|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
دعوة من إبليس ـــ فوزي الشنيور كأشواك الصبار الموجعة، كوخزات الإبر في جسد مريض، كلسعات الدبابير في يوم صيفي حار، كنقيق الضفادع ينخر رأس النائم، كأوجاع الضرس في آخر الليل، كالكوابيس المخيفة والمزعجة، كسياط النار تجلد سنابل الحنطة حتى جذورها كأظافر الباشق الذي يفترس عصفوراً لم يتعلم الطيران بعد. تلقيت دعوتك يا إبليس وذلك عندما جاءني ابني الصغير/ بعد أن استيقظت من نومي/ وأخبرني بذلك اضطربت فجأةً. طرت/بتفكيري/ من شجرةٍ إلى أخرى، هاجمتني جحافل الأسئلة احترت كثيراً/هل أذهب أم لا أذهب/ كزورقٍ يحاصر بعواصفٍ بحريةٍ من كل الجهات ولا يعرف من أي جهةٍ يسير، فأخذ يبحث عن طريق حتى يصل إلى مرفأ ــ من مرافئ الأمان ــ ليرسو به. * * * هذه هي المرة الأولى التي يدعوني بها السيد /أبو حماد/ لتناول العشاء في بيته مما جعلني أترنح دهشة وتعجباً من تصرفه المستحيل، فهو كان كالمولود الذي أنجبته امرأةٌ عقيمةٌ بعد عشرين عاماً من زواجها.. لقد كانت هذه الدعوى آخر ما أتوقعه أن يحدث، ولكنها حدثت/كالبركان.. أو كالزلزال/ ــ فجأةً دون سابق إنذار في بادئ الأمر، وبصراحةٍ لم أصدق ما سمعته وقلت (لابد إن ابني أخطأ بشخصية الداعي). فناديته مرةً أخرى وسألته: صف لي الداعي بالتفصيل. قال: رجلٌ قصيرٌ و.... قلت: وماذا أيضاً. قال: وأعرجٌ، وذو أنفٍ مميزٍ يشبه ــ إلى حدٍّ ما ــ البطيخة الصفراء. هذه الصورة الموصوفة، جمعت قطعها المتناثرة/قصيراً، أعرجاً، أنفاً مميزاً/ وألصقت بعضها ببعض فهي لم تنطبق على رجلٍ ــ في القرية إلاَّ على إبليس اللعين. تلك الصورة أخذت تطاردني في الغرفة تحت الشجرة وفوق الطاولة.... حتى على قميصي المعلَّق على مسمار من المسامير المغروزة في جسم غرفتي الترابية انتفضت محاولاً مقاومتها، ولكن هيهات.. أمسكت بتلابيب أفكاري لأهرب/كطريقة أخرى للهروب/ إلى عالمٍ هادئٍ، عالمٍ دفَّاقٍ بالخير والمودة، إلى عالم هادئ، عالم دفاق بالخير والمودة، عالم خالٍ من صورٍ تماثل صورة /إبليس/ ولكن هيهات، فإنَّها انتشرت في كل الأماكن.. على جدران البيوت، على جدران المدارس، على الطيور، على الأشجار، على... وعلى.. الخ. لعنت ــ ساعتها ــ تلك الدعوة التي أيقظت في رأسي أياماً مؤلمةً وقاسيةً، أياماً لم أنسها ولكني تناسيتها لضرورة الحياة، ففي تلك الأيام عشت حياة المسجون إفرادياً أو حياة المحكوم عليه بإقامةٍ جبريةٍ، أو حياة المصاب بالسل أو المصاب بالجدري ففي تلك الأيام استطاع /إبليس/ أن يهاجمني ويحاربني ــ بشكل خفي ــ ليشوهني ويفصلني عن الناس وقد تم له ذلك. لقد كانت دعوته /بالنسبة لي/ بمثابة عود الكبريت الذي رمي في كومة جروحٍ وآلامٍ قديمةٍ فأشعلها، فراحت النار تحرقني ــ كأول مرةٍ ــ من جديد. * * * بعد أن تبلغت دعوة /أبي حماد/ المفاجئة والغريبة في آنٍ واحد، رجعت ــ هارباً ــ إلى غرفتي الصغيرة المزدحمة بالكتب والجرائد والمجلات، فتحت إحداهن (نعم هذه هي الصفحة التي وصلت إليها) ظهرت لي أشباح ملوَّنةٌ (زرقاء، رماديةٌ، سوادء) من بين سطورها، أكادُ أن أعرفها، بل أعرفها، إنَّه إبليس وشلته. فهؤلاء /عند ظهورهم/شتتوا قطعان أفكاري، شردوها في مختلف المراعي... حيث لم أعد أستطيع/من بعدها/أن ألتقط نعجةً واحدةً لأدخلها الحظيرة. إنني وجدت /نفسي/ فجأةً أمام حضرة القاضي، تذكرت كيف كان /أبو حماد/ يضع المطبات في طريقي، أو كيف كان يطعنني من الخلف، فذلك الرجل برغم خيوط القرابة الرابطة بيننا، فإنها كانت تالفةً إلى درجة انقطاعها حيث لم يكن بيننا ــ في يوم من الأيام ــ زياراتٌ أو دعواتٌ لكي نتواصل بها، ناهيك عن ذلك كان /أبو جهاد/يلجأ إلى طرقٍ شيطانيةٍ في تعامله ــ معي ــ ومع أهل قريته، حتّى أصبح معروفاً من قبل الناس بــ /إبليس/ فأخذوا يقولون: جي إبليس، وراح إبليس. حدَّقت في الصفحة أكثر، فأصبح إبليس يظهر أكثر وضوحاً، ضاحكاً يسخر مني يشوه صورتي بحبرٍ أسود، ذلك الحبر لم يكن على الإطلاق من مكونات الصورة الأساسية هاهو يقول ــ عني ــ لأصحابه /إنه مجنون/ حاولت أن أشطب المشاهد الموجعة /وخاصة المشهد الأخير/ من شاشة الذاكرة ولكن دون جدوى، لقد كانت تلك المشاهد تتكرر مراتٍ عديدةٍ وبشكل فظيعٍ لا يطاق تلك المشاهد العدوانية أنشأت أسلاكاً شائكةً ــ مملوءةً بالألغام ــ بيني وبينه مما جعلتنا ضدين /كالخشب والنار أو كالثعلب والنعجة/ لا يمكن أن يجتمعا في بقعةٍ واحدةٍ، فكرت ملياً وأنا أسند ظهري على الحائط الترابي (هل يجتمع الحب والكره على مائدةٍ واحدةٍ، هل يتصاحب الذئب والأرنب، أو الفأر والقط، هل يلتقي الليل والنهار، هل ألبي دعوة إبليس أم لا). أسئلةٌ كثيرةٌ، أخذت تنعق في فضاء تفكيري تحط وتطير، حتى تناسلت فأصبح الغراب يفقس غرباناً، فتضايقت من نعيقها المتكرر والمتزايد. بتزايدها، فرحت أبحث عن وسائل لأطيرها وأتخلص منها فقذفتها. |
|
| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |