مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 445 أيار 2008
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

لعبة الضمائر الغائبة ـــ فوزية مرعي

هي: أنتِ يا من شيّدت بروجاً من هذيان.‏

قشّرت لحاء الآمال ببنان الروح، حلبتِ ضروع الصمت ناسكة تتوضأ من عطش القبلة. سقرتك شمس الأحلام. قيل لك: هناك عند الشجر الأزرق ثمة ظل. نزعت عن كيانك بُردة الوجل.‏

صعدت نحو تخوم الندى، والندى براءة اللؤلؤ الشفيف.‏

ترقبينَ بزوغ نجم غامض لا يعرفه إلاكِ.‏

ناجيتِ حروف التماهي. أنا لي أنايّ. وأنت. ما أنت؟‏

حفظتِ أناشيد الدموع عن ظهر قلب.‏

انسربت بُحة نايّ من قصب مجرّح.‏

انبجستِ شذرات من جمر الألحان.‏

أنتِ.. يا أنتِ.. ما أنتِ؟ قالها لك عبر الأسلاك بإلحاح وأجبته:‏

أنا من عشقت أبجدية الطين بأطيافها، وطلستُ منها حروفاً ثلاثة:‏

الألف.. والميم.. واللام.‏

هو:‏

سأبدأ معكِ بأول حرفٍ أسقطته من ذاكرة أبجديتك، أنا لا أعرفك.. لكني سمعت عنك، قيل لي، أنكِ تكتبين القصة، والرواية، والشعر، أرجو أن ترسلي لي ما أصدرت، ربما سيبادرك سؤال، لماذا هذا الاهتمام؟ وهاأنذا أبادرك بالرد مسبقاً، أنني أود الاطلاع عليها، وسأمنحها حقها من النقد إن كان سلباً، أم إيجاباً. وفق ما يمليه عليّ الواجب، وأعلمك بكل تواضع أنني أكتب الشعر بأشكاله المختلفة وسأرسل لك بعض الدواوين المطبوعة كي تطلعي عليها وتبدي رأيك فيها.‏

هي:‏

أخذك الشرود، وبقيت سماعة الهاتف توحي بذبذبات انقطاع الكلام، في تلك اللحظة، أشعلتِ لفافة تبغ وتحاورت مع ذاتك كثيراً:‏

ترى: ماذا يريد مني هذا الزائر عبر الأسلاك؟‏

لماذا كل هذا الاهتمام؟ أصحيح أنه من المهتمين بالكلمة وبإيقاعها! وهل هناك من يهتم بالأدب وبالشعر في هذا الزمن الرخو.‏

وبعد ذلك.. حسمت هواجسك، فأرسلت له كتبك السبعة وانتظرت الردّ بقلق أعادكِ إلى حوار مضن مع ذاتك، فتساءلتِ:‏

ــ ترى.. هل ستعجبه كتاباتي أم أنه سيسخر منها؟! وفي غمرة وساوسكِ انبثقت إجابة يرددها التحدي: بأنكِ لم تكتبي من أجل إرضائه هو والآخرين. ستقولين له، هكذا كانت اختلاجات الروح على بياض المدى، وترفدين إجابتك، بقول الشاعر الإنكليزي (ماثيو آرنولد) بأن قصيدة رديئة أفضل من مقالٍ نقدي حاقد.‏

هو:‏

قرأت كتبك بإمعان وروية، شعرت بالحزن عليك وتساءلت: لماذا لم تسلَّط الأضواء الإعلامية على كتبك؟.. لماذا لم يكتب النقاد عنك؟ لماذا؟. في غمرة الدهشة والتساؤل، يومض أمام عينيّ سؤال عن وضعك الاجتماعي، عذراً لطرحه بهذه الجرأة، إذ ليس من حقي التغلغل في خصوصياتك، لكنّ أبخرة الحزن المتصاعدة من بين السطور، شكلت ضبابية جعلتني أتساءل من أين جاء كلّ هذا الحزن الذي يغمر جلّ تراتيلك؟!‏

همس اليراعات:‏

لا تعاتب الريح، إذا لم يتراقص الوهج في مواقدك فالعيب يكمن في الجمر لا في الريح أحياناً.‏

هي:‏

هاهي يراعات الشك تحاصرك بوميض يجفلك فيذهلك، وهاأنت تشرّعين أروقة صمتكِ فتغمغم في هذيان:‏

ــ ماذا يريد مني هذا القادم؟ أهو ذئب في جلد حمل؟ أم؟!‏

ثم لماذا تختلج نياط قلبك كلما اهتزت أسلاك الهاتف بالرنين؟!...‏

هاأنتِ تشعرين بالامتعاض حين دهمكِ بالسؤال عن عمرك بطريقة يغلّفها الوجل... وتركته صامتاً يترقب الرّد، لكنك همست لذاتك مداعبة:‏

المسكين يظنني وردة تتمطى تويجاتها أريجاً في أيكة الصبا تبحث عن زقٍ يعتقها وانسربت من شفاه تنهيدتك عبارة موشاة بالحزن: إنه لا يعلم أنني كقزعة من غيم.. تهيم عبثاً في سماء الخريف!‏

لقد خشي لحظتها من غضبك.. لكنكِ فاجأته بإجابة جريئة أن يضيف عشر سنوات إلى عمره ليحصد جواب سؤاله، فانتابته الدهشة غير مصدق وظنّ أنك. تداعبينه.. وتركته يتحنّط في حبال دهشته مردفة:‏

ــ أقرأ في إحدى صفحات كتبي عبارة لتكتشف نبوءتي التي أبوح بها (كبري.. وصغر سنك علامتا استفهام وتعجب، تفصل بينهما عشر نقاط!).‏

لكنه تدارك المأزق معلناً أنه لا يكترث بمثل هذه الأمور. وأن الأرواح حين تتماهى.. تشطب من خارطتها تخوم الزمان والمكان، وتتأزل.‏

رغم كل التوتر في الحوارات تمكن في النهاية أن يجعلك تترقبين رنين الهاتف بشغف مشوبٍ بالقلق.‏

هو:‏

أصبح الهاتف الصديق الحميم الذي يجمعني بك من خلال صوتك الشجي.. يا لهذا الصوت الذي تتهدج نغماته من ثقوب نايّ سومريّ، يطربني تارة، ويحزنني بأخرى.. فأثمل من صهباء التراتيل المموسقة بالوجد الدفين.‏

هاأنذا أرسم صورتك وأعلقها أيقونة على شرفات الروح.‏

يرسمك لي الوهم أحجية.. ثم تتسمرين أمامي كائناً يسربله الضباب، ووشاحاً يمتد من شرفة هيامي إلى بوابة زقورتك الموغلة في البعد. أتؤمنين بتقمص الأرواح؟!‏

أظنني الآن كياناً تماهى مع روح جبران، كروح ميّ التي ستنسرب إلى كيانك بلا استئذان، هاأنذا على رصيف الوجد، كريشة تهدهدها هوادج الشوق، أيعقل أن يرسو بي مركب الخيال وألطأ بالضفاف، لأقبض على عنق حلم تأرجح بين مدي وجزرك.‏

ابتهال:‏

إلهي دعّ حبي لك ينتصر عليّ، وعلى جميع الغوايات، ودعه يسربل كياني، كي تزهر مساماتي بورود الخزامى الزرق، لتورق بالتسابيح. إن البرعم يتوق إلى الليل والندى، غير أن الزهرة المتفتحة توميء للنور كي يخلصها، أيها الجسد المورق بالإباء، آمن بالحب ولو كان مصدراً لآلامك، ولا تغلق قلبك، حطم القيود. ودع البراعم تتفتح في يسرٍ على حبٍ خجول.‏

هي:‏

تمرُّ الشهور ثقيلة حبلى بالأمنيات.‏

ها أنت تتماهين في هذرٍ مع الذات قائلة:‏

الوحدة زق تتعتق فيه صهباء من نطف الموت دمعة تلوذ بأنين دمعة.. يلاهثها التجلي، تتجرع كأس الصبر شظاياها، هل يهمي الغيم الغسقي وطفاء تروي أفواه حقول منسية؟‏

هوذا الهاتف يلصف رنيناً يجفلك، تمسكين بالسماعة، تضيع من فمك حروف الرد. وبعد لأي تصيخين السمع بتواتر ينبض به وجيب قلبك، قال لك:‏

سيدتي: ــ هاأنذا.. أكلمك من تخوم مدينتك.‏

ــ معقول! كيف؟ متى؟ يا للمفاجأة!‏

فهامت روح فراشة تلوب بين أغصان الغبطة والدهشة ورحت تدورين حول نفسك. كنجم تائهٍ أغرته هالته. فضلّ السبيل عن وهج المدارات.‏

انتبهت فجأة إلى سمّاعة الهاتف المتأرجحة بين نداءاته وبين شرودك، فأرشدته إلى أقرب نقطة إلى بيتك.‏

وبعد دقائق، أخبرك عن الموقع الذي أشرت إليه. هاأنتِ تصغين إلى وقع خطاه الزاحفة على جسر ذهولك.‏

قلت له: انعطف عن زاوية الشارع نحو اليسار، خرجت لحظتها من بوابة بيتكِ تحملين جهازاً لاسلكياً، الخط مفتوح بينك وبينه ينبض بروح الكلام.. أصبحت المسافات خلف ذاكرة الدهشة، هاهو يقترب. أضحى اللقاء قاب مترين أو أدنى. سقط الهاتف من يدك إذ امتدت لمصافحته، انحنى إلى الأرض ليلتقطه، انحنيتما معاً ونهضتما معاً.‏

ابتسمت قائلة: أهو أنت؟!‏

أجابتك ابتسامته: أهي أنت؟!‏

وسبحتما للإله في آن معاً، بترتيلة انبعثت عن ذهولكما قائلين: يا الله!‏

سجدتما في محراب الصمت لحظات وبعد انتهاء مناسك الذهول. رحبت به، أحضرت له الماء البارد والقهوة، ثم التقيتما حول مائدة الغداء.‏

هاهو يرمقك خلسة بين لقمة وأخرى بينما أطبقت أهدابك في هذيان سري: سأظل على المدى أهزج باسمك، وأنا وحيدة بين ظلال أفكاري الصامتة حتى تغمض أنامل النوم عيون الأرض.‏

انزلقت الشوكة من يدك، أعادك صهيلها على الأرض إلى وعيك، تهافتت الكلمات من فمك بالترحيب والاعتذار عن وجبة الطعام المتواضعة التي لا تليق بمقامه.. فيبتسم شاكراً للحفاوة. يرين الهدوء على المكان. وحدها الشوَك والملاعق كانت جريئة في تبديد الصمت المتهودج على المائدة بإيقاع حرٍ.‏

لكن حوارك مع الذات وصل إلى ذروته، وربما هو كذلك.‏

وانسربت من زفيرك تنهيدة بلون الأنين. أواه يا العشرين!‏

لحظتها انفرجتِ بالضحك قائلة:‏

لقد نصحتك يا عزيزي بأن تبقى روحانا معلقتين على الأسلاك أفضل من الارتطام بالحقيقة، هل أدركت الآن أنك في حضرة عجوز لم يبق لها سوى البكاء على أطلال العمر!‏

ــ على العكس سيدتي أجابك بابتسامة خجولة: أجدني في حضرة امرأة الحلم التي أبحث عنها منذ دهر، وختم كلامه بتنهيدة طويلة لا يعلم سرها إلاه...‏

نهضت وإياه إلى غرفة الجلوس تقشران الفاكهة والصمت معاً، غرد المساء معلناً عن إياب الطيور إلى أعشاشها، دهمك الحزن واعتصرتك مشاعر بلون الغروب وحين نهض ليودعك، قلت بلغة تضاهي الهمس:‏

ــ أبهذه السرعة نلتقي.. ثم نفترق؟‏

قال: التقينا، ولن نفترق، سنتهاتف يومياً وكلّما سنح القدر باللقاء، سنكون بين كفيه قبضة من ضياء.‏

هو:‏

بعد أيام قليلة.. هاتفك قائلاً: أدعوكِ إلى عرس نهري، سيحتفي بنا الخابور وأشجاره الآثيثة، ثم أردف، لم أعد أطيق صبراً، إنها دعوة تبعث بها روحي إليك، أرجو ألا تترددي، وهي فرصة للنأي بك عن صومعة عزلتك.‏

هديل الذكرى:‏

ــ أجيئك مطوقة، أفر عن سرب زاجلات، مترعة حوصلتي بأناشيد دمع زمزمته من بئر وجدي. يصلح للوضوء، لأسجد بين يديك، عفواً بل ليسجد كلانا في إهاب ملكوت الحب بركعتين، أو مئتين، حتى مطلع فجرك القدوس‏

هي: شيء ما يتمحور في داخلك أقوى منك، أعتى من أي قرارٍ نقشته الحكمة على جدران ذاكرتك.‏

هاهو جبل (سنجار) الشامخ يتصدر قوافل الذكريات ينادي عليكِ بنغم يرفده الحنين، تشدك إليه رائحة الحرمل الذي زيّنت صدرك بقلادة من حباته ذات ربيع. وأجهشت أوصالكِ للقاء، تذكرت الشهور الثلاثة التي قضيتها في ربوعه، متنقلة بينه وبين المدن المحيطة والقريبة منه، وهاهي النواعير تدور أمامك، ما زال أنينها قصائد في ذاكرتك ترتلها هواجسك من حين إلى حين، صبية كنت في الرابعة عشرة تختالين بجمالك، والعيون تحوم حولك كأسراب النحل، دهمتك الأسئلة ترى هل ما زالت الوهاد منسوجة بالنخيل والورود ميّادةً بين هدير الخابور ورذاذ النواعير؟!‏

وتلاشت كلهوة قمح في رحى الآراء تسحنك الظنون، ثم عقدت العزم للسفر، وهتفت له ذات صباح أنك في طريقك إليه.‏

رسالة:‏

أنت.. أيها الساهر الدهر كلّه، إنك تصغي إلى خفق خطواتي المقتربة فيما تتجمع فرحتك في سدفة الفجر، لتتفجر في انتفاضة النور نورساً مغرداً بآلاء اللقاء.‏

هو:‏

بين الحقيقة والخيال.. رنق صقراً يرصد بعينيه المسافات ليحط على غصن اللقاء، لم يبق على موعد الوصول سوى نصف ساعة، انطلق بسيارته يذرع المسافات، ينهب الوقت عيناً على الطريق، وعيناً على الساعة.‏

لم يبق سوى دقائق، هاهي الحافلة أمامه بدأ الركاب يتزاحمون في النزول، رمعت روحه بالشك، أتراها بقيت على قرارها أم غيرت رأيها في آخر لحظة؟! وجيب قلبه يحاصره بآلاء الظنون. دهمه شكٌ بأنك لست في الحافلة، وفجأة تهاديت من البوابة الخلفية وحيدة، انزرعت على رصيف الوعد نخلة، بالرغم من ارتباكه لم ينسَ أن يحتفي بوصولك، صافحك بيمينه، وقدّم باقة من الورود بالأخرى. جلست قربه في سيارته، راح يطوف بك الشوارع، يحاول أن يصدق أنه تجاوز وإياك مدار الحلم، وها أنتما معاً تفصل بينك وبينه مسافة شهيقك وزفيره.‏

دخلتما إلى الفندق، منحك مفتاح الغرفة المحجوزة باسمك، تناولتما وجبة الغداء. ودعك لتأخذي قسطاً من الراحة قائلاً: سأعود قبل المساء.‏

نطف التماهي:‏

بين كفي الفجر والليل، تلهوجت قطرة تبحث عن غصن يخضور لتتماهى معه، لكن ألسنة وهج الشمس توضأت بها، فسجدت كل النوارس وسبحت مغردة:‏

لا يطفئ النار سوى الندى.‏

ولا يصهل الندى إلا على ألسنة اللهب.‏

هو ــ هي:‏

جاءك قبل المساء بساعة، وجهه طافح بالفرح، صعدت إلى السيارة، طلبت منه أن يأخذك إلى موقع النواعير فانعطفت مسرعاً لتلبية طلبك.‏

تركت باب السيارة مفتوحاً تجرجرك حبال الذكرى إلى المكان. مشطت بقدميك المساحات، وقفت على أنقاض ناعورة مهشمة ذاهلة تتأملين بقاعاً داعبتها في ريعان الصبا طفولتك. أصخت لكلماتٍ انسلت من وحي المدى:‏

(قد يهون العمر إلا ساعة.. وتهون الأرض إلا موضعاً)‏

هاأنت تنغرسين أمام الناعورة كشجرة خريفية تنتظر الربيع، صوحت السنون بأغصانها، ثم بدأت بالدوران حولها تقرئين فاتحة اللقاء الأول، ورحت تتلمسين بقاياها، فيختلط، نحيبك مع أنينها الموءود بين حطامها، وتفجرت عيناك شلالين تعبرهما زوارق الذكرى، بينما تسمّر هو في مكانه بعيداً عنك يسربله حزن امتدّ من رصيف روحك إلى كيانه المجدول بالشوق واللهفة، وحين هدأت عاصفتك اقتربت منه معتذرة، مدركة أنك السبب في مشهده المأساوي، أشرت له على بقعة قرب الناعورة وقلت له:‏

تأمل معي هذا المكان، فالتفتّ حيث أشرت قلت:‏

في تلك البقعة تعرضت لحادثة طريفة مع طفل لا يتجاوز السادسة من عمره، إذ شدّني من ضفيرتي فآلمني، التفت إليه غاضبة لكن ضحكته البريئة مضغت غضبي واندمجت معه في الضحك، ثم نهضت وأمسكت به وطبعت قبلة على جبينه، فانغرس حينذاك زهرة نيتول في تربة روحي، ورحت أرسمه عاماً بعد عام بريشة أحلامي... طفلاً، شاباً، رجلاً، لجمتُ صهيل خيول أحلامي وامتطيت مهره صحوي، صعدت تلالاً، وطأت قفاراً لا يجرؤ على تعفير تربتها إنس ولا جان.‏

وعدت أجر ذيول خيبتي، أحتضن السهد على سرير وحدتي فتترع خوابي صمتي بالهذيان.‏

تأمّلته مقطباً جبينه ممتطياً صهوة الذهول، شارداً يفلي عذوق حيرته، تسمّرت في مكاني أرمق انفعالاته في خطى انطلق بها من موقع الناعورة وراح يلف ويدور حول مدارات حيرته فصرخت به: ما بك، عن أي شيء تبحث؟!‏

توقف فجأة وبعد أن زفر تنهيدة طويلة قال:‏

أتدرين يا عزيزتي، أن النواعير وما حولها من وهادٍ وسهوب هي مراتع طفولتي، ما قبل السن التي أشرت إليها، وثمة أنثى فيها الكثير من ملامحك، نمت وترعرعت في أروقة ذاكرتي، ولقد استطعت من إضرام النار في موقد روحي فتلاهثت مفرداتها ياقوتاً في مواقع تدثرت برماد النسيان، وكأنما أتممت بنيان قصة شيدتها أنامل الذاكرة وكان ينقصها الكثير.‏

وأردف قائلاً:‏

ما سردته الآن هو أثمن ما غاب عني، لقد بحثت عن تلك الأنثى في كل حي.. في كل مكان، كانت تزورني في ضباب الحلم وتهرب مني، يغويني الهيام، ألف أدور في ملكوت البحث، أقبض على يقظتي في غيمٍ سرعان ما يمضغه مني عويل الريح.‏

في تلك اللحظة، صعقتك المفاجأة عن بوحٍٍ أذهلك فاقتربت منه. هاهو أمامك وجهاً لوجه تفحصت عينيه، لون شعره، بشرته، بدأت الصور الصغيرة المرسومة على جدران ذاكرتك تكبر وتتضح شيئاً فشيئاً.. ورحتِ تدورين حوله، تتأملينه بعيون قلبك، بإحساسك صرخت مدوية: يا الله!.‏

أما هو، فقد حاول أن يحتضنك وأن يصرح لكل الكائنات أنه أمسك بأهداب الحقيقة. انفرطت سبحة الذكريات، فتبارقت حباتها نجوماً على سماء الدهشة.‏

اقتربت منه، وطبعت قبلة على جبينه تيمناً بالقبلة الأولى، لكنها كانت أكثر حرارة وأعتى، وعيناك تذرفان هطولاً من الدهشة والحزن والغبطة.‏

بينما التفت ضفيرتك على يده سنبلة حبلى بنشيد سري.‏

وفمك راح يلثغ بحروف طلستها في غمرة التيه من ذاكرة أبجدية الطين مرددة:‏

ألف.. ميم.. لام.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244