مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 445 أيار 2008
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

صوت أمي ـــ باسم عبدو

أوهمني صوت رنين قدميها، ورائحة جسدها.. وتَقَطُّع مفردات لهاثها.. أنها نفسها تلك الفتاة التي كان خيالها يطاردني، في لحظات تعبِ وشقاوةِ مراهق، يقتنص ساعة واحدة من يوم طويل، للاسترخاء على كنبة مهترئة، بعد جولان مرهق بين المحال، وفي شوارع المدينة.‏

كنت أبحث في وادي النسيان عن ملجأٍ يقيني شرّ الجوع.. أمضي الساعات دون كلل في التفتيش عن عمل.. عن أيّ عمل يُقدِّم لي رغيفاً ساخناً، أتشهى مداعبته نُتفاً بين أسناني، أو أنتقي من مصفاة بائع الفلافل أربعة أقراص، يكون فرحي الذي يطاول أعلى قامة للسعادة، فأعود حينئذ إلى غرفة اليُتم أتسجَّى، يرافقني لحنٌ جنائزي.. أتذكّره جيداً‍ قُلْ إنّه لن يُبارح ساحة هواجسي، ورصيف تداعياتي عندما توفي والدي، ولحقت به أمّي بعد سنة واحدة. بقيت رائحتها تُندّي مسامات قلبي.. اجتمعا في قبر واحد، وبدأا حياة جديدة أكثر راحة واطمئناناً.‏

أحاول في عزلتي أن أقارب بينهما.. يُصيبني غثيان دام لبرهة.. ثمَّ يزول طعمه، فأفتح ذاكرتي على جمرٍ هامد لم يتوهّج مرة ويُدفّئ روحي.. دائماً أشعر أنَّ برودة لزجة تسري في جسدي.. تسرق دفء عيون أبي وأُمّي، وأنا أتمشّى مساءً على شاطئٍ بعيد، وأعيش في مدينة تختلف عن مدينتي.. المُهمّ أنّ أمراً أوشك أن يكون طارئاً، سابحاً في فضاء مخنوق. وقف كمارد أمامي، تهيّكل على صورة غرائبية.. رسم جسدها المستقيم، ورونق شعرها الأسود المسترسل بنعومة على كتفيها.. الواصل إلى وسط ظهرها.‏

أوقفتُ سيارةَ صديقي الطبيب التي سخَّرها من أجلي يوماً كاملاً، لزيارة قبر والديَّ.. أطفأتُ محركها بجانب المقبرة.. أنزلت بلور الشباك إلى نصفه المطل على بوابة المقبرة، فدخل النسيم، أعقبه صوتٌ يرفل بجناحيه كطائر يفتش عن صيدٍ ثمين أنست به.. تصورت أنه صوت أمي.. وصدقت أذني، وبدا صوت يدغدغ فؤادي، بينما كان بصري يعد القبور المصفوفة على أنساق مستقيمة، صامتة، وبدت الحياة جامدة، سوى حفيف أوراق الأشجار، وهي تداعب النسائم دون رقيب، لكنها تنزف حزناً خريفياً!‏

لم أدرِ ما جرى لي بهذه السرعة، وكيف بدأتُ أستعيدُ حكايات أمي؟ كيف كان حنانها يتدفق دون حساب، مسترسلاً في غابة حب، بين أشجار الود، وساقية الأمومة المنسابة في تربة ذاكرة شاب عنيد، فقد والديه في عام واحد؟‏

لا أدري كيف الأشياء من حولي، تتفاعل شخوصها، وتتضخم في غرف النوم، ومكان العمل، ثم تنزاح إلى الترهل، وتتحول إلى هياكل جامدة؟ خرجت أمي من القبر، واتجهت نحوي بخطوات ثابتة، واثقة.. جسدها يتهادى، وأصوات الحصى تتلعثم تحت قدميها، وأنا أمدّ رأسي من بين قضبان البوابة الحديدية، وتحقق ما كنت أصبو إليه، وحدثت المواجهة الحارة بيننا، والقضبان الحديدية الطويلة تتباعد، كي يحتل وجهانا هذا الفراغ، وتسمح لنا بالحوار ومقاربة وجهين متشابهين، تقافزت بينهما حروف وأهازيج وأغاني الطفولة، وتدفقت مفردات الشّوق، مصحوبة بألم يتقطر حزناً، ومصيراً أبدياً!!‏

كانت أمي ترتدي فستانها الكحلي، ورغم غيابها عني، وتبدل الأمكنة، لا يزال نظيفاً، وشبيهه معلقاً كما تركته قبل رحيلها.‏

اطمأننت على كامل رونقها، وسلامة جسدها.. وبين السؤال والسؤال، كانت تكرر تحية والدي، وأسئلته عن الأرض والزرع والجيران والاحتلال والقمم.. أنا ابنه الوحيد.. نفذت نصائحه.. فهو الذي ضحى بالعمل والسهر والعرق، ورهن الأرض ليوفر لي سفراً للدراسة في بلادٍ بعيدة، لكنه رحل قبل تخرُّجي!.‏

سألتني أمي، وهي تشابك أصابع يدها، وتمد بصرها إلى السيارة، وقالت: ألا تزال تحتفظ بسبحة وعكازة أبيك؟‏

فرحت لأنني أخرجت السبحة، وأودعتها أمانة لتقدمها إلى والدي! وهززت رأسي.. قبلتها من جبينها، فشدتني إليها، وأدخلت أناملها في شعري، ونزعت شعرة بيضاء، احتفظت بها.. وبعد أن ملأت رائحتها أنفي، أحسست أنها أنعشتني، فاحتضن وجهانا بعضهما، وتلاصقا، تغسلهما دموعنا وفرحنا وحبنا.. وساد صمتٌ حزين...!‏

قالت وهي تبتسم: لقد رُّحِلت عظام الرجال إلى مقبرة مخصصة للذكور، لكني أطمئنك بأنني احتفظت بأبيك، وهو ينتظر عودتي.. وكانت الشروط التي وضعها متعهد المقابر مُجحفة بحق النساء..‏

هززت رأسي ثانية، وأنا أقول لها: فهمت عليك يا أمي، فالأموات كما الأحياء لا فرق في القوانين.. وما يطبق عندنا، يطبق عندكم.. المهم أنكم لا تتعرضون للأخطار التي نواجهها كل يوم!‏

ودعها بقلبٍ مُحبر بالحب.. طفح الود بين ابتساماتي.. حاولت تجميع رزمة من زفيري، وانتظار دموعي التي تفجرت بين شهيق عميق عببته، وملأت رئتي منه، واحتفظت به في جعبة ذاكرة، نسجت خلاياها بسنارة هذا اللقاء الجميل، غير المتوقع حدوثه، لكني وبعد دقائق، وأنا أتكئ على حافة شباك السيارة، سمعت زمامير رتل السيارات الذي بدأ يطول، ويزداد طولاً خلفي..‏

فتحت عيني، لم أر صديقي الطبيب، وأنا لم أتعلم السياقة، فاستنجدت بأصحاب السيارات، الذين كادوا أن يحطموا السيارة، وهم يضربونها بأيديهم وأرجلهم، والغضب يتقادح شرراً أزرق من عيونهم!‏

وعلى الرغم من الصراخ واللطم، لم أكترث بما يجري! فتعبوا.. وتوقف لهاثهم عن الخرير بصدورهم، وعادوا إلى رشدهم، ودفعوا السيارة بكل قواهم، لكنها لم تتحرك شبراً واحداً من مكانها، كأن هناك من يشدها إلى الأسفل...‏

ازدادوا لؤماً، وبدأتْ زخّات الحجارة تنهال، وتتداخل أصوات الضربات، بأصواتٍ داخلية هزّت أعماقي.. أصوات نائحة، تقطعت وتناثرت جرعات استغاثة من أمي التي بذلت جهداً كبيراً، لردعهم ومنعهم من إهانتي!‏

وضعت ذراعي ورأسي على مقود السيارة، ثم تجرأت وحدقت في المرآة الجانبية، كانت الدماء تغسل وجهي.. وتابعت عيناي اللاهثة بذبولها، المتأججة احمراراً السيارة المعلقة بجنزير، تجرها رافعة "الكرامة" بنية اللون، إلى مكان حجز السيارات بطرف المدينة.‏

وبينما أنا بهذه الحال المزرية، أخرجني الشرطي من السيارة.. نقلني إلى أقرب مشفى، وتركني هناك، ولم يبال بآثار الدماء، أو ينزع قطع الزجاج من شعري، ومن ثيابي!‏

وفي صباح اليوم التالي، كانت أمي تقف بجانب السرير.. تصورت أنها الممرضة، فهي ترتدي مريلة بيضاء، ويلف رأسها شال أبيض، ولم يظهر من وجهها إلاَّ عيناها! وبدأت تحثني على تناول الفطور، لكنها سرعان ما تركتني، ورحلت! فاحتفظت ببعض الصور قبل أن تحترق، من حلم شائك لم أبح به لأحد!‏

مسحت العرق البارد، وأنا أنزل مرتبكاً من الطائرة، بعد غياب عشر سنوات، لم أجد من يرفع يده، ويرحب بي، أو يقدم وردة، ويطبع قبلة على خدي، سوى تلك الفتاة التي حشرت جسدها بين المحتشدين، وقدمت طاقة ورد، ترتدي ثياباً سوداء.. لم يظهر إلاَّ خدان بيضاوان، وبقعتان صغيرتان حمراوان على كوزي خديها، وابتسامة منقطة بأحزان لم تستطع كتمانها..‏

أنبأتني "رابية" بوفاة والدي، فسقط قلبي ومشى تائهاً.. تناثرت نبضاته ونجحت حبيبتي في تجميعها في كفها، وإعادتها إليّ، فأيقظتني لمسات أناملها!!‏

1/ 12/ 2007‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244