مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 445 أيار 2008
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

حوارية غريبين ـــ عوض سعود عوض

لن تستمر الحياة كما كانت، نحن نخلقها ونبدعها كما نريد.‏

- 1 -‏

الدروب تحلم برحيل الغبار، بمن ينظف ما علق من بقايا زوابع العاصفة، من بقايا حكايات ترويها الجدات وراء الأبواب المواربة، بقايا أنفاس تحمحم خلف النوافذ.‏

الشمس تودع آخر شعاع لحظة هجم المغيب، الذي حوّل ظلاله السمر النهار إلى عتمة. أظلمت أفكارها مثل سماء بددت أنوارها، فغدت كجسد أثخنته الجراح، حتى نايها الذي لحن أنغامها الحزينة، لم يعد يقوى على التلحين، كسرته وهي تبحث عن ناي بمواصفات جديدة.‏

تحتضن عيناها الجبال، تهفو إلى قممها وهي لم تصل السفح بعد. السحب أبطأت سيرها، تسللت إلى رئتيها، ومع الدورة الدموية صارت في كلِّ خلية من جسدها. الفراغ الكوني استوعبه جوفها. الريح تصفر في دمها، صفيراً قادماً من زمن الحلوى وقراءة الفاتحة. ذرفت نهارها مع فيضان دموعها. ظلال الليل في عينيها، النافذة تمنحها المنظر ذاته. قالوا لها: ما رأيك؟‏

لم يحسبوا حساب يوم يقرع فؤادها طبوله، ويوم تقول فيه: الورقة التي جمعت هي ذاتها تفرق.‏

- 2 -‏

خطفني لحن مفرح في وقت كنت فيه مستودعاً للأحزان. تتفتح شراييني على دندنات روحي. مساحات الشجن تتقلص، وكما في أوتار العازفين ألحان مخبأة، فإن لحني المخبأ تسلل إليّ.‏

كلماته حركت النوارس الخفية، بينما حركت كلماتي المنداة دورته الدموية. دخلت مع الشهيق وسافرت عبر أوردته، صار يستنشق عطري ويخبئه جواه.‏

- 3 -‏

خطواتي محسوبة، ثمة من يتتبعني، أبناء أختي وأبناء أخي، وعندما أبقى في البيت يرسلون من يظل جانبي. إن شئت الذهاب إلى المدينة يتطوع أحدهم ويرافقني. ماذا أقول لأمي التي كانت تناديني بأميرة الأميرات، وبألقاب أخرى أعتز بها.‏

دهمني قمر بدّد غيومي، حاورني بنظراته، بكلماته الراقصة. السحب انتحرت، أزالت الضباب عن محياي، فاضت روحي بنسمات رخوة. أشرقت شمسي وزغردت كلماتي في حضوره. سرجت تداعياتي. لا شيء يُنسى من تاريخنا، من كلماته التي حفرت عميقاً في وجداني. قلبي مستودعها، وهو في الوقت ذاته مخزن سري لرسائله.‏

- 4 -‏

كلماتكِ تتسرب إلى روحي، فتصير شفيفة شفافية كلماتك، التي احتفظ الزمن بها ومنحها الألق، فصار فؤادي زمانها ومكانها، ودمي حروفها. مع كلِّ نبضة يلحن جمالك لحناً خالداً، لم تغنه أي مطربة. تتدللين وتعاندين، أحارب عنادك بابتسامة، وقوتك بضعفي، الفرح يملأ المكان، الذي يتعرف على تاريخه لحظة قدومك.‏

ما بين قلبينا حياة تتسع لكلِّ المروج والأزهار والبساتين. البرعم في خدك الأيمن تعويذة. عدت طفلة تفرحين بالعيد. عيناك تتحدثان عن يدين رسمتا صورتي على الشعاع والهواء والماء. تتذكرين واقعك فتفيض الساقية، يبكي الورد وتبكي الدنيا. تاريخنا في الأماكن التي زغردت لنداوة ابتسامتك.‏

- 5 -‏

ماذا تسمون ما تفعلون؟ أنتم قادرون أن تصادروا كلَّ شيء. أما ما في القلب فإنه مملكتي التي أتفيأ بنخيلها. لو علمتم ما بيننا ربما حنَّ قلبكم، أو ربما هدرتم دمي. أنتم فعلتم ذلك دون سيوف أو خناجر. تعاملونني كنقود موضوعة في المصرف، أو كذهب وألماس في صندوق مصدف، وأنتم تعلمون أن النقود لا تسحب ذاتها، وأن الذهب والألماس لا يزين ذاته. افعلوا ما شئتم، فقط اتركوا لي الهاتف. إنه نبضات دمي، احتواني، كلانا شكلنا الحبَّ، فما أروعه من تشكيل! فأنا ما زلت أميرته، أحفظ ما يقول من أوصاف. أحفظ ملامح رضاه وعصبيته. يصفني بألقاب لم أتوقع أنني سأسمعها، لم أتوقع أن يحبني رجل كما أحبني. صراحتنا شارع مزروع بالورد. زالت الغربة حتى كأنني أعرفه منذ عشرين سنة. بل كأنه عاش معي طوال حياتي. ما يعزيني أنه يفكر فيّ طوال يومه. أول صورة تتلقاها مخيلته صورتي، وقبيل النوم يعشش في خيالي.‏

- 6 -‏

أخط بدموعكِ كلماتي. أرسمك على جدران غرفة نومي. أحدق في نقطة من الجدار مقابل وسادتي، أظل محدقاً حتى تكتمل الصورة، أغرد، أتغزل بعينيك اللتين تمنحاني الدفء، بعطرك الذي اتحد بكفي، بعبق الغمام المهاجر على كتفيك. أحسُّ بالمرح الذي يعلو محياك، ببرقك الذي ينير أيامي. ما أعذب لفظ اسمي عندما تمدينه بين شفتيك! تحتضن حنجرتك موسيقاه، ويردد فؤادك الألحان. تؤمنين بالقدر، وبأنك الأنثى التي وضعتها المصادفة في كفي.‏

أنزف ولا أحد يشفي الجراح سواك. أنت البعيدة القريبة، أنسى جنونك، أتذكر اللحظات التي تمطرني بفوحك. وضعتك في البؤبؤ، أحدق في المرآة. أتفحص دقائق حسنك، وأتذكر تحديقك، وكيف زرع كلٌّ منا الآخر في عينيه.‏

كان حضورك رائعاً، الفرح عمّ الكون، العصفور في عشه، الورد بأكمامه، الزنبق بشموخه، الياسمين ببياضه، حتى الدروب استعدت لتقبل نعليك. خلعت رداء الخوف، وقررت أن تكوني أميرتي، صرت من مكونات الروح، في الشهيق. آخر مشوار كانت عيناك حزينتين. أحسست بوجعهما، بنقرهما على قلبي، يزداد نبضي. أخبرتك أن تعالي، كأنك لم تسمعي شيئاً. تمنيت أن تسألي ماذا فعل نقرك، وماذا فعلت السحب؟!‏

استدعيت الغمام وسكبت العسل في جرار أفراحك. حاولت أن أطرد العتمة عن جسدك البارد. نظراتك الحائرة تثرثر داخلي، بينما الصمت سيد الموقف. كحلت عينيّ بشمس ذاك النهار، فإذا بيدي شمسان. تحول كلَّ ما حولي إلى ربيع.‏

الانتظار يحسسني بالوحدة والفقد. إذا فقدتك لا شيء يستحق الحياة. ألا تعرفين ما أنتِ؟ أنتِ القلب وأنا نصفه.‏

-7-‏

تصالحتُ مع الآلام التي سكنتني خاصة عندما لا أسمع صوتكَ، وعندما لا أعرف عنك شيئاً، يمضي الوقت بطيئاً، يقتات روحي، عصبية، عصية، الدمع يتسلل إلى داخلي يستنـزفني، يبقي الجمرة في القلب وفي الفكر. آمنت أن الحبَّ أوجاع وحسرات وعواصف. طلقت الفرح، الماضي السرطاني. النوم يعاندني. لستُ الوحيدة التي تعاني الأرق. أظل ساهرة لأنني أعرف أنك ساهر. أفكر بك لأنك أنت الآن تفكر بي. حرمت عليك النوم كما أنا الآن.‏

- 8 -‏

قرر أشياء كثيرة، أن يتوجها ملكة، نسيانها لم يعد وارداً، ونسيانه مستحيل. في حياته امرأة هي لا غيرها، وفي حياتها رجل واحد هو لا غيره. كلاهما يدعو للوفاء. لأجله حاربت الأهل والقبيلة ورضيت بالسجن. ينظر إلى المرآة، تنظر في المرآة. قررا أن يعيشا معاً، كلّ منهم بمدينة. يتفحص خلجات وجهها، تتفحص ملامح وجهه، وعندما تتأكد من صفاء صورته تحاول أن تغفو.‏

18/6/2007‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244