مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 445 أيار 2008
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

الحياة عندما تصبح وهماً رواية حب يؤججه الموت ـــ رشاد أبو شاور

هذه الرواية للروائي والقاص السوري الكبير ياسين رفاعيّة هي رواية حب، ولكنه ليس حباً كحب قيس وليلى، أو جميل بثينة، أو كثيّر عزة...‏

هي رواية حب وموت، موت يؤجج حباً زوجياً، حباً نما بعد زواج مرّ ببعض العوائق وانتصر عليها. في رحلة الزواج المديدة، تعلّق الزوجان واحدهما بالآخر، وأمضيا معاً مشواراً فيه حلاوة، وفيه مرارة، والمرارة تسبب بها مرض القلب الذي عصف بهناءة العيش، فأوهن جسد الزوجة الصبية بعد ولادتها لطفلها الأول (بسام) وإصرارها على الحمل ثانية لعلّها تنجب بنتاً، رغم تحذيرات طبيب القلب لها، فتحمل وتنجب بنتاً (لينا). تسافر الزوجة الشابة إلى ألمانيا الشرقية لإجراء عملية لمعالجة عطب القلب، تجرى لها العملية فتعود مستبشرة، ولكن الأوجاع تعود لتدهم القلب، فيكتشف الأطباء أن العملية التي أجريت للزوجة الشابة (أمل) كانت خاطئة. ولأن الزوجة صارت شاعرة معروفة، فقد تعاطف معها فنانون، وكتّاب، وشعراء وصحيفة (النهار) البيروتية، وجمعوا لها تبرعات لتغطي تكلفة المائة ألف دولار المطلوبة لإجراء عملية جديدة كبيرة سيجريها الطبيب العالمي اللبناني الأصل (دبغي) والذي يتبرع بجهده، وفقط يطلب تغطية تكلفة المستشفى. هنا يتقدّم ثري خليجي محب للأدب والشعر ويتبرّع بتغطية تكاليف العملية.‏

يكتشف الدكتور دبغي أن العملية التي أجريت سابقاً لقلب (أمل) كان يمكن تفاديها بثلاثين إبرة بنسلين تزيل التكلسات في الشريان التاجي، فترتاح مدى الحياة.‏

الزوج والزوجة سوريان دمشقيان من حارة شعبيّة عريقة، انتقلا للعيش في بيروت التي غادراها أثناء الحرب الأهلية إلى (لندن) بعد أن ضاقت سبل العيش، ولكنهما لم يطيقا العيش هناك فعادا إلى شقتهما في (رأس بيروت) ليستأنفا حياتهما على مقربة ممّن يحبون، في بيئتهما التي في غيرها تقتلهما الغربة والحنين.‏

من المقاطع الأولى في الرواية، سيتعرّف القارئ على الشخصيتين، فالراوي لا يخفي أن (أمل) هي أمل جرّاح الشاعرة السورية زوجة الكاتب ياسين رفاعيّة، وأن الابن والابنة هما ابناهما بسّام ولينا.‏

ياسين رفاعية لا يكتب سيرة شخصية له، أو لزوجته، وإن كان يمتح من التجربة متجاوزاً عن جوانب كثيرة فيها لا تهمّ القارئ، وينأى عن (الميلو دراما) بطرح أسئلة الحب، ولغز الموت الذي ينتزع منّا من نحب، ويهدم استقرار واستمرار الحياة.‏

كابدت (أمل) كثيراً في مرضها، ولكنها بالحب استقوت عليه، بالتعلّق بالزوج الحبيب، والابن والابنة، واستنبات الزهور في أصص تجمّل (الشقّة) العش، والشرفة التي تطل على بيوت جيران بيروتيين في منطقة (راس بيروت) المتداخلة مع شارع الحمراء.‏

لحظة موت (أمل) تبدأ (حياتها) من جديد في روح الزوج (العاشق)، الذي كان يعيش (حياته) باقتناص لحظات (خروج) على الحياة الزوجية مبيحاً لنفسه إقامة علاقات نسائية عابرة، ظاناً أنه يستغفل الزوجة المحبّة التي كانت تتسامح معه أحياناً، وتكظم حنقها وغيرتها، لأنها تعرف أنه سيعود إليها، ولن يفرّط بحبّه لها، وحبها له.‏

تشبه هذه الرواية في فصولها أن تكون (قصيدة) طويلة، تتكوّن من مقاطع، تنطلق من لحظة الموت، يتأمل فيها كاتبها ــ قل شاعرها ــ الحياة، والحب، والموت، والنفس الإنسانية، وخصوصيات زوجين عاشقين.‏

في مقطع وصف معاناة (أمل) في المستشفى، وعذابها من نوبة ألم ممض، لا يصف لنا ما يجري لنشفق عليها، ولكن لنرى إلى أي مدى تتحمّل الألم تعلّقاً بالحياة، فالطبيب المعالج، يجري لها عملية (بزل) في السرة بالبنج الموضعي، لتفريغ الاحتقان وإخراج الماء من البطن، وهي تربط من رسغيها، وقدميها، تصلب ــ كما تعلّق بعد تلك العملية الرهيبة الألم ــ كالمسيح!‏

المرأة التي أجريت لها ثلاث عمليات كبرى في القلب، تعود إلى البيت بعد آخر عملية إسعافية في البطن، تعود وقد جابهت الموت بالتغلّب على الألم، بحيث يشهد لها الطبيب بأنه يجري عمليات جراحيّة على مدى عشرين عاماً ولكنه لم يشهد إنساناً يتحمّل العذاب الذي تحمّلته أمل، ويتشبّث بالحياة بطاقة عجيبة، وهو ما فسّره الطبيب بأنه نابع من طاقة حب مختزنة في داخلها.‏

ما أن وصلت البيت حتى أخذت تقبّل كل شيء: الهاتف في المدخل، الأبواب، ضلفات النوافذ، أوراق الزهور، الثلاجة، غلاية القهوة، مرددة عبارة واحدة: آه ما أحلى البيت...‏

تموت (أمل) بعد أن أخذت كامل زينتها. تتردّد في مغادرة البيت لزيارة بعض جاراتها، تموت في لحظة (كشف)، كالصوفيين...‏

نقرأ عن لحظة الفراق:‏

ذلك اليوم المشؤوم، في السادس من شباط/ فبراير 2004 كنّا جميعاً في أحسن حالاتنا، كانت عندنا جارتاها صباح وزينب. في صباح ذلك اليوم تحمّمت، وذهبت إلى الحلاق، وصبغت بضع خصل من الشيب في شعرها، واختارت خصلة جعلتها بنيّة الألوان على شعر أسود فاحم، وتغندرت، ورسمت الأحمر على شفتيها، فازدادت جمالاً وبدت أصغر من عمرها بعشرين سنة. كانت تحب أن تكون بأحسن حالاتها، والذي لا يعرفها عن قرب لا ينتبه أنه أمام امرأة بقلب معطوب(ص51)...‏

رغم أن رحيل (أمل) كان متوقعاً في أي لحظة، فإن الزوج وقد اعتاد صمودها، وخروجها سالمة من الأزمات الصحية العاتية، طمأن نفسه أنها ستكون دائماً بخير، وأنه يكتفي بحضورها ــ الطبيب طلب منه أن لا يناما معاً في سرير واحد، حتى لا تنفعل ممّا يؤثر على قلبها الضعيف ــ بتنفّسها في أرجاء شقّة الزهور، والشرفة المطلّة على الحياة، وصخب بيروت، وحيويّة شارع الحمراء...‏

تَحضر امرأتان لتغسلا جسد (أمل)، ولكن الزوج يرفض، فهو زوجها وحبيبها يريد أن يغسل جسدها، وهو يعرف أن هذا جائز شرعاً.‏

(نظرت إليها طويلاً، هذه المرة الأولى في حياتي أراها عارية بهذا الوضوح. لم تتعرّ أمامي بهذا الوضوح قط. كانت خجولة إلى حدّ كبير، ولم تسمح لي بتاتاً أن أراها عارية تماماً. كانت تستر عريها بيديها تارة وبالشرشف تارة أخرى، وتنطوي على نفسها مسدلة شعرها على صدرها. الآن، الآن، هاهي أمامي كما خلقها الله، بكلّ جمالها الآسر، وبكلّ بياضها. كنت أظنها سمراء. كان وجهها جذاباً، راحتاها سمراوين، ساعداها أسمران. لم أظنّ أن جسدها أبيض كالثلج، كأنها جوهرة بيضاء ممدّدة أمامي الآن. بيضاء كالزنبق، بيضاء كالورق الذي كتبت عليه قصائدها. بيضاء كالزنبق الذي كانت تحبّه، بيضاء كالياسمين، بيضاء كالقرنفل...(ص60).‏

يبدأ بتغسيل زوجته كأنما هو محموم، يهذي، غير مصدّق أنها رحلت، وأن جسدها ميّت لا حياة فيه، فمها لا يتكلّم، عيناها لا تنتظران، شفتاها لا تبتسمان:‏

وضأتها وأنا أقول: نويت الوضوء المسنون لزوجتي أمل، ثمّ غسلت رأسها ووجهها، وسرّحت شعرها بمشط جلبوه لي منفرج الأسنان. سرّحته برفق شديد وأنا أردد: ليرحمك الله يا حبيبتي، رحمك الله، الله أكبر، لا إله إلا الله، لا إله إلا الله. كان قليل من الشعر يتساقط فأردّه إليه، ثم غسلت شقّها الأيمن ثمّ الأيسر، ثمّ حرفتها إلى شقّها الأيسر وغسلت شقّها الأيمن مما يلي قفاها وظهرها إلى قدميها... توقفت وأنا ألهث. نظرت إليها ملياً ملياً، كأن عيني تحجرتا وأنا أنظر إليها، فلم تحيدا عنها.. دخلت علي المرأتان وبأياديهما كفن أبيض كبير. ابتعدت قليلاً عنهما، فلفتاه به ثلاث لفّات، وربطتا قدميها.. وتركتا وجهها ظاهراً، طلبتا مني تقبيلها فقبّلتها من كلّ وجهها وأنا أرتجف وأبكي(ص61 و62).‏

لم أقرأ من قبل في الرواية العربية مشهداً عميق الإنسانية للعلاقة بين رجل وامرأة كما في هذا المشهد، قوّة تأثيره نابعة من لوعة الفراق والرحيل إلى المجهول، وانكسار إنسان فقد طمأنينة حياته بموت الحبيب، فتفجّرت أسئلة الحياة والموت والحب لتزعزع روحه، وتدفع به بعد رحيلها، وتردده إلى قبرها يومياً ناثراً عليه الزهور البيضاء التي كانت رفيقة نفسها دائماً.‏

الروائي بخبرته الفنية المديدة، يضع المتلقّي، ومنذ الجملة الأولى في روايته، في جو (الحدث) الدرامي الفاجع: عندما اقتادوها إلى غرفة الإنعاش بدت مستسلمة، فطبيب التخدير كان في الليلة الماضية قد حذّرها بأن الخطر على حياتها مئة بالمئة، ولكن لابدّ من إجراء العملية..(ص7).‏

في الرواية شخصيتان رئيسيّتان هما (أمل) الزوجة، و(الراوي)، والابن والابنة حضورهما طيفي، وبعض الشخصيات كشقيقة أمل، أو الطبيب الجراح، وطبيبة القلب الجميلة، ليسوا سوى شخصيات عابرة...‏

أمل تعيش بعد موتها في روح زوجها، الذي لم يكن إلا لها، رغم علاقاته النسائية العابرة...‏

تمضي الرواية متتابعة المقاطع. تبدأ من المشهد الأول في المستشفى وغرفة العمليات، وتنتهي بالزوج المحب المسكون بحبيبة رحلت ولا يصدق رحيلها، وهو يؤكّد للطبيب أنه نبش القبر، وأن (أمل) ليست موجودة فيه...‏

القارئ سيدرك بعد فروغه من قراءة هذا (النص) الروائي الشعري، أن أمل لم تعد مجرّد جسد ميّت، ووري الثرى في قاع حفرة عميقة، إنها تعيش في روح الزوج الذي ازداد تعلقاً بها بعد رحيلها وفقدانها، والذي يتشبّث بتفاصيل حضورها وحياتهما معاً قرابة أربعة عقود...‏

بالحب يحاول الزوج العاشق أن يستعيد حبيبته من الموت، ولأنه يدرك أنها ماتت وأن الحياة انتهت، وأنه سيبقى وحيداً، وأن الموت حوّل الحياة وهماً، فإنه يصاب بحالة هذيان تجرّه في النهاية إلى طبيب الأعصاب والأمراض النفسية، لتمضي حياته بطرح الأسئلة، والعيش في الفراغ وكأن الحياة لم تكن يوماً، ماتت مع موت الجسد، انطفأت فساد ظلام لا في البيت الفارغ، ولكن في النفس والعقل والروح، ظلام مفزغ يفجّر أسئلة لا أجوبة لها...‏

وبعد، فقد تمكن الروائي والقاص ياسين رفاعية من تحويل معاناة شخصية إلى عمل فني متألّق، لأن الموت وهو نهاية كل حي يتركنا نحن البشر أمام الأسئلة المحيّرة والمقلقة، والتي لامسها أسلافنا (سردياً) منذ كتب ابن طفيل (حي بن يقظان)، وتأمل من قبله وبعده كثيرون سؤال الموت، بالفنون، والفلسفة، والأساطير، والشعر، ثمّ هاهو ياسين رفاعية يطرح من جديد الأسئلة التي تمضّ العقل والروح، وتدفع للإبداع الفلسفي، والفنّي، والأدبي...‏

* صدرت الرواية عن منشورات (دار الساقي) في لندن هذا العام 2006م.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244