|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
شوق آخر ـــ أحمد حسين حميدان لا أعرف ماذا حدث تماماً حين تراكض أهل القرية إلى أرض (أبو فهد) الزراعية ذلك الرجل الذي بقيت ملامح القوة بادية عليه رغم تجاوزه السبعين من عمره.. رجعت إلى ثيابي التي تخليت عنها بعد انصراف التلاميذ ومضيت خلف الراكضين علّني أسمع من أحدهم شيئاً يسكت الفضول الذي ملأني من توجه أعداد ليست بالقليلة نحو المزرعة التي يقيم فيها هذا الرجل الذي لفت انتباهي منذ أول يوم غادرت فيه مدينتي فرحاً بتعييني في مدرسة هذه القرية التي تنام على ألف قول وتصحو على ألف حكاية وحكاية: كانت الشمس قد مالت نحو المغيب عندما وصلت إلى مضافة المختار التي رأيت فيها للمرة الأولى (أبو فهد) بين المبادرين لاستقبالي.. يومذاك خرجت كلماته عن سياق عبارات المرحبين بقدومي ليسألني: ــ من أين الأستاذ؟.. أجبته: ــ من حلب.. فردّ بشيء من التهكّم وهو يهزّ رأسه: ــ أنت جئت من المدينة وأولادنا يتركوننا ويذهبون إليها.. ثم نظر إليّ وقال بمرارة: ــ ربما تعوضوننا عنهم من يدري كل شيء جائز في هذا الزمن الذي يسير بالمقلوب!.. لم أفهم إلى ما كان يرمي إليه القصد في أقواله في ذلك الوقت كما أنني لم أكن أعرف دافعه إلى ذلك تماماً.. ولكن المودة التي نشأت بيني وبينه مع توالي الأيام سمحت لي بالتعرف على بعض ما يخفيه في أعماقه من أحزان جعلته يدير ظهره للحياة بعدما انطفأت شعلتها في صدر أمه وأبيه وزوجته أم فهد التي تبعها معظم من يجالسونه من أبناء جيله واحداً إثر آخر فبقي في غيابهم يجالس وحدته ويسامر الظلال والذكرى لوقت أخذ يطول منذ عصيان ولديه له وسفرهما إلى المدينة ليتخلصا من الأرض وعملها المجهد الذي لا يكف ولا ينتهي ولعلهما ندما الآن على تركهما له وعادا للاعتذار إليه.. ويبدو أن أهل القرية قد علموا بذلك حتى راحوا يتراكضون إلى بيت (أبو فهد) ومزرعته ليشهدوا اللقاء كيف يكون بين الأب وولديه بعد غياب ما كان لأحد أن يعرف متى سينتهي. كان (أبو فهد) ناقماً كثيراً على ابنه فهد محملاً إياه وزره ووزر أخيه صالح في كل ما حدث وحينما حاولت الدفاع عنه ذات مرة وتلمس العذر له بحجة اختلاف الأفكار بينهما وأن فهد ربما يذهب إلى المدينة ليحقق أشياء يحبها.. رفض ذلك ورد عليّ بحدة: ــ البيع على الأرصفة لا يحقق للمرء ما يحب.. وقال لي أنت أستاذ وتعرف أكثر من غيرك ما هي الأرض عندنا في القرية وفي المدينة.. عند الفلاح وعند عسكري الحدود.. كانت عيناه تفصح عن حزن قديم يختلط بما تفصح به كلماته من مرارة وقلّما يبوح بما في داخله لأحد من أهل القرية الذين يعتبرون قسوته هي السبب في خروج ولديه عن طوعه وحين كانت الدنيا تفيض عليه بمنغصاتها كان يذهب إلى المقبرة يشكو للأموات ما فعله به الأحياء... يمر على قبور الأحبة.. يقرأ الفاتحة لأمه.. لأبيه.. ولعدد من أصدقائه وعند قبر أم فهد يجلس ويتحدث معها ولا أدري إن كان يسمعها ترد عليه بشيء.. سمعته مرة وأنا أسير في الطريق المحاذي للمقبرة يقسم لها بأنه مشتاق إليها وإلى اللحاق بها، سألها إن كانت مشتاقة إليه كشوقه إليها وقال لها بصوت مسموع: الدنيا بعدك ما عادت دنيا.. قومي شوفي ابنك فهد ماذا فعل بي.. قومي شوفي فهد ترك الأرض وراح يبيع على أرصفة حلب أدوات التنظيف وعلب الكبريت وشفرات الحلاقة.. وتبعه صالح إلى هناك ليبيع السجائر الأجنبية.. ثم أجهش بعد ذلك بالبكاء مسنداً يديه ورأسه على شاهدة القبر.. وقبل أن يقوم و يلتفت إلى جهة الطريق انسحبت وحثثت الخطى خشية أن يعتقد أنني تتبعته وتقصدت سماع كلامه مع أهل القبور الذي تراكضوا إلى عينيه حتى فاضت عليهم وغسلت غبار الأيام عنهم بعدما أطفؤا قناديلهم ورحلوا تاركين العتمة تتربع حوله وتستطيل في دنياه التي ما عادت تغريه بأي شيء بعدما أخذوا زينتها معهم إلى دنيا الغياب.. ولكن كم سيمتلئ قلبه فرحاً إذا عاد ولداه للاعتذار له والعيش معه وطلب رضاه أمام هذا الجمع الذي بدأ يظهر لي وأنا أقترب من مزرعة (أبو فهد).. كان وصولي متأخراً عن أهل القرية ولم أفهم في البداية شيئاً من كلامهم المتداخل.. سمعت أحدهم يقول: مسكين أبو فهد.. وسمعت آخر يسأل: هل علم ولداه بالأمر.. هل جاءا من المدينة؟.. فاندفعت نحو باب المزرعة الكبير المفتوح على مصراعيه محاولاً شق طريق لي بين هذه الأعداد التي توافدت من رجال القرية وشبابها وأولادها حتى بلغت الداخل وحين اقتربت من مسكن أبو فهد لم يكن كعادته تحت ظل شجرة التوت التي تقف معه منذ زمن في استقبال كل من يأتي إليه.. كان ممدداً على الأرض تحت دالية العنب التي تظلل مكان جلوسه المعتاد ومن حوله تنبعث رائحة الورد الجوري بينما كانت أم فهد تنتظره في الأرض الأخرى بعدما غطّ مثلها في نوم عميق... |
|
| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |