|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
جنون الروائح ـــ عمر الحمود هبّت رائحةٌ كريهة من زاوية في البلدة..!. لم نهتم. فهاجت الرائحة من زوايا أخرى، ووقع الأهالي بين القلق والخوف. وسكّنا روع الخائفين بقولنا: مشكلةٌ عابرة. واستمرت المشكلة، وتعقدت بظهور روائح أخرى نغّصت حياتنا، وأسهرت ليلنا، فاجتمعنا في المجلس البلدي لصدّ هذه البلوى، والتأهب لآثارها قبل وقوعها، وقدنا حملة تنظيفٍ، امتدت إلى أفقر الأحياء وأبعد الأطراف، وتعاون فيها الأفراد والمؤسسات وعربات الكنس والغسل، وفُرِضت عقوبات على المهملين، وسوّيَ وضع الأقبية والخرائب والمغارات المهجورة، وحوِلت مخلفات الصرف الصحي إلى محطاتٍ خاصة، وعُولجت النفايات والقمامة في مطامرَ نظامية، ولم تتوقف الروائح..!. وسيرنا حملة تطهير، رشَّت فيها مبيداتٌ على المستنقعات والحفر والمسطحات الخضر ومسايل المياه ووزعتْ محاليل مطهرة ومعقمة قوية المفعول، وأدخِلَ كلّ مجروحٍ ودَرِنٍ ومقروح ومبطون إلى المصحات، ولم تهدأ الروائح، وضربت جذورها بعمق في البلدة..!. فقمنا بحملة تعطير، استعملت فيها عطورٌ ثمينة ومستوردة بعد نفاذ مخزون الأسواق المحلية، وانتهز بعض التجار الفرصة، وضربوا عصفورين بحجرٍ واحد، شاركوا العطارين ، فتضاعفت أرباحهم وظهروا كغيورين على مصلحة البلدة، ولم تتراجع الروائح، بل اشتدت ضراوةً وكأنها تمتلك طرقاً عجيبةً للتكاثر والتجدد، أو دخلت طور خبثٍ وجنون..!. وغادر البلدة السياح والمستثمرون الأجانب، وغاب عنها هديل الحمام وزقزقة العصافير. ووفدت إلى عيادات الأطباء جموعٌ ظنت أن مصدر البلوى هو تعفن معوي، يسبب غازات كريهة طليقة أو حبيسة، وسخر الأطباء طاقاتهم، ولم يجدوا تعفناً، ولو كان في استطاعتهم دفع البلوى لأبعدوها عن كثيرين منهم. وفكرنا ببناء سياج من شجر الزيزفون أو الياسمين حول البلدة، وإلزام الأهالي بزرع الرياحين في فسحات دورهم وغرسها في الساحات والحدائق وفق أحدث الأساليب وأسرعها، ولم تطبق الفكرة لأنّ الأهالي هجروا الزراعة في زمن العولمة، واعتمدوا على الاستيراد، ورفض الزراع الأجانب التعاقد معنا بعد انتشار صيت الروائح، وظهور كتبٍ وأفلام وبرامج مذاعة ومتلفزة عنها، ومن تجرأ ونضى حذره، وبلغ البلدة، تقيأ ما في بطنه، وعاد شاكياً من غير علة، واستوردنا أجهزة أقنعة واقية، وتقنّعنا بها، فتحولت إلى أجهزة خانقة، وكدنا أن نموت اختناقاً، وجعلت البلدة تشبه ميدان حربٍ، لوّثته الغازات السامة. وخطر لنا أمر الازدحام السكاني، والحد من التناسل وإعادة توزيع السكان وإنعاش ضواحي المخالفات لكن هذا يتطلب وقتاً، والبلدة تريد إسعافاً سريعاً. والأمر من هذا أن الروائح شهدت فوراناً عجيباً، والتصقت بجلود البشر بنسب متفاوتة، ولم تميز بين معظم ومحتقر، ولم تفرق بين أبيض وأسمر، وصار الشخص يُعرفُ من خلال الرائحة الملتصقة بجلده. وقدم باحثٌ في قسم الأدلة الجنائية التابع للدرك دراسةً يجزم فيها: إن لكل شخصٍ رائحة تميزه عن غيره، وتحل في المكان الذي يحل فيه، وتسهل القبض على المجرمين الذين لا يتركون دليلاً في مسرح الجريمة. وتضمنت دراسته إحداث مخبر خاص، تؤخذ فيه رائحة كل فرد بدلاً من أخذ بصمات أصابعه. وتمنينا نفي أشخاص بسبب روائحهم المقرفة قياساً إلى روائح غيرهم، ولم تترجم الأمنية إلى عمل فدرجة أولئك الأشخاص مرتفعة في السلم الاجتماعي، ومن لم تكن له هذه الدرجة فالقانون لا يجيز نفيه استناداً إلى الرائحة، ولمنا المشرع لأن نظرته قاصرة، ولم يحسب حساباً لمثل هذه الحالة. ودار الهمس حول موظفين، تركوا كراسيهم بسبب الرائحة التي تبثها أجسادهم، ولم يستطيعوا الظهور ومواجهة المراجعين، ولم تنفعهم وسائل التهوية والاستحمام اليومي والالتزام بالقواعد الصحية والتعطر واللباس الجديد والأثاث المعقّم. وروي عن موظفٍ قوله: اترك منزلتي وأموالي لقاء ابتعاد الرائحة المذمومة عني. فعلق أحد السامعين: تباً لمنزلة وأموال لا تعادل رائحة. ورأينا سيداً يسكب عطوراً على جسده، تكفي أسراً، وتفوح منه ريحة ضبع لا تشبع. وأكد الأهالي وجود عطنٍ عند رجل يدعي النزاهة والطهارة. وتحدثوا عن آخر بصنان تيسٍ هائج في موسم التسافد. وثمة آخرون ترشح أجسادهم بريحة قيح وصديد مع أنهم يغتسلون بمسك رحيق بعد كل سهرة ويضعون من المراهم المنعنعة والبودرة المطيبة تحت الآباط وحول السرر وعلى منحنيات الجلود ومنابت الشعر. أما النتن الذي عصف بعددٍ من الأبكار في خدورهن، وبعددٍ من المحصنات في أعشاش الزوجية فقد صار حديث الساعة، وخرب بيوتاً، وأحال السرور إلى حزن مقيم. وزعم متحدّثٌ: إنّ رائحة مقيتة علقت ببعض الخدّج والرضع، تنمّ على زنا اقترفه أصولهم. وراح آخر أبعد منه حين ادعى أنه سمع أنات الموتى في القبور واحتجاجهم الناجم عن وباء الروائح. وكثر الهذيان من قيل وقال واتهامات كاسحة، لم تكبح جماحها المواعظ الفظة والنصائح. والمحظوظ السعيد من سالمته تلك الاتهامات. وتحركت الدسائس، وشقت الفوضى المدمرة طريقها في البلدة، وضعضعت الروابط فيها، ولأول مرة يسجل محققو البلدة حوادث انتحار، ما ظنّ أحد قط أنها ستحدث. أما تاجرٌ معطار، لا يعرف الوسطية والاعتدال، فقد دخل موسوعة الأوائل، حيث بنى أول دار استخدمت في عمارتها حجارة مطيبة وطينة معجونة برحيقٍ مختوم، وعرشت بفصيلة وردٍ، تسقى بأنابيب دقيقة مخفية، ونُثرت في أرضها المباخر، ودُهِنَت جدرانها بعطور زيتية لا تتطاير ولا تتفكك بالحرارة، ومُلئت باحتها بأصائص الفل والخزامى، وتوسطتها فسقيةٌ مستديرة، فيها نافورة تمجّ ماء الورد الصافي، وصفت في جوانبها أوان من نحاس وفضة وخزف صيني مترعة بماء الزهر، لكنّ الروائح البغيضة قهرتها!. فحملق إلى هيكلها المطهّم، وأذهله التوزيع الرائع للورود والأضواء والألوان والظلال والأجراس الموسيقية، فشهق، ورغا، وزاغت عيناه، وسال ريقه وأطلق صيحةً هستيرية، ولف الحواري ورافق الهوام في الوديان، وظلّ مقدار ما أنفقه على هذه الدار في غياهب الأسرار. واضطرب كبار البلدة، وبعد أخذٍ وردٍ واحتدام أقبلوا على بعضهم يتشاورون، ولعلهم يسهمون معنا في العثور على حلٍ، ولرفعة أقدارهم اجتمعنا بهم، ونزلنا حيث رأى أهل الرأي وقررنا استقدام خبراء من مراكز أبحاث أجنبية متخصصة بالروائح وعارفة بالعطور وصيغها وتركيبها وتقطيرها وترشيحها ومزجها وتكليفهم بابتكار أصنافٍ عطرية جديدة. وبعد تقديم مبالغ نقدية مغرية حضر خبراء محترفون وموهوبون، يمتازون برهافة الأنوف والبراعة. تجولوا في البلدة، زاروا الأبراج والعمارات والقيعان والأكواخ، ودرسوا، وفحصوا، ونقبوا وجربوا على بهيمٍ وناطق، ولم يعرفوا هل هبطت الروائح من الأعلى أم نبعت من الأسفل، ولم يجدوا بصيص أمل، وخلطاتهم العطرية التي ركبوها فقدت خاصية عبقها خلال ثوان، فألقوا سماعات الترجمة الفورية وزفروا حانقين، وانسحبوا بعد أن خر أحدهم مغشياً عليه حين لفحته رائحة سُرادق أنيق. وسخر الأهالي من انسحابهم قائلين: لو حدث لهؤلاء الشقر ما حدث لنا لماتوا على بكرة أبيهم. وحمدوا الله الذي منحهم أجساماً لا تتأذى، ولو قذف محيطها بشهبٍ من جهنم. وأبدت بعض البلدات تعاطفاً وتأثراً، وتدفقت قوافل مساعداتها من عيدان بخورٍ وزجاجات عطورٍ وصابون مطيبٍ وملطفات جو وأعشاب عطرية، ولم تفلح في حل المشكلة. وصار بعضهم من هول الروائح يفرُّ من أخيه وأمه وأبيه، فلكل منهم رائحة تقصيه. وتساءل سائلٌ: ماذا جرى لبلدتنا، وقد كانت زينةً مزيونةً؟!. فأجابه مجيبٌ بقلبٍ سليم: إنكم تحبون المال حبّاً جمّاً، وتذرون أحسن الخالقين، فصبَّ عليكم العذاب. وكان قوله تنبيهاً ويقظة!. وكالمجذوبين اندفع حاملو الروائح الممقوتة إلى دور العبادة المزوقة لأداء الطقوس الدينية، تزاحموا وصلوا، وتضرعوا، وشكلت أنفاسهم وبخار تعرقهم غيمة، خيمت بثقلها على الرؤوس، وحجبت الهواء عن الدور، وعكرت صفاء الدور، فتذمر القائمون عليها،ودعوا عليهم، ولم يدعوا لهم. وافتتحت مؤتمراتٌ موسعة، سبقتها تحضيراتٌ ودعايات، تكثفت فيها اجتماعاتٌ حول موائد مستديرة مكشوفة وداخل صالات مغلقة، وكثُرَ التأويل والتنجيم والتحليلات المتناقضة وتراكمت ملاحظاتٌ وتوصيات بعدة لغات. والروائح في خبثٍ ونماء وازدياد. وحين لاحظ أحد الكبار أنَّ البلدات الأخرى احتاطت، وقلّصتْ تعاملها مع البلدة، وسَعَتْ لضرب حظر عليها وعزلها لتطويق جنون الروائح أو أنفلونزا الروائح أو جمرة الروائح الخبيثة، وغيرها من المصطلحات التي تداولتها الأنباء، تلاعبت به مشاعر القنوط، وعجز عن التكيف مع الحالة الراهنة مثلما تكيف كثيرون وركبه اليأس، ودهمه ضيقٌ شديد، تلاه وهنٌ وسقم، وما أغنى عنه نفوذه وما كسب، فقرر ا لرحيل، وأمنّ بأمواله مكاناً له في بلدة أخرى، وباع أملاكه ورزم النادر الغالي من حوائجه، وعلى وجهه غبرة، وترهقه قترة، وتبعته بطانته وأعوانه السريون والعلنيون من مختلف الشرائح، وفعل فعلهم المرتشون واللصوص والمذبذبون والطفيليون وعبيد المال. ورأى طفلٌ الموكب الذي استعد للرحيل، ففتح فمه متعجباً: يا إلهي، هؤلاء كلّهم سيرحلون!. ونظر الباقون الذين لا قوة لهم ولا ناصر إلى الموكب بغيرةٍ مكتومة وحسدٍ صامت، فقد فاز من فيه بالسلامة ويا له من فوزٍ عظيم!. لكن المقادير أضمرت مالا يعلمون، فما إنْ ابتعد الموكب عن البلدة حتى زالت الروائح الكريهة!. ورفّ نسيمٌ طاهرٌ ليّن، فابتهجت الجوانح، وأسفرت الوجوه، واستبشرت النفوس، وعادت إلى البلدة رائحتها القريبة من رائحة عشبٍ مخضل، يتخلله شذا زهرٍ بريّ. |
|
| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |