ مثلاً؟‏

سأختفي من غرفته الفاجرة، ربما من البندقية كلها، لكن ممدوح يرفض أن يتركني لأفكاري.. راح يبتسم ويعتذر:‏

ـــ محمود يا صديقي الجميل، أنا أعرف كيف تفكر، أنت ترى في "أرين" مُلكاً خاصاً لا يحق لغيرك أن يتمتع به، لكنك ستكتشف كيف يفكر الناس في هذا الجزء المكشوف من الأرض، ذات يوم كنت مثلك، حتى أشبعوني وجعاً وحسرة، هذا النوع مشاع بطبيعته، تريد أن تقضي وقتاً ممتعاً دون أن تخسر قرشاً، هناك أجمل منها يذهبن من الذاكرة بعد ساعة أو بعد يوم، وكلهن جميلات، ذنبك أنك جئتَ من الصحراء لا أكثر من ذلك ولا شيء غير ذلك.‏

(1) فصل من رواية "الطاطران" التي تصدر قريباً عن دار الآداب. بيروت.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244