مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 445 أيار 2008
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

فنجان قهوة.. لا أكثر*1 ـــ سائر جهاد قاسم

رائحة البن المطحون مع حب الهال تجوب الأنوف العابرة، حين كنت أعبر الشارع في هذا الصباح. لكن أحداً منها لم يلحظ هذا الانسكاب الرائع.. انتعش فؤادي ودغدغت خلاياي، فراحت روحي تحلق مهاجرة نحو السحب العائدة، سألت نفسي:‏

ــ ترى هل من بوابات للماضي..؟!‏

وراحت دقات المهباج تدق على أبواب ذاكرتي... تتناغم مع لحن بدوي لا يعرف المفاجآت العبثية.‏

خيام تنتشر تخفق لنسمات الصيف، وثمة فارس يمتطي أدهم وهو يعبر بين الخيام، يلوح بيده وهو يرفع طرف عباءته.‏

ــ الله بالخير.‏

فيرد مجيب من داخل الخيمة:‏

ــ الله بالخير.. يا هلا ورِحِب... تفضل.‏

فيجيب الفارس وهو يعبر:‏

ــ إن شاء الله نزوركم.‏

فيؤكد المجيب مردداً الضيافة بإصرار وهو يقول:‏

ــ فنجان قهوة لا أكثر.‏

فيترجل الفارس، يندفع إلى داخل الخيمة فيطل المضيف مستقبلاً يتصدر تلك الخيمة موقدة نار رقدت فوقها دِلال القهوة تنتظر زوارها. وثمة امرأة في الجهة الأخرى ترق خبز الصاج بيدين موشومتين. بقيت في عملها مع اعتذارات مبللة بالشوق وهي تقول:‏

ــ وعزّة الله شرّفتنا.‏

يجلس ثم يتكئ وتبدأ أحاديث الشوق تقلِّب الصفحات على دفتر المحبة مع فنجان قهوة لا أكثر. أعدّته امرأة على شرفة محاطة بالورود والياسمين، تنتظر من يشاركها إطلالة هذا الصباح المعجون بالشمس.‏

ــ فنجان قهوة لا أكثر... زورونا. منذ زمن لم نلتق يا أخي.. تعال لنشرب فنجان قهوة سوية، لقد اشتقت إليك.‏

قلت:‏

ــ والله ظروفي صعبة، والهموم كثيرة، والوقت يلاحقنا ويحاصرنا.‏

فجاء الرد عبرَ الهاتف:‏

ــ تعال نشاركك همومك علّنا نزيل عنك هذا الهم، أي هو الهم كلّه لك.. تعال.. تعال نتقاسم ولو فنجان قهوة لا أكثر.‏

أجبت:‏

ــ طيب.. طيب.. غداً صباحاً.‏

ارتسمت على وجهي ابتسامة، وصعدت الفرحة تملأ كياني، كنت أعرفه جيداً ولعنت الشيطان لأنه أحال بيني وبين هذا الرجل ترى من يقطع صلته مع هؤلاء لعنة على الشيطان ورحت أنتظر رحيل الوقت حتى الصباح.. وها أنا ذا أمضي بخطى سريعة انعطفت في شارع نحو مكتبه في الطابق السادس حسبما أشار إلي صعدت الدرجات ولم أكن قد انتبهت إلى الوقت أنني جئت مبكراً، كانت الساعة تسير بطيئة، حروناً. قلت:‏

ــ بسيطة العمر يمضي وستمضي هذه الساعة.‏

رحت أمشي في الشوارع، أشاهد الحافلات وهي تنقل الموظفين، فيما إعلانات الليل المضاءة ما زالت تنبض، أضعت بعض الوقت وعدت، قرعت باب مكتبه فانفتح الباب عن موظفات يشربن قهوتهن الصباحية وراء طاولاتهن وصوت فيروز يتصاعد مطرباً من جهاز الكمبيوتر. سألت:‏

ــ الأستاذ.. موجود؟‏

قالت أجملهن، على وجهها شامة زيّنت صفحة خد أسيل، وشعر ينساب على الكتفين:‏

ــ كان هنا.. نزل قليلاً وسيعود، انتظر بعض الوقت.‏

وردد وراءها رجل نزق كان يجلس في الزاوية:‏

ــ عد بعد قليل.‏

رحت أتمشى في الممر لكن ما هي إلا لحظات حتى طل الرجل المعني بعد أن فتح باب المصعد واندفع نحوي يحمل بيده حقيبة جلدية سوداء. قال بدهشة:‏

ــ أهلاً وسهلاً.. اعذرني.. انشغلت بعض الشيء.. تفضل تفضل.. أين أنت يا رجل لا تطلَّ إلا بالمناسبات.‏

وهو يندفع نحو طاولته وضع الحقيبة وراح يخلع معطفه ثم جلس مجدداً ترحيباته:‏

ــ أهلاً وسهلاً بهالطّلّة.‏

وقبل أن أرد على ترحيباته دخلت فتيات تقدمن تهاني العيد بعد عطلة أسبوع. فنادى إحداهن، يدعوها للجلوس.‏

ــ تفضلي يا آنسة.‏

تجيبه ذات القامة الممشوقة. بأن ليس لديها وقت:‏

ــ مستعجلة لا تؤاخذنا.‏

ــ فنجان قهوة لا أكثر.‏

أجابته بأسف:‏

ــ مرة ثانية أستاذ.‏

وخرجت فيما راح يقلب جرائد الصباح المتوضعة على الطاولة، وهو يقول باشمئزاز:‏

ــ أخبار معروفة، لا شيء جديد.‏

التفت إليّ يحدثني:‏

ــ والآن هناك مهم وأنت الأهم.. يا أهلاً.. شرَّفت.‏

ثم نظر إلى الفتيات قائلاً:‏

ــ هل سبقتمونا بالقهوة؟‏

أجابته إحداهن:‏

ــ الحمد لله بفضل العم أبي محمد الذي أصلح لنا سخانة الكهرباء.‏

فيما الأخرى سألته:‏

ــ هل الجريدة فيها أبراج.‏

فعاد وأخذ الجريدة وراح يقلّب الصفحات وهو يسألها:‏

ــ ما هو برجك؟‏

ــ الحمل.‏

يقرأ الحمل..‏

ــ الحمل.. الحمل.. آه هذا هو، اسمعي: أبواب ستفتح أمامك، ستصلك أموال في فترة قريبة.‏

قاطعته:‏

ــ إن شاء الله منحة جديدة.‏

تابع يقول:‏

ــ على الصعيد العاطفي إطلالتك جميلة وعلاقتك مع الحبيب طيبة فحافظي عليها.‏

فتجيب:‏

ــ أنت أعلم.‏

يلتفت إليّ ويسألني ما هو برجك. كنت شارد الذهن والقلب، استيقظت على سؤاله وأجبت:‏

ــ أنا لا أسكن في البرج.. أنا في حي المهاجرين في حمص.‏

فضحك الجميع وقالت إحداهن:‏

ــ صاحبك خفيف الظل. يجيبها:‏

ــ يعجبك.. الأخ كاتب.‏

فتجيب:‏

ــ كاتب عدل.‏

وتصاعدت الضحكات مرة ثانية.‏

ــ إنه أديب وينشر في الصحف.‏

التفتت إلي وسألتني ساخرة:‏

ــ إن شاء الله مردودك المادي جيد من هذه الكتابة.‏

قلت:‏

ــ الكتابة ليست بضاعة للتجارة، بقدر ما هي تعبير عن إحساس يؤرّق المرء.. قولي إنها حالة في النفس يمكن التعبير عنها بالكتابة فتكون المتنفس لتلك العذابات.‏

كانت الفتيات يتحدثن عن آخر موضة في الواجهات فيما كنت أتحدث مع المرأة وبينما كنت على هذه الحال قطع هذا الحديث رنين هاتف المرأة المحمول فوقفت وراحت تتكلم بهاتفها تاركة كلماتي تعبر فضاءات المكان.‏

قال الرجل:‏

ــ نعود إلى حديثنا.. قل ما هي مشكلتك.. ما وراءك.. كأن ألف هم يركبك.‏

قلت:‏

ــ أبحث عن عمل.. أوراقي جاهزة والشهادة وكل شيء.. لكن المشكلة في الشاغر.‏

قالوا:‏

ــ سجل في مكتب الدور والعمل (الشؤون الاجتماعية).‏

ــ سجلت لكن الأرقام قفزت وتدبرت بسحر ساحر أما أنا فالشاغر ثم الشاغر.‏

قال وهو يبتسم:‏

ــ بسيطة لا تحتاج لا لشهادات ولا من يحزنون.‏

قلت:‏

ــ بسيطة.. كيف؟‏

أجاب بسرعة:‏

ــ فنجان قهوة لا أكثر.‏

ــ فنجان قهوة.. لم أفهم.‏

قال:‏

ــ سأرتب لك أمرك مع أحد معارفي لزيارة نشرب عنده فنجان قهوة لا أكثر فتنحل كل الأمور.‏

قلت:‏

ــ متى؟‏

أجاب:‏

ــ ولمَ العجلة؟ في البداية نتفق على سعر فنجان القهوة.‏

ــ وهل الضيافة أصبحت بالمال لدى صاحبك؟‏

فضحك وهو يهز رأسه ساخراً.‏

قال:‏

ــ آهلين ضيافة.. من أي عصر أنت يا رجل؟‏

ــ طيب.. كم سعره؟‏

قال:‏

ــ معك من الخمسين ألف حتى المئة ألف حسب الشاغر.‏

صرخت باندهاش:‏

ــ خمسون.. مئة ألف.‏

ووقفت في مكاني ثم اندفعت نحو الباب فيما صاحب المكتب راح ينادي:‏

ــ تعالى أين تذهب؟ سنتفاهم عُد.‏

ولكني اندفعت هابطاً الدرجات المظلمة، وحين انبلج الضوء تأكدت أنني في الشارع، كان الشارع مليئاً بالناس والسيارات وعربات الخضار والفواكه. في الجانب الآخر من الطريق كان البائعون (العطارون) يكدسون أكياس البن على الرصيف وثمة صبي يصرخ بصوت مبحوح:‏

ــ لدينا قهوة عربية بالهال.. قهوة محمّصة.. قهوة الكيلو بأربعين ليرة.‏

قرب ذلك البائع كان ثمة نحاس دِلال القهوة ويطرق طرقات خفيفة بحزن شديد حيث أمواج الذاكرة تودع أمواج الماضي.. عَبَرْت الطريق وأنا أنظر إلى ذلك الرجل وثمة غصة في الحلق سالت على إثرها دمعة عبرَت ذلك الوجه المجدور ورحت أصرخ كالمجنون:‏

ــ ما أرخصك يا بن.. ما أرخصك يا بن.. ما أرخصك يا بن..‏

* (حائزة على جائزة عمريت للثقافة والفنون الدورة الأولى في القصة القصيرة في طرطوس).‏

(وصورت تلفزيونياً في مسلسل مرايا ياسر العظمة)‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244