|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
ماذا يجري في السقيفة ـــ فاديا عيسى قراجه ـــ حمص استيقظت هند على صوت أمها، بينما رزان تغط في نوم عميق... أبعدت هند حقيبة سوداء تضم الملابس الشتوية، فاصطدمت قدمها بالكرسي الذي تتبعثر فوقه الأوراق المدعوكة بنفاد صبر، والصحف المنتهية الصلاحية، كما سحبت بطريقها شرائط ملونة التفت حول ساقها.. فركت رزان عينيها فبدى الجدار يتهاوى أمامها.. أمعنت النظر فيه فبرزت كتابات دقيقة بقلم رصاص، عرفت فيها خط هند حيث تحرص الأخيرة على تدوين الأحداث والأفكار على جدران البيت، وأحياناً تتوقف عند أقرب حائط منها لتدون مقطعاً من أغنية تدندنها.. جلست رزان في سريرها، أزاحت عنها الغطاء الرقيق، اقتربت من إحدى الكتابات وقرأت بصوت شبه نائم "رزان يسعد صباحك".. انقلبت إلى الجدار المقابل وقرأت بتهكم "اليوم زارنا أيهم.." وتحت العبارة خطت "يا حلو شو بخاف إني ضيعك.." انطرحت فوق الفراش فاردة يديها وساقيها.. لعلع صوت أمها يحثها على الاستيقاظ فقفزت من سريرها باتجاه المطبخ، اصطدمت بطريقها بأكثر من كرسي وحقيبة دون اهتمام، فقد تعودت على هذه التحرشات اليومية من الأغراض الموزعة هنا وهناك كإشارات استفهام على كل خطوة تخطوها نساء هذا البيت المؤلف من أم عجوز وابنتين جاوزت الكبيرة الخامسة والثلاثين بينما تخطو الصغيرة نحو الثلاثين.. بعد أن تزودت كل واحدة بحصة دسمة من تنبيهات الأم، قفزت رزان على درجات السلم الخشبي المطلي بلون ضاع بين أخشاب السلم الناتئة، لحقتها هند تحمل خرطوم ماء وآلة تسجيل، ثم قفز ثالثاً صوت الأم يخبرهم بأنها ذاهبة في زيارة قد تطول لساعات، أما رابعاً فكان صوت اصطفاق الباب الذي غيّب الأم ودخان صوتها معلناً أن هند ورزان وحيدتان أمام ركام الفوضى والغبار.. وقفت هند أمام الحائط الشرقي للسقيفة وتمتمت: "لقد مضى أكثر من عام على آخر مرة صعدت إلى هنا".. تأففت رزان وقالت بدهشة: "ما طينتك أنت؟!.. ألن تغيري هذه العادة؟.. ألا تعرفي أن الحيطان دفاتر المجانين؟". صفقت هند بابتهاج "يا الله ما أروع الجنون يا رزان". أبعدتها رزان بعصبية وقرأت العبارة المحفورة بفحم النرجيلة "لن يمر عيد الأم على العراق هذا العام".. ساد جو حزين فأدارت هند مفتاح التسجيل ليحلق صوت فيروز في هذا المكان الضيق.. عملت الفتاتان على تسطير الأكياس الكبيرة والصغيرة، والعلب البلاستيكية، والمعدنية، والزجاجية التي تجمع فيها "نملة البيت" مؤونة الشتاء بينما أحلام فيروز تحول هذا المكان إلى مهرجان من المظلات، والعرسان، والعشاق، والأوطان التي تبحث عن أبنائها... وهكذا مرّت ساعات التنظيف الطويلة.. نفضت هند يديها وجلست كي تستريح، أشعلت لفافة تبغ فحاوطها الدخان كمارد التف حولها وحملها إلى هناك.. إلى ما وراء البحار حيث تسكن الأماني البعيدة.. توقفت رزان أمام كيس أسود بإجلال وخشوع كأنها تتلو صلاة جنائزية تحية للرفات الذي يرقد بداخله.. انتبهت هند فداست على لفافة التبغ وهبت نحو أختها فتعثرت بزجاجة تدحرجت من تحت الأكياس.. قربتها من أنفها وصاحت بنشوة عارمة "هذا عرق يا رزان.. هذا ما نبحث عنه".. اختطفت رزان الزجاجة، فتحت سدادتها بأسنانها الصغيرة ففاحت رائحة ابنة الكروم في هذا المكان الذي ينغلق على كل ما فيه كدرع السلحفاة.. قالت هند ونظراتها تتوزع بين رزان والكيس الأسود: "لا يجوز نبش القبور، دعي الأموات ينامون بسلام". رفعت رزان زجاجة العرق فانصب السائل الشفاف في فمها، ثم عملت أصابعها على حل ربطة الكيس، فظهر صرصار يلتصق بفم الكيس كحارس أمين.. انتشلت رزان علبة مربعة الشكل يغرق المخمل الأزرق في داخلها.. قالت بألم ووجع: أنا التي اخترته أزرق.. هل تذكرين شكل المحابس انظري ما تزال آثارها منغرسة في المخمل.. لكن سعيد تأخر تلك الليلة.. الصحيح أنه لم يأت أبداً.. أعادت هند العلبة إلى الكيس فظهرت جريدة مصفرة الأوراق، انتشلتها بحذر.. حاولت تصفحها لكن الأوراق هزيلة لن تصمد أمام عصبية أصابعها.. رمتها جانبها وهي شبه متأكدة أن هذه النسخة تحمل قصيدة أيهم.. عادت أكثر من مرة إلى الجريدة المتهتكة كجثة وسؤال حاد يشق رأسها "من أوصل جريدتي إلى مقتنيات رزان؟".. "رفعت زجاجة العرق إلى فمها فأشعل السائل الناري جوفها.. هتفت رزان بفرح طفولي: هند هذه لعبتي.. يا ألله كم بحثت عنها! قالت هند بغضب شديد: متى ستكبري؟.. وشدّت الدمية فتمزق ثوبها وتحطمت ساقها.. قالت رزان بعد صمت ثقيل: لماذا تكيلين العداء لطفولتي؟!.. ارتشفت هذه رشفة سريعة من زجاجة العرق وتكلمت فخرج صوتها طويلاً كالندبة: أنا لا أعادي طفولتك لكني أعادي حياتنا التي ذابت بين هذه الجدران بانتظار معجزة تغير ألوان أغانينا وآهاتنا وأصواتنا.. هيا لنغلق الكيس فإكرام الميت في دفنه.. صاحت رزان مستنكرة: والدمية من سيصلحها؟ راحت هند تغلق الكيس دون أن تبالي بصيحات أختها، فوقعت ساق الدمية في قعره، سارعت رزان وانكبت فوق الكيس تبحث عن ساق دميتها، لفت نظرها ظرف مغلق، أخرجته وعادت للبحث عن الساق المبتورة وعندما وجدتها أعطتها لأختها كي ترممها... جلست الأختان في مواجهة بعضهما يفصل ما بينهما زجاجة عرق وكيس أسود يفتح فرجة وحيدة للحكايا.. انحنت هند فوق الدمية ذات العينين البنيتين والشعر الكستنائي.. هذه أول مرة تلاحظ الشبه بين رزان ودميتها بل تكاد أن الواحدة تكون نسخة عن الأخرى.. خلصتها من ثوبها الممزق وبدأت بإدخال الساق إلى مكانها... تذكرت رزان الظرف.. قلبته على وجهيه فظهر خط هند دقيقاً كتعويذة "تصل إلى الأستاذ سعيد.." خفق قلبها بشدة، أدارت ظهرها على أختها، فضت الرسالة بحذر شديد.. ركضت عيناها فوق السطور كغزالتين تهربان من افتراس محقق.. ثم انهارت منخرطة في بكاء حاد.. ألقت هند الدمية العارية ذات الساق المحطمة وصرخت بهلع: "رزان ما الأمر ما بك؟..". رمت رزان يدها فالتقطت هند الرسالة وراحت عيناها تطوفان فوق السطور بحيادية.. ساد صمت حذر بين ثور يكظم غيظه ومصارع يلوح له برسالة تزيد في هيجانه.. صاحت رزان بعد أن فشلت في ضبط أعصابها: "أريد التفسير حالاً.. هيا تكلمي أيتها الحقيرة" قفزت هند وبانفعال صفعت وجه رزان فساد بعدها الهرج والمرج وسقطت الشتائم فوق الرؤوس كالقذائف.. وقفت الأم في وسط المطبخ مذعورة نظرها للأعلى وصراخها يتبدد مما جعلها تحبو على درجات السلم بخوف وحذر شديدين.. انتصبت هند وقالت بتشف: نعم كتبت الرسالة لكني لم أرسلها.. كتبتها في لحظة ضعف، وفي لحظة قوة تراجعت عن إرسالها. انتصبت رزان بدورها وصاحت: بأي حق تكتبين إلى خطيبي بأنني ارتبطت بشخص آخر ولا أريد رؤيته.. هل جرى ذلك بنفس الأسلوب الذي جعلك تتلفين دميتي ثم تندبين حظنا العاثر وأحلامنا المجهضة؟.. هل كان عليّ أن أتحمل جريرة عثراتك، وأدفع فاتورة فشلك كي أغدو الأخت الصغرى، المهذبة، المطيعة، البريئة؟.. أجيبي وإلا مزقت وجهك بأظافري.. مجَّت هند نفساً طويلاً من لفافتها فتطاير الدخان متبعثراً كأنه يبحث عن ثقب إبرة ليخرج منه.. لاحقته رزان وتمنت مساعدته للخروج من هذا المضيق.. اقتربت هند من أختها وبدأت بالكلام فخرج صوتها مرتجفاً، متبعثراً كذاك الدخان: سأبدأ من حيث أنت انتهيت.. أنا لم أفشل يا أختي إذا كنت تقصدين أيهم فما زالت قصائده تصلني من وراء البحار.. هل تريدين الحقيقة أنا أتمتع بهذه الكذبة التي أدفن أحلامي في قبرها إذا شئت أقول لك بأنه سيعاود مراسلتي عندما يعثر على عنواني فهو لابد أضاعه بسبب مشاغله وضغط العمل وإذا شئت قلت لك إنه يرسل لي كل يوم قصيدة تمجد جمالي وأنوثتي.. ولكن لن أسألك أين تختفي قصائد أيهم؟.. وماذا تفعل جريدتي هنا؟. وأشارت بسبابتها إلى الكيس الأسود. قالت رزان وهي تقضم أظافرها ثم تبصقها: أخبريني بما عندك.. أخبرك بما عندي. تنهدت هند وأمسكت بكف رزان فتسرب صوتها صافياً كالأحزان: صدقيني يا أختي.. كانت لحظة ضعف لعينة وتجاوزتها بفضل حبي لك، ألست أختي الوحيدة؟ أما سعيد فإنه لا يستحق منا هذا الاهتمام.. حسناً حسناً لا تغضبي.. ولا تسحبي كفك.. الحق معك فهذا ليس موضوعنا. أمسكت هند كف رزان بقوة ومسَّدت عليه بحنان أُم تسلي صغيرها بالحكايا فخرج صوتها دافئاً كالحليب: ـ عندما خطبك سعيد كرهته دون أن أجد تفسيراً لذلك.. كم أخجلني هذا الشعور، كم قاومته.. لكنني عندما فكرت كيف سأكمل حياتي بدونك، بدون انتظارك الطويل، بدون حكاياتك المرهقة التي تحملينها كل يوم من مشغلك أدركت عندها سبب كرهي ونفوري من سعيد فهرمت روحي وشاخ قلبي وبلحظة مجنونة كتبت ما كتبت.. لاحظي الرسالة بلا عنوان فقد تراجعت عن إرسالها ورميتها في هذا الكيس.. صدقيني أنا لم أتسبب في هروبه ليلة العرس هو الذي فرّ كجبان.. أرجوك يا رزان.. صدقيني. شعرت رزان بالدهشة فقد ذاب حقدها على أختها كما يذوب عمود سميك من الثلج.. أمسكت زجاجة العرق قائلة: لم يبقَ سوى رشفة واحدة تعالي نتقاسمها سوية. أبعدت هند زجاجة العرق بنزق وقالت: جاء دورك كي تخبريني من أوصل جريدتي إلى هنا؟ أجابت رزان بارتباك: أنا. وأكملت: وأنت أخبريني من وضع دميتي هنا؟. أجابت هند بخجل: أنا. ثم نظرت في وجه رزان المخملي وغرزت آخر دبابيسها: بقي سؤال واحد أين قصيدة أيهم اليتيمة؟ غاصت رقبة رزان بين كتفيها فخرجت حروفها متقطعة: أ.. حر.. قتها.. صاحت هند باستنكار: أحرقتها؟!.. لماذا؟! قالت رزان وقد غاصت رقبتها أكثر: هو السبب ذاته الذي جعلك تكتبين رسالتك اللعينة إلى سعيد. ضحكت هند ضحكة من أنفها.. كبرت ضحكتها.. تحولت إلى قهقهة.. قلدتها رزان وضمتها إلى صدرها.. قالت هند بصوت ثمل: "اليوم خمر وغداً أمر إليَّ بالدنِّ يا عنيزة". تعالت الضحكات المرصعة بالدموع، عند ذلك أطل رأس الأم من باب السقيفة، صاحت بذعر. ماذا يجري في السقيفة يا بنات؟ هل أنتم بخير؟ انفصلت الأختان وهتفتا بصوت واحد: أمي!! قالت هند بارتباك شديد: إننا.. إنني.. أقصد إنني اصلح دمية رزان فقد تحطمت ساقها. عقدت الأم حاجبيها بغضب شديد وعدم تصديق، دعتهم للنزول عن السقيفة فلديها أسئلة كثيرة بحاجة للإجابة.. وضعت رزان الدمية العارية، والساق المحطمة، ورسالة سعيد، والجريدة المتهتكة داخل الكيس الأسود ثم ربطته بإحكام وألقت به داخل الحاوية.. أخرجت هند فحمة النرجيلة من مكان لا يعرفه سواها وخطت على حائط السقيفة الغربي "ماذا يجري في السقيفة يا بنات؟". قفزت هند ورزان على درجات السلم الخشبي كفراشتين تخلصتا للتو من خيوط شرنقتهما وبدأت بالتدرب على الطيران. |
|
| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |