مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 445 أيار 2008
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

كل الطرق تؤدي إلى الشعر رؤية نقدية فكرية نفسية ـــ جمانة طه

عز الدين إسماعيل، أديب مصري عربي اللسان والجنان. استطاع بقدرة فذة أن يتفاعل مع المحيط العربي، من شرقه إلى غربه مروراً بشماله وجنوبه. وحرصاً منه على استمرار القيم العصرية العقلانية في الأدب التي أرسى قواعدها الدكتور طه حسين، عمل على ترسيخ مفاهيمها وتطويرها من خلال رؤية فكرية وبصيرة مستقبلية. فتبنى الدفاع عن القضايا الإنسانية في الأدب، وأعاد اكتشاف الأسس الجمالية في النقد العربي. كان الدكتور عز الدين إسماعيل في كتاباته ناقداً خلاقاً عميق الإدراك، حمل على كتفيه حركة النقد العربية ودفعها إلى الأمام على مدار سنوات طويلة. فكتب في هذا المجال مئات الأبحاث، وأصدر مجموعة مهمة من الكتب، أضاف إليها قبيل وفاته كتاباً لافتاً، هو(كل الطرق تؤدي إلى الشعر).

في هذا الكتاب، يؤكد الناقد أنه ليس في وسع أحد مهما أوتي من القدرة على التحليق، أن يبصر بعالم الشعر دفعة واحدة. لأنه عالم بالغ التعقيد، ولا سيما أن لكل شاعر عالمه الخاص الذي لا يتطابق مع شاعر آخر. وإذا كانت كل الطرق تؤدي إليه، فالسبيل الوحيد للدخول إلى عالمه هو ((أن يسلم الكاتب نفسه لأحد الشعراء، أو لمنجز شعري لواحد منهم))(1).

حيث تتاح له الفرصة للتجول في بستان الشاعر الذي اختاره، والتعرف إلى ردهاته ردهة ردهة. وبهذا تتسنى له العودة بمعرفة جديدة أو خبرة جديدة أو رؤية مغايرة لما كان يظنه أو يتوقعه. وقد استجاب الدكتور عز الدين إسماعيل لهذه الفكرة، فأسلم نفسه لأشعار أربعة عشر شاعراً وشاعرة واحدة. فبدأ بالمتنبي، وانتهى بليلى الشايب. وما بينهما كان عبد الرحمن شكري، أبو القاسم الشابي، عبد الرحمن الخميسي، إدريس محمد جماع، عبد الله الفيصل، محمد زكي العشماوي، صلاح عبد الصبور، سيد أحمد الحَرْدلّو، ميشال سليمان، البردوني، عبد الوهاب البياتي، عبد العزيز المقالح، ومحمد سليمان.

***

في بحثه عن (حركة المعنى في شعر المتنبي بين السلب والإيجاب)، يشير الكاتب إلى أن التفرد في شعر المتنبي، هو ما يدعو المهتمين إلى معاودة قراءته.

فمعاصرو المتنبي ومن جاؤوا من بعده الذين أحبوه أو أبغضوه، أدركوا تفرد شعره في المعاني وتميزه في الخصائص الأسلوبية. فأشاروا إلى ذلك في كتاباتهم النقدية أو في أشعارهم. فها هو المظفر الطبسي يرثيه، قائلاً:

ما أرى الناس ثاني المتنبي

 

 

أي ثان يرى لبكر الزمان(16)

كان من نفسه الكبيرة في جيش

 

 

وفي كبرياء ذي سلطان

هو في شعره نبي ولكن

 

 

ظهرت معجزاته في المعاني

وفي هذا المجال، يخطر للناقد أن يتساءل تساؤل العارف:

((هل كان المتنبي يعرف موطن تفرده، في هذا الضرب من النشاط الإنساني؟.))(15)

الإجابة على هذا التساؤل سهلة، فالذين قرؤوا شعر المتنبي يعرفون أنه كان يعي جيداً تفرده في المعاني وقدرته على الغوص إليها واستخراجها، واعتزازه بنفسه وبشعرية غير متوافرة عند غيره من الشعراء. أليس هو القاتل:

أنام ملء جفوني عن شواردها

 

 

ويسهر الخلق جراها ويختصم

والقائل أيضاً:

أراقص معوصات الشعر قسراً

 

 

فأقتلها، وغيري في الطراد

 

إن العنصر المشترك بين هذين الشاهدين وسواهما، هو أن المتنبي ((لا ينظر إلى نفسه وقدراته بمعزل عن الآخرين، بل هم دائماً حاضرون في إطار الصورة، يكونون شطراً كاملاً منها. وهو لا يصنع هذا دائماً، إلا لكي يبرز تميزه وتفرده بالقياس إلى الآخرين))(2)

ويعتقد الناقد أن بعض الدارسين من القدماء، حاولوا بطرقهم الخاصة أن يرصدوا مظاهر هذا التفرد في نوادر معاني شعر المتنبي وفي خصائصه الأسلوبية، إلا أن منهجهم في الدراسة كان قاصراً، لأنه لم يتجاوز ملاحظة الظواهر الشكلية التي لا تمثل بحال من الأحوال الهدف النهائي لشعر الشاعر.

في حين أن ما يجذب القراء في شعر المتنبي ويأسرهم إليه ((هو عالم المعنى عنده أولا وقبل كل شيء، وهذا بسبب الترابط الوثيق بين شعره وشخصه ومأساة حياته))(3).

فتلازم هذه العناصر الثلاثة وترابطها في نظام أو بنية موحدة، ((تؤكد أن عالم المعنى الذي دلتنا الشواهد على أنه موطن التميز والتفرد في شعر المتنبي لا ينفصل بحال عن طريقة أداء هذا الشعر، وعن الوسائل المختلفة التي استخدمت في هذا الأداء. فعالم المعنى وطريقة الأداء ووسائل هذا الأداء، تترابط كذلك ترابطاً وثيقاً في نظام أو بنية موحدة هي الشعر))(4).

ولا شك في أن التعامل مع المعاني أمر ليس سهلاً، بل هو في الحقيقة صعب وشاق. لأن وظائف الحواس في هذه الحال، تتراجع وتصبح مجرد وسائل تقريبية. وما ييسر هذه المشقة، أن يفهم الباحث في شعر المتنبي، المنطق الذي يتحرك به عقل المتنبي في عالم المعنى، والقوانين الأساسية التي رآها تحكم تركيب الحياة والوجود الإنساني على السواء.

وإذا كانت المغايرة بين وضعية المعاني لدى المتنبي ووضعيتها لدى غيره من الشعراء قد أصبحت أمراً أكيداً، فإن هذا يدعو الباحثين إلى تمثل السمات المميزة لعقليته ولمنهجه في التفكير، قبل أن يروا الأشكال المختلفة التي يتحرك بها المعنى في رأسه أو في شعره. وقد تحقق لدى عز الدين إسماعيل، بعد كثير من التأمل والمراجعة ((أن عقلية المتنبي عقلية جدلية بأدق المعنى فضلاً عن كونها قلقة إلى حد التمزق متوترة على الدوام))(5).

لقد أوجز الناقد المظاهر السلوكية للسمات العقلية عند المتنبي، بما يلي:

1ــ المتنبي لا يفكر، عموماً، في معزل عن الأشياء. ومن ثم فإن المعاني التي ينتهي إليها هي وليدة جدل مباشر بينه وبين هذه الأشياء، أو نتيجة إدراك منه لهذا الجدل بين بعضها البعض. وحرصه الشديد على حضوره الشخصي في قلب المعنى يؤكد هذه الحقيقة بقدر ما يفسرها، ولذلك يندر لديه الفكر التجريدي الصرف.

2ــ لا يفكر المتنبي بالأشياء في اتجاه واحد، لأنه لا يعترف بأن للشيء وجهاً واحداً. وأيضاً فإن قابلية الأشياء في منظوره للتغير المستمر وإدراكه الواعي لما يكون هناك من جدل حاد بين ظاهرها وباطنها، يجعله حريصاً على تقليب النظر ومراجعة النفس بين آونة وأخرى.

3ــ البنية الجدلية للحياة وللوجود، انعكست على عقليته. فمنهجه في التعامل مع الأشياء لم يتبلور إلا من خلال اصطدامه العنيف بالحياة، وكما كشفته له التجربة العريضة الدائبة. وإذا كانت الأشياء كما دلته التجربة قد اختلت وفقدت توازنها، فلا أقل من أن يحاول إعادة التوازن إليها في عقله))(6)

إن ارتباط المتنبي بالشعر كان أمراً طبيعياً، بل كان ضرورياً له. لأنه استطاع عن طريقه أن يعيد تركيب الأشياء في بنية متوازنة. ((فالشعر يتمتع أكثر من أي نوع آخر من أنواع الأدب بالحرية الكاملة في التعامل مع الأشياء، وفي تفتيت علاقاتها الشكلية المرصودة وسلكها في علاقات جديدة))(7)

إن ارتباط المتنبي بالشعر كان أمراً طبيعياً، بل كان ضرورياً له. لأنه استطاع عن طريقه أن يعيد تركيب الأشياء في بنية متوازنة. ((فالشعر يتمتع أكثر من أي نوع آخر من أنواع الأدب بالحرية الكاملة في التعامل مع الأشياء، وفي تفتيت علاقاتها الشكلية المرصودة وسلكها في علاقات جديدة))(7)

فإذا كان أي إنسان ينظر إلى شيء ما مستقلاً عن غيره من الأشياء لإعطائه قيمة إيجابية، فإن المتنبي مختلف، فهو لا يقنع حتى يدخل الشيء في علاقة مع غيره، ويتمثله في ظرف غير الظرف الذي كان فيه. ((وعند ذلك يتراءى له أن تلك القيمة الإيجابية فيه، لم تكن إلا شيئاً نسبياً. حتى يمكن أن تعد عند مرحلة من مراحل التدرج النسبي لسلم القيم، قيمة سلبية. وهذا منطق خاص بالمتنبي، إذ يرى دائماً أن أي قيمة (موجبة) تتراجع أمام قيمة أخرى، فإنها تدخل في منطقة (السلبي)))(8)

ومن خلال شعره نرى، أن استوعب جميع الأشكال الممكنة للعلاقة بين السلب والإيجاب. فالأشياء تتحرك دائماً أمام عينيه بين السلب والإيجاب، وقيمتها تتحدد من خلال هذه الحركة.

((وهذه الحركة التي تتم في الواقع المعاين تنعكس على عقله، فتصبح أساس منهجه في التفكير وفي بناء المعنى على السواء. وإذا كانت الأشياء لا تكف عن الحركة بين السلب والإيجاب فإن عقل المتنبي يبدو لنا دائم الحركة بينهما، ومن ثم معانيه))(9).

في الشكل الأول، ينقلب السالب إلى موجب في عقل المتنبي أو في رؤيته:

بذا قضت الأيام ما بين أهلها

 

 

مصائب قوم عند قوم فوائد

فالمصائب وهي تمثل السالب في هذا السياق، تنقلب إلى فوائد. أي إلى عنصر موجب، وهذا شكل من أشكال تطاحن السالب والموجب في عقل المتنبي وفي رؤيته.

في حين يتمثل الشكل الثاني، في حركة الموجب نحو السالب، حتى لينقلب الإيجاب سلباً. ومن هذا قوله في رثاء أخت سيف الدولة:

وإن سررن بمحبوب فجعن به

 

 

وقد أتينك في الحالين بالعجب/ 10

((فعملية انقلاب الإيجاب إلى السلب في منظور المتنبي لا تتم نتيجة عملية تجريد، ولا تتحقق بصورة آلية. لأنه كان على وعي كامل بالعمليات الدينامية، التي تصحب هذا الانقلاب))(11)

وعبر الباحث عن هذه الظاهرة في منطق تفكير المتنبي، بكلمة (التحول). إذ إن ((الأشياء تتحول نتيجة للفعاليات أو المؤثرات الحيوية المختلفة، فيتحول المعنى))(12).

في الشكل الثالث، يجمع المتنبي بين السلب والإيجاب. أي أنه يستخرج الإيجاب من السلب، والسلب من الإيجاب معاً. ((وليس غريباً وقد تمرس المتنبي بكل من هذين الشكلين على حدة، أن يجمع بينهما في مركب واحد. فقد صار هذا الضرب من التفكير في الأشياء عادة لديه، حتى بات لا يجد في استنباته أدنى صعوبة، في حين يتعب الآخرون في فهمه))(13).

حسن الحضارة مجلوب بتطرية

 

 

وفي البداوة حسن غير مجلوب
 

 

((أما الشكل الرابع، فهو الشكل الذي أسرف المتنبي في استخدامه، وأتقنه على نحو يجعله متفرداً فيه. ويتمثل في أن المتنبي يستخرج القيمة الموجبة، عن طريق ضرب السلب))(14)

ومثال ذلك:

وإذا أتتك مذمتي من ناقص

 

 

فهي الشهادة لي بأني كامل

وأيضاً:

قد كان يمنعني الحياء من البكا
 

 

 

فاليوم يمنعه البكا أن يمنعا
 

ولابد من الإشارة إلى خاصية أخرى في شعر المتنبي، تتمثل في إخفاء الهجاء في باطن المدح. وقد ظهرت هذه الخاصية في شعره في كافور:

فما كان ذلك مدحاً له

 

 

ولكنه كان هجو الورى

((فمن كان يعتقد أن ما قلته في كافور كان مدحاً فهو مخطئ، لأن هذا المدح في حقيقته كان هجاء لكل الناس الذين سمحوا لإنسان في حقارة كافور، أن يكون سلطاناً عليهم))(15).

وقبل أن ينهي الناقد عز الدين إسماعيل دراسته القيمة عن حركة المعنى في شعر المتنبي بين السلب والإيجاب، يطرح سؤالاً ثم يجيب عليه:

((ترى هل تنفصل هذه الظاهرة المميزة لعقلية المتنبي، عن منهج سلوكه العملي؟))(16)

((في الواقع لا يمكن لها أن تنفصل. فهذه القيم التي تتراءى للشاعر غير مستقرة، هي التي تشكل سلوك المرء وتؤثر في موقفه من الناس والأشياء والحياة بعامة. وفي ضوء هذه الظاهرة، نزعم أنه يمكن تفسير سلوك المتنبي في حياته ومع الناس))(17).

***

((إن إنساناً هذا منطق تفكيره، وهذه نظرته إلى القيم الموزعة بين السلب والإيجاب والمتحولة دائماً من النقيض إلى النقيض، ما كان له أن يقر له قرار، أو أن يذوق طعم الراحة في حياته))(18).

بل كان من الطبيعي أن يعيش قلقاً معذباً بنفسه وبالآخرين، وأن يلاحقه الإحباط حتى آخر لحظة من حياته. لكنه وعلى الرغم من كل ذلك، استطاع هذا المعذب الذي هو المتنبي، أن يترك شعراً يحمل إلى قرائه متعة لا تنتهي.

***

في الفصل الأخير الذي يحمل عنوان (أكاليل الحزن والكبرياء) ويحتل ثلاثين صفحة من الكتاب، يمهد الدكتور عز الدين لدراسته عن شعر الشاعرة السورية ليلى الشايب، بكلام يضمنه رأيه في الأوزان والقصيدة وشعرية القول. فالأوزان العروضية وعلى الرغم من أنها هيأت للإنسان تطوراً روحياً وفكرياً، مكنه من إدراك قدرته على إنتاج مستوى معيناً من الكلام، فإن الشعرية في القول هي أسبق لدى المبدع من الدخول في إحدى طرائق القول الموزون.

فالناقد لا ينفي أهمية الأوزان ولا يرفض وجودها في القصيدة، لكنه يرى أنها ليست الدليل اليقيني على شعرية الكلام.

فالشعرية ((هي أكبر من كل الأوزان العروضية، لأنها قادرة على التحقق بها أو بغيرها من وسائل الأداء القولي الممكنة والمحتملة))(19)

كما أنها أكبر من الشعر، لأنها الأصل في الإبداع والغاية في التلقي. ((فحين تضاف إلى الشعر، تمنحه كماله اللائق به))(20).

ومع كل هذا، فالشعرية ليست هي الشعر، وإن كانت تشير إلى جنس ليس الشعر إلا أحد أنواعه.

أشعار ليلى الشايب، فتحت أفق الجدل وحرضت ذائقة الناقد إلى ولوجه. فالجدل حول الشعر/ القصيدة وشعرية القول، بدأ منذ القديم ولم يتوقف حتى يومنا هذا. فقد تباينت الآراء والمواقف بين مؤيد بشدة للأوزان العروضية التي يرى أنها تحقق الشعرية في القصيدة، وبين قائل بأن هذه الأوزان ليست هي ما يحقق بالضرورة شعرية الكلام.

فهناك أقاويل وكتابات نثرية تنضح بالشعرية، ومن الظلم لها أن نعدها نثراً. إلا أن فئة من الناس تأبى إدراجها في عالم الشعر، لافتقارها إلى الأوزان العروضية. ومع أن مفهوم القصيدة مفهوم تاريخي، محمل بميراث من الشروط التي يأتي في مقدمتها الوزن العروضي وما يلحق به من نظم القافية، إلا أن معظم الأطراف ((تلتقي عند حقيقة أن هذه الأقاويل وتلك الكتابات لها خصوصية تفردها عن صورة الشعر/ القصيدة التقليدية من جهة، وتميزها عن كل الاستخدامات النثرية من جهة أخرى))(21).

والسؤال الذي يطرح نفسه في هذا المجال: هل يمكن أن تتحقق الشعرية في شعر ليلى الشايب، بمعزل عن تلك الأشكال؟.

***

أشعار ليلى تفاجئنا بالعتبات الأولى المفضية إليها، كما يقول الدكتور عز الدين. هذه العتبات المتمثلة في عناوينها بما تنطوي عليه من زخم دلالي وإيحاءات متجاوبة ومتصادمة وقلقة هامسة وضاجة مطمئنة ومتسائلة. فعند العتبات الأولى لهذه الأشعار يواجهنا زبد النيران وضجيج الهمس وجمر الكلام وهجير الصمت ودم العين وضفاف الروح وقمم الذهول وحزن الرماح وعصف الغياب.

وإذا كان باستطاعة كل عنوان من هذه العناوين، أن يستثير مشاعرنا وينقلنا من حالة الاسترخاء العقلي والوجداني إلى حالة من الحركة والنشاط، ((فإن دفقات القول الأولى في هذه الأشعار، من شأنها أن تصنع أفقاً عاماً لحركة المتلقي يحمل قدراً من الانبهام، مثلما يحمل الكثير من الإغراء..)(22).

 

وفي حال تجاوزت بعض العناوين، ((فإنه يظل لكل عتبة أو لكل عنوان أفقه المعنوي الخاص الذي يمهد لنا الطريق إلى الحالة الشعرية، الحالة التي تفقد فيها الأشياء المعهودة والمرصودة تماسكها التقليدي، وتشرع في التشظي لتعود فتلتئم في تكوينات جديدة مدهشة ومحيرة))(23).

فما إن يعبر المتلقي عتبة العنوان، حتى يجد نفسه مع دفقة للكلام تتميز بالكثافة والتركيز والتجريد. كثافة الصور، وكثافة الرؤية، وكثافة المتخيل. ((أما التركيز فيتحقق على مستوى العبارة، وأما التجريد فيتمثل في المطلقات وإنشاء علاقات جديدة بين المحسوسات))(24).

فهذه الدفقة نراها على سبيل المثال في (حزن الرماح)، التي كتبت فيها:

ذات أن..

ارتدت الرماح أحداق المغيب

تكومت على صمت مريب

ناثرة في باحة القلب

أمساً يأبى أن يفيق

ناسجة من مواجد القول

حرفاً أضناه لسع السنين

فهل بعد هذا من طريق؟.

في دفقة القول هذه وفي دفقات غيرها أيضاً، لا تظهر أنا الشاعرة صريحة، وذلك حين قالت: الرماح تكومت ناثرة في باحة القلب أمساً.. ولم تقل في باحة قلبي. في حين مقطوعة (زبد النيران)، يتجلى حضور الأنا في مواضع عديدة:

حزني في ارتشاف البعاد

مكتحل نزف غدر الزمان

وكانخطاف الرؤى تأتيني

كومض السماء

تثير فضاء من وَلَهٍ

وتحصد وجداً بفيء انتشاء.

وتجدر الإشارة إلى ((إن المرتكزات الأساسية في هذه المقولة يتمثل في الحزن (في السطر الثاني) وغدر الزمان (في السطر الثالث) والرؤى (في السطر الرابع) والوله (في السطر السادس). وهذه المرتكزات مجتمعة تصنع إطاراً مفهومياً متجانساً، يتولد منه حالة شعرية ما تلبث أن تهيمن على المتلقي))(25).

تجنح الشاعرة في عديد من مقطوعاتها الشعرية، إلى تكرار العنصر اللغوي الواحد في الجملة الواحدة وفي مستهل الوحدات التالية.

((فبنية العمل الشعري لدى ليلى الشايب تمثل بنية لولبية، أي لا تنتهي دورة وحدة بنائية من وحداتها إلا لكي تبدأ وحدة جديدة من البداية نفسها، لتدور دورتها الخاصة وهكذا حتى النهاية))(26).

تجنح الشاعرة في عديد من مقطوعاتها الشعرية، إلى تكرار العنصر اللغوي الواحد في الجملة الواحدة وفي مستهل الوحدات التالية.

(( فبنية العمل الشعري لدى ليلى الشايب تمثل بنية لولبية، أي لا تنتهي دورة وحدة بنائية من وحداتها إلا لكي تبدأ وحدة جديدة من البداية نفسها، لتدور دورتها الخاصة وهكذا حتى النهاية))(26).

ويشير تكرار العنصر اللغوي في شعر ليلى إلى نوع من القصدية، بينما يشير تكراره في مستهل الجملة، إلى لحظة التأهب الخطابية للقول. ((وعلى هذا الأساس يتضح أن الحالة الأولى من التكرار لدى الشاعرة، تتعلق بتقنية بناء العمل الشعري على النحو الذي سبق بيانه. في حين أن الحالة الثانية منه، تتعلق بكيفية الأداء اللغوي الذي يمكن أن نطلق عليه صفة خاصية الطلاقة))(27).

هذه الخاصية التي تتجلى في مسلك الشاعرة اللغوي، وتصنع إطاراً لنشاطها الإبداعي إجمالاً. وتقف وراء جماليات الأداء الشعري لديها.

((إن أول ما يلزم في الطلاقة، الجرأة والتحرر من العوامل الكابحة، ورؤية الأشياء والتعامل معها وفقاً لإملاءات الروح في جيشانها الطبيعي..))(28).

فمن الصور التي تمثل جرأة الشاعرة وطلاقتها، في استخدام صيغ لغوية مبتكرة، قولها في (عصف غياب):

في الرحيل..

يَهِنُ حرفٌ.. وتثكل كلمات

وفيه تتكوَّخ أحداق أسى.

((فهي تشتق الفعل تتكوخ من مفردة الكوخ، أي إن أحداق الأسى تأخذ شكل الكوخ. وهي بهذا الاشتقاق المبتكر تضع المتلقي أمام صورة مفاجئة ومدهشة))(29).

أما الطلاقة التي تميز لغتها، فتتمثل بالاستعارات والمجازات التي تتفجر عنها طاقتها الإبداعية. وبسبب ممارسة الشاعرة طلاقتها وجرأتها اللغوية، ((اكتظت أشعارها بالأبنية والتراكيب اللغوية القائمة على ذلك الأسلوب من إفراغ الكلمات من معانيها المعهودة عن طريق إدخال بعضها مع بعضها الآخر في علاقات جديدة وغريبة ومدهشة أيضاً)(30).

وهذا ما نلحظه في موضع من قصيدة (ضفاف الروح)، حيث تقول:

بثرثرة صمت، ودفء ثلج

بسواد بياض، ونقص تمام

بنار برد، وحضور غياب

نغادر نبضاً

مكللاً بالحزن، متوجاً بالبهاء.

أما منهج بناء الرؤية لديها، فيقوم على نفي الحدود الصارمة بين الأشياء وأضدادها، حتى يصبح الضد لا نقيضاً للشيء، بل البداية التي يفضي إليها الشيء حين يبلغ غايته القصوى.

وتحت عنوان (قلب تشريني) نقرأ:

وأنا امرأة تحترق بحبال المطر

فيضيق جسدي عن جسدي

فأرتوي حتى الظمأ.

فالاحتراق يتم عن طريق المطر، والري في أقصى مدى له ينتهي إلى الظمأ.

وهنا يتساءل الباحث: ((ترى هل تعود رؤية الأضداد على هذا النحو، إلى تأثير خفي للمتنبي، وهو الشاعر الأثير لدى الشاعرة، الذي لم يجد في الجمع بين الضدين الماء والنار صعوبة تفوق جمعه بين الحظ والحزم))(31).

وما الجمع بين الماء والنار في يدي

 

 

بأصعب من أن أجمع الجد والحزما
 

فعلى سبيل المثال، عندما يتجاوز النور مداه، يحجب الرؤية. مثلما يفضي الظلام في بعده الأقصى، إلى النور.

تحت عنوان (بلا عنوان) تقول:

سأمطرك انشطاراً

تتوحده..

تتوحدني..

حتى أكتمل

ناراً، أجتلي بها صقيع الخصام

نوراً أعتم به المدى

خوفاً أرشف منه الأمان.

((إن هذه الطريقة في رؤية الأشياء والتفاعل معها، تسقط الحدود الفاصلة بين العناصر المتضادة، لتقيم فيما بينها علاقات طازجة ومثيرة))(32).

***

على ما تقدم، يمكن القول: ((إن الآفاق الأساسية المشكلة لعالم الشاعرة، تتمثل في أربعة: الحزن والخوف والغربة والرفض))(33).

وهذه الآفاق لا تتراءى في الأشعار منفصلة أو مستقلة بعضها عن بعضها الآخر استقلالاً تاماً، وإنما تتواصل وتتجاوب من وقت إلى وقت آخر، بل إن بعضها قد يكون معبراً إلى بعضها الآخر أو مسبباً له))(34).

تحت عنوان (هجير الصمت) تقول الشاعرة:

حزينة قطفت السحاب

لا الغيث زنرني

ولا

ولا لاح لي خاتم سليمان

خائفة

خائفة ثرثرت في صمتي

لبلقيس، لملوك الإنس والجان

لشهرزاد تنسج كذباً

لشهريار يلتحف الأوهام

غريبة

غريبة ناديت الأبواب

لا وجه حمزة رأيت

ولا تناهى إلى صوت بلال

((وهكذا يجتمع مثلث الحزن والخوف والغربة، على نحو يؤكد أن الحزن هو المحور وأن الخوف والغربة رديفان له))(35).

لكن حزن الشاعرة ليس حزناً ذاتياً فحسب، بل هو حزن يتفتح على الآخر. إنه حزن موغل في ارتشاف المحال، حزن غاضب يقتلع الأمان، حزن اجتمعت فيه ثارات الأمة في ماضيها وحاضرها، حزن يدعو إلى مقاومة قوى الشر من أجل خلاص الأمة من نكباتها.

من (زبد النيران)، نقرأ مقطعاً آخر:

موغلٌ

حزني في ارتشاف المحال

مدثرٌ غضباً يقتلع الأمان

مقترفٌ كفراً من بغي العتاة

مزنرٌ بدماء أحد وكربلاء

وجنين.. وقانا.. وكنيسة العذراء

مرتهن لبلال يقيم الجهاد

لعراق، وقدس، ومدائن الأعراب

أعلم ــ سادة الفعل ــ أن لا فعال

وأن هولاكو العولمة معربد الحياة

................................

فمتى يَنْهَدُ طارق وخالد للغداء؟

ومتى خير أمة تتوضأ بالحياء؟./36

الرغبة بتجاوز الواقع المر وتغييره، تؤرق الشاعرة ليلى الشايب وتقلقها. فاتجهت إلى طرح الأسئلة لترفو بها ثقوب الدهشة، ولتساعدها في الكشف عن عبثية الحياة. ما جعل أشعارها تحفل بالأسئلة المستنكرة الرافضة، والباحثة عن الخلاص والتغيير. إنها أسئلة امرأة مفعمة بالمحال، مصنوعة من عصف الغواية، وأقحوان القلق. من عشب القداسة والرؤى، من سنابل الشكوك والأرق، من أبجدية الرفض، من هشيم الشوق وصمت الاحتراق.

أسئلة طرحتها امرأة شاعرة، هي في الأصل مصنوعة من كل ما طرحته وما قالته. وأيضاً من الذي لم تقله وما لا يقال:

أنا كل الذي قلت

وكل الذي قد.. لا يقال.

أسئلة تضج بالأسى، ولكنها ((تستعصم بالكبرياء)).

***

كتاب (كل الطرق تؤدي إلى الشعر)، مجهود رائع يضيف قيمة مهمة إلى الرصيد الأدبي النقدي الذي رفد به المرحوم الدكتور عز الدين إسماعيل، المكتبة العربية البحثية والأكاديمية.

وبما أن الكمال في أي عمل مهما كان جيداً هو ضرب من المستحيل، فإني أسمح لنفسي بالقول: كنت أتمنى لو أن الناقد، زيّن كتابه بلمحة عن كل شاعر دخل عالمه الشعري وأسلم قلمه للكتابة عنه. فليس كل قارئ يعرف من هو الشاعر إدريس محمد جماع، أو الشاعر سيد أحمد الحردلو، أو الشاعر محمد زكي العشماوي، أو الشاعرة ليلى الشايب، أو الشاعر ميشال سليمان. أو ربما غيرهم أيضاً.

***

* كل الطرق تؤدي إلى الشعر، د. عز الدين إسماعيل، بيروت: الدار العربية للموسوعات، ط1، 2006

الهوامش:

1ــ كل الطرق..، ص 7

2ــ ص 15

3ــ ص 16

4ــ ص.ن

5ــ ص 20

6ــ ص ن

7ــ ص 21

8ــ ص 24

9ــ ص. ن

10ــ ص 25

11ــ ص 24

12ــ ص 27

13 ــ ص 29

14ــ ص 28

15ــ ص 30

16ــ ص 29

17ــ ص. ن

18ــ ص 30

19ــ ص 255

20ــ ص.ن

21ــ ص 256

22ــ ص 259

23ــ ص 258

24ــ ص 259

25ــ ص 261

26ــ ص 263

27ــ ص 266

28ــ ص 269

29ــ ص. ن

30ــ ص 271

31ــ ص 269

32ــ ص. ن

33ــ ص 274

34ــ ص. ن

35ــ ص 279

36ــ ص 276

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244