مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 445 أيار 2008
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

داروِن في قرية عربية ـــ يحيى خضور

بكى الولد عندما عاد من المدرسة إلى البيت ولم يجد طعاماً يتخيله، وكان لديه وظيفة في الحساب أعطاه إياها المعلم مع بقية أقرانه، على أن يراها بعد الظهر على دفاتر وظائف المساء.‏

وعندما وضعت له أمه في الطبق كسر خبزٍ مع بقايا زيت محروق لمقلي بطاطا اليوم الفائت قال في نفسه:‏

ــ هل هذا الغذاء يتناسب مع وظيفة الحساب الصعبة التي أعطاها المعلم؟‏

تساءل حسام ثم التمعت دموعه على خديه في عتاب مرٍّ لأمه، وانخنق صوت البكاء في صدره عندما تذكرَّ موعده مع رفيقه هاشم الذي يمكن أن يعود في أية لحظة حيث قال له على مفرق حارة المشايخ عن حارة العوام.‏

ــ أتغّدى بسرعة ثم أمرَّ بك ونعود إلى المدرسة معاً دون تأخر.‏

غير أن البركان لا يمكن طيه تحت أضلاع طرية ومهجة رقيقة طويلاً.‏

تساقطت دموع الأم على ظاهر كفها وهي تدفن أصابعها في شعر حسام مهدهدة نشيجاً فواراً:‏

ــ الآن كل يا حبيبي. كلْ. عند المساء يفرجها الله. قد يعود أبوك بخضار وطيور. كلْ الآن. لا تذهب إلى المدرسة خاوي المعدة يا حبيبي.‏

* * *‏

ــ يا أبا حسام، يا أم حسام‏

مسحت أم حسام دموعها بفضلة ردائها المبرقع:‏

ــ تفضَّل يا مختار.‏

ــ بسم الله، لماذا يبكي حُسام، صوته واصل إلى عتبة الدار، هل عاقبه المعلم لأنه لم يحل المسائل فقد كنت أسمع وشوشة الأولاد بعضهم بعضاً في طريقي إليكم وهم يستذكرون عصا الأستاذ نعيم كيف أكلت من أكفهم لأنهم لم يحلوا المسائل.‏

ــ لا يا مختار. حسام شاطر ويأخذ دائماً عشرة على عشرة أو تسعة على عشرة، انظر ثناءات المعلم عليه معلقة على الحائط.‏

دخل المختار ونظر إلى الثناءات الملونة فسرَّ كثيراً وقال:‏

ــ ما شاء الله. ما شاء الله. يبيّض وجه الضيعة إن شاء الله. وعندما حطت نظراته على طبق حسام رمق المرأة معاتباً:‏

ــ والله ما معك حق، تلميذ شاطر معه ثناءات المعلم نعيم ولا تقلين له بيضة؟ لمَ البخل؟‏

صمتت الأم وهي تبلع ريقها مفتشة عن جواب مناسب يلجم المختار، طويل اللسان، غير أن المختار لم ينتظر جوابها إذ سرعان ما امتدت يده إلى جيبه وأخرج منها ليرة سورية معدنية، قذفها في طبق الطفل قائلاً:‏

ــ الشاطر يستاهل، اشتر بها راحة وبسكوت في المدرسة، ولا تضيّف أحداً. هاه؟‏

تصرف المختار كمسؤول، وكان خلال تلك الجولة يسجل أسماء المواليد الجدد ليأخذهم بالجملة إلى دائرة النفوس واضعاً حذاء كل اسم نصف شنبل حنطة كرسم تسجيل يستوفيه من الأهل في موسم البيدر.‏

ــ عندنا ولدان يا مختار، حسن وحسنية لم يسجلا بعد. قالت المرأة.‏

نسجلهم توأمين يا أم حسام، ونأخذ عليهم مثل مولود واحد فقط، أنتم على قد الحال.‏

ــ تنهدت أم حسام؛ الله موجود يا مختار. اجلس على هذا الشوال حتى تملأ اللائحة، الله لا ينسى عبده.‏

ــ أنا مشغول جداً، القرية لا تقدم لي شيئاً، ورئيس المخفر سيحّل عندي ضيفاً على الغداء. تصوري لو لم أرضه فكم من المخالفات سيكتب وكم سيدفع الناس؟‏

عندما خرج المختار لا يلوي على شيء لم يفهم حسام إلا أن تكون الليرة مرسلة إليه مع المختار إرسالاً، أليس هو من طرف الحكومة؟ والرسل عموماً متشابهون في أداء الأمانات، لم لا. هجس الطفل.‏

تبخرت دموع حسام بسرعة: سيقلِّب الليرة بين كفيه على مرأى من رفاقه، وخاصة هاشم، إنها جائزة مرسلة مع المختار، ولن يشتري بها شيئاً الآن، وسيجعلها تسقط من يده إلى إسمنت قاعة الصف، وسيسأله المعلم:‏

ــ ما هذا؟‏

وسيقول له:‏

إنها سقطت من غير قصد يا أستاذ.‏

وسيسأله مجدداً ومرتاباً:‏

ــ ومن أين لك هذه؟‏

وسيجيب معتداً:‏

ــ إنها أُرسلت إليه من طرف لا يعرفه تماماً. مع المختار لأنه حلَّ مسألة صعبة في الكسور والمكعبات.‏

ولن يستطيع المعلم أن يعترض، فالمختار يعرف رئيس المخفر، وسيرفع رأسه اليوم أمام هاشم الذي يتغذّى دائماً اللحمة محمرة مع البصل والزيت لأن أباه شيخ الضيعة.‏

"لم لمْ يكن أبوه شيخ ضيعة، مثل والد هاشم؟"‏

"لم لم يخلق أخاً لهاشم مثلاً حتى يأكل معه في طبق واحد الأكل الشهيّ؟"‏

"لم يَتبرع الناس بالهدايا والذبائح لأبي هاشم ولا يتبرعون لأبيه مع أنه أكثر حاجة بما لا يُقاس؟"‏

"هل أبوه مذنب يا ترى حتى لا تحمل له الرسل اللحم وخبز الحنطة والطيور؟".‏

"لم لا تقوم الحكومة دائماً بإرسال الهدايا إلى أُسر الذين يحفظون الشعر ويحلّون مسائل الحساب الصعبة ويصفق لهم المعلم نعيم ويطلب إلى تلاميذ الصف أن يصفقوا لهم أيضاً؟"‏

انقطعت تساؤلات حُسام عندما بلغه صوت هاشم من على باب الدار:‏

ــ ألم تتهيأ بعد. أراك متأخراً؟‏

فرك حسام عينيه بظاهر قبضته التي انضمت على الليرة بقوة. ونشر ابتسامة كبيرة على كامل ملامح وجهه:‏

"إنه لا يحب أن يشعر هاشم بأنه لم يتغدَّ لأن هاشم كثير التبجح بأنواع الطعام التي تقدم له في بيته، وأنه، كما يردد على مسامعه دائماً، كثيراً ما تسبب له رائحة اللحم المشوي شعوراً بالإقياء لكثرة ما يقذف في طبق أبيه منه على الدوام، ذلك الطبق الذي يتحدث عنه /غير هاشم ولده/ مقروناً بنوع من القداسة وكأنه طعام ملائكة أو مائدة سماوية لأن البركة لا تزايله فلا ينقص مهما أُكِل منه".‏

"الله موجود على كل حال، لو كنا نستاهل لرزقنا رزقه أكثر من خلقه كما تقول أمه" رجَّع الولد هذه القناعات في حنجرته وريثاً شرعياً، فهي ترنّ في مسمعيه صباح مساء ومع كل أذان ومن الطبيعي أن تخرج على لسانه تلقائياً".‏

في مرحلة متقدمة من سنوات الدراسة عرض أستاذ التشريح، بالرسوم الملونة، تطور الإنسان من القرد مجتازاً المراحل متقدماً نحو الانتصاب مغيراً ومبدلاً شكل الجمجمة من جمجمة قرد إلى جمجمة إنسان.‏

وقد كان الأستاذ يثني كثيراً على العالم "داروِن" ونظريته في النشوء والارتقاء التي أثبتت انتساب الأحياء إلى خلية حية واحدة. تقوم بوظائف هي من طبيعتها وأن الأحياء تتميز بوظائفها التي اختارتها وليس بأسمائها أو سيرتها المثيولوجية.‏

يومها. لم يضِع حسام فرصته، فقد قلب وجهه في وجه هاشم:‏

ــ أين مكان القداسة التي كنت تتحدث عنها في أبيك؟‏

امتعض هاشم وحوَّل وجهه عن حسام وهو يلفظ بجفاء:‏

ــ هذا الأستاذ كافر، لا نعلم من أين يبعثون إلينا بهؤلاء الملحدين، ولكن أنسيت يا حسام الآية في درس الديانة البارحة (وخلقنا الإنسان في أحسن تقويم(.‏

ــ آه. صحيح. عقب حسام، الإنسان أجمل من القرد ولكن ليس دائماً. فهناك بشر القرود أجمل منهم بكثير؟ مثلاً حسّابة الفال أم مريم، بالله عليك أليس القرد الذي عرضه الأستاذ أجمل منها؟‏

تضاحك الرفيقان، إلاَّ أن حسام استكملّ النادرة ليلقي بقنبلة أخرى.‏

ــ لكن الخلية الحيوانية واحدة من حيث التركيب والوظيفة، كما أوضح مدرس العلوم الطبيعية، والعلم لا يكذب لأنه تجريبي ويلتقط الملاحظات عن الحياة من تحت المجهر وبالمراقبة الدقيقة بالعين المجردة ودون أوهام.‏

أنسيت تأكيد الأستاذ وإتيانه بشواهد وتجارب من دراسته هو كتوثيق إضافي وبرهان لا يقبل الخلل؟‏

ــ هل يستطيع جدك القرد أن يخترع سيارة.‏

وجه هاشم مغتاظاً كلامه إلى حسام.‏

لم يستطع حسام أن يقول "جدّنا" على مسمع من هاشم، لكن هذه المسألة بقيت مطروحة على دماغه، وقد خشي أن يقول جدي وجدك، فيتكلم هاشم لوالده ويوجه والده المهيب طلباً إلى والد حسام ويؤنبه لأنه لم يربّ ولده، ولأن كفر الأبناء من مسؤولية الآباء.‏

انطلقت الداروينية موضوعاً للتجاذب فيما بين التلاميذ وتزعم حسام الفئة التي تقول بوحدة أصل الحياة في حين تزعم هاشم الفئة التي ترى أن الإنسان خلقٌ فريد من نوعه، وبقيت المسافة ما بين القرد والإنسان قائمة.‏

توالت الدروس العلمية والتجارب والنظريات في الحياة والكون وأصلهما، وكان هاشم ميالاً إلى دروس الكيمياء وصرّح في أكثر من مناسبة أمام الأستاذ:‏

ــ الحياة كيمياء يا أستاذ، طبخة، كل المكونات فيها تابعة للمعادلة الكيميائية.‏

وكان حسام لا يفوته أن يوقعه بالتناقض في أقواله فيذكره بأن ما قال اليوم غير الذي قاله البارحة، وبأن أباه قد لا يرضى عن علم الكيمياء. وقد يطالب بحذفه من مناهج الوزارة التعليمية، فأين مكان المعجزة إذا انطلق الأوكسجين الذي هو أساس الحياة من تجربة كيميائية تلقائياً؟ أو احتجب باحتجاب التجربة فماتت الحياة؟‏

وكان هاشم يفهم هذه الإشارة جيداً من حسام فيبلع ريقه ويعلق متعالياً:‏

ــ آه، لا، لا، العلم شيء، والإيمان شيء آخر، القداسة والأمور الروحانية أمور ثابتة ومستقرة من زمان. ولم يفت حساماً أن هشاماً يكذب ويناقض نفسه مدارياً وضع أبيه الرعوي، ومنزلته الروحية فيما بين العوّام.‏

وصل دارون إلى القرويين عن طريق لغو أولادهم في موضوعته فاستنكروا مقولته أي استنكار، وأفتى الشيخ بكفر كل من يقتنع بذلك، وهكذا طوى الأولاد صفحاً عن درس النشوء والارتقاء وأهملوه حتى يبوؤوا بغضب الأهل والله.‏

في الامتحان العام للشهادة جاء درس النشوء والارتقاء في الامتحان، ونال فيه جميع أولاد الفقراء علامة الصفر، على حين نال هاشم العلامة التامة. وقبل في كلية الطب ليتخرج فيما بعد طبيباً للقرية.‏

بينما دفن دارون في القرية التي لم يولد فيها، وإنما كان قد قصدها زائراً.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244