|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
يصحو الحرير حكاية امرأة، حكاية وطن ـــ د.مخلوف عامر منذ أن كتب "أمين الزاوي" روايته الأولى "صهيل الجسد" كان يُعنى باختيار العناوين. وإذا كانت الدراسات النقدية القديمة تتعجل الوصول إلى المتن، ولا تولي الأهمية للعنوان إلا نادراً، فإن المناهج المعاصرة صارت تدرج في المُناصات التي لا ينبغي إغفالها إذ إنها ــ شئنا أم أبينا ــ تلقي بظلالها على المتلقي. وبغضِّ النظر عن مدى استثمار الأدوات النقدية المعاصرة ــ التي لا خلاف في أهميتها وضرورتها ــ إلاَّ أن القراءة النقدية ستبقى تعبيراً عن منحى من التأويل. وفيما يخصُّني فإنني لا أُقدم على الكتابة عن عمل ما، إلا إذا كان ينطوي على ما يثير في نفسي الرغبة في التأويل. كذلكم كان الأمر بالنسبة لي في "يصحو الحرير" وكما حدث ذات عام مع "صهيل الجسد". ومثلما كان الجمْع بين الصهيل والجسد تركيباً جديداً في الكتابة ومثيراً، قد يكون وحده حافزاً يجتذب القارئ ويحرِّك فيه نزعة فضولية للاطلاع، فإن العناوين اللاحقة "السماء الثامنة" و"الرعشة" و"رائحة الأنثى" وأخيراً "يصحو الحرير" لا تخلو ــ بدورها ــ من دلالات مثيرة أيضاً. فالحرير وما يوحي به من نعومة ورقة ولطافة وقيمة غالية، يستدعي في ذهن المتلقي صوتياً ما يوحي بالتحرير والحرية وهي ــ بدورها ــ من الغلاء بحيث لا تقدَّر بثمن. ولكن الحرير مسبوقاً بالفعل المضارع "يصحو" يحمل دلالة الحال والاستمرار ولو تصوَّرناه في إغفاءة من قبل. فإذا ما طالعتنا اللوحة التي أدنى العنوان ــ وهي عبارة عن صورة امرأة يبدو أنها ترفل في الحرير وسط رسوم وألوان زاهية وتجعلنا نستحضر الرسوم القديمة التي تصحب حكايات ألف ليلة وليلة وما يشبهها ــ تعمَّقت الدلالة الجامعة بين الحرير والحرية والمرأة التي ــ لا شك ــ تبقى محور الحرية وعقدتها في المجتمعات العربية المعاصرة. عقدة إذا هي انحلَّت يوماً ما، انحلَّت معها سائر العقد. وانسجاماً مع هذه القناعة المبدئية بمقام المرأة كان الإهداء إلى ربيعة، الزوجة والحبيبة "مرة أخرى وفي كل المرات". وبعد الإهداء يفتتح الرواية بأبيات من الشعر الشعبي تتغنى بالهوى الذي يجرح القلوب، وتجعل مقام الحبيب في مرتبة لا يعلوها إلاَّ الرب الفوقاني، ولا ترسمها إلاَّ قدسية للحرف والسمق.
ثم يبدأ الفصل الأول بالطريقة السردية القديمة. دعوة إلى الاستماع بواسطة فعل الأمر "اعلم" متبوعة بدعاء على الطريقة الدينية المعهودة "حفظك الله وأبقاك أن النساء منازل والقمر منازل.." وتتجدد الدعوة إلى الاستماع في آخر الفقرة على لسان المرأة التي تخاطب رجلاً، تماماً كما هي علاقة الحكْي التي تجمع شهرزاد بشهريار في "ألف ليلة وليلة" مما يوحي بالمنزلة المتميزة التي يمنحها الكاتب للمرأة على أنها ليست مصدر الحكْي والإمتاع والمؤانسة وحسب، بل إنها مصدر المعرفة اليقينية والتجربة الغنية والحكمة السديدة وهي القادرة على أن تسحر بلغتها ومتعة سردها، فتقول: "فاسمعني يا سيدي طاب مجلسك حتى نهاية المحكية". وهي لا تخفي كونها مثل "شهرزاد" إذ تقول ((أعرف أن الرجال لا يحسنون الحكْي، لذا أنا حروف الزين" شيري "كما كان يلقبني ممو. أنا التي سأفضح كل شيء أنا سليلة شهرزاد،قوتي في عسل الكلام..) ص: 37. وفي نهاية الرواية تتكرر الفقرة ذاتها بتغيير طفيف يحوِّل فاسمعني من صيغة الأمر إلى صيغة الماضي فيقول: ((سمعتني يا سيدي طاب مجلسة حتى نهاية المحكية)). هكذا يقع المتن الروائي بين فقرتين أو ــ على الأصح ــ فقرة مكررة ومعدَّلة قليلاً. ولكن حضورها في بداية النص وفي نهايته يجعل طرفيْها بمثابة فكَّي كماشة. في البداية دعوة ودعاء وتشويق للاستماع إلى حكاية امرأة لم نعرفها بعد، بينما وقد أصبحت معروفة في نهاية الحكاية، فإن الكتاب الذي بدأ مسطراً، قد انتهى محبراً لمنازل امرأة اسمها: "حروف الزين". اسمها الأصلي "شريفة" لكن أباها الذي كان يهوى قراءة الكتب والشعر اختار لها هذا الاسم الذي يحمل شحنة من القدسية في الحروف، كما ترتسم في الذهنية الشعبية، مضافة إلى الزين التي هي صفة لكل جميل مليح. ومن الموروث عندنا أن ما يشكل قسمات الوجه عادة ما يشبَّه بالحروف فيقال "فلانة حروفها زينين" وهم يقصدون العين والحاجب وسواهما، كما يقال: "الحاجب نون" وهذا التصوير الذي تنمحي فيه الحدود بين حروف الوجه وحروف الكتابة، إنما مصدره منزلة الجمال وما يحظى به من تقدير. ولعله ما جعل الخطَّاطين يجتهدون ــ عبر العصور ــ في إضفاء هذه المسحة الجمالية على الحروف وتفنَّنوا في تشكيلها. وفي هذا السياق تأخذ التسمية هذه الدلالة المزدوجة، فهذه المرأة لجمالها يحق أن توصف بأنها "زينة الحروف" ولأن ما ستحكيه هو في نهاية المطاف "حروف زينة". تخلو إلى المرآة تقرأ ذاتها وتمتد إلى ذوات الآخرين ومن خلالها يقودنا "أمين الزاوي" عبر خمس عشرة محطة قصصية تتابع كالتالي: 1 ــ اختار لها أبوها اسماً جديداً "حروف الزين". تسافر إلى تركيا حيث تلتقي بأنطونيو ليفترقا بلا أثر، سوى أنها كانت تهوى إطلاق الزرازير على خلاف أولئك الذين يذهبون إلى تركيا لممارسة التهريب. تتذكَّر علاقتها بزوج أختها يعقوب وتبدو منشغلة بالمصحف وبالبحث عن علاقة محمد (r) بنسائه. 2 ــ هي في الطابق الرابع تتابع مسيرة الجبهة الإسلامية للإنقاذ، تصلها أصداء الشعار المعروف "عليها نحيى وعليها نموت" ويلفت انتباهها شاب تدعوه "مكحل العينين" كان دوماً يترقبها. 3 ــ تحاول أن ترسم شيئاً ويستعصي عليها الأمر، وسرعان ما تتذكر الشاب المهندس أخا يعقوب زوج أختها "فاطي". هذه الأخيرة هي أخت توأم لــ "حروف الزين" تعشق الشاب المهندس وتصاب بانهيار عصبي فيقلق زوجها على ابنتهما "هاجر". 4 ــ هي في بيتها ترقص مع عشيقها "ممو العين" وأثناء ذلك يتذكر أيام الخدمة الوطنية وموت أخته إلى أن تطرده خارج البيت ثم تندم. ولما تخرج لإعادته، يكون قد أخذ تاكسي واختفى. 5 ــ يعقوب يستدرجها إلى بيته في غياب أختها ويراودها عن نفسها وهي تتمنَّع وتستحضر "غورباتشوف" والبريستوريكا وكيف تخلى عن بابراك كارمال وعن الحكومة الوطنية في أفغانستان، ثم تخرج إلى السطح فتشاهد رجلاً وامرأة يمارسان الجنس. 6 ــ تتذكر أسرتها المكونة من خمسة أفراد هم: الأب والأم والأخ والبنتان التوأمان. نعرف أن أباها مزواج مطلاق، يمارس الجنس عند الفجر. يتزوج الفرنسية "جاكلين" ثم يطلقها بدعوى أنها كافرة. 7 ــ حروف الزين وأختها فاطي، استمرَّتا تترددان على جاكلين إلى أن ماتت. الأب يترك أطفاله لدى أمه ويرحل ليشتغل في مدينة أخرى في الجنوب. يتزوج هنالك ثم يطلق ثم يعود مرة أخرى ويحاول أن يسترجع أم أولاده لكنه يجدها قد تزوجت، وينتهي أخيراً إلى الزواج من زهرة جارة والدته. وهنا أيضاً، نتعرف على أخيه المختل عقلياً نوعاً ما والذي يفضلون أن يسموه "قمر الدولة". 8 ــ في هذه المحطة تذكّرنا بأنها جاءت إلى المدينة لمواصلة الدراسة. وفضّل يعقوب أن تقيم عنده لنية مبيَّتة. أحياناً تصف لنا المطعم الذي في الطابق الأول، وأحياناً تصف المشهد الجنسي بين رجل وامرأة في غرفة مقابلة أو حين تسمع ما يجري بين يعقوب وأختها على السرير ليلاً. 9 ــ تخرج إلى الشارع، تصف المارة، تشتري سجائر، تصنّف أصحاب التاكسيات، تحدثنا عن الغزالة المحشوة التي أهداها إياها "ممو العين" وعند عودتها تخبرها الجارة بأن "ممو العين" قد حضر ليزورها ولمَّا لم يجدها انصرف لمشاهدة فيلم ثم عاد بعد ذلك، لقد جاء في عطلة من الصحراء لأنه في الخدمة الوطنية. تصوِّر ما جرى في الغرفة. و"ممو العين" يحكي عن الخدمة الوطنية وعن علاقته بالضابط الذي تزوج ثلاث نساء الأولى أيام حرب التحرير والثانية مكناسية طُردت حين طُرد المغاربة من الجزائر، والثالثة تقيم في إسبانيا ولم ينجب سوى البنات. يبدو أن "ممو العين" دفع ثمن عطلته جنسياً مع هذا الضابط. 10 ــ يعقوب طلق "فاطي" وهي تحكي له قصة الشام من خلال "صموئيل" الذي يسكن مع "نانا"، جينا أو جينيفييف" نجا من حادث سيارة واستغلت "نانا" ذلك لتصفه بالعجز الجنسي وتستأثر به وحدها. 11 ــ تستمر في الحكْي على لسان "صموئيل". كانت "نانا" ترغب في أن تورِّث "حروف الزين" لكن هذه الأخيرة تفضل أن تعود الثورة إلى "صموئيل". توفيت "نانا" فغادرت "حروف الزين" و"ممو العين" ذلك المكان ولم يبق بجوار "صموئيل" سوى بدر الدين القاضي وعانستين. 13 ــ "ممو العين" طال غيابه هذه المرة فسافرت إلى مدينة "بشار" للبحث عنه. في الطريق تلتقي بصاحب التاكسي المهذار وبأمريكي وإيطالييْن. وعند وصولها تشرب الشاي عند شيخ عارف بتاريخ الذباب وأنواعه، وتكتشف أخيراً أن الإرهابيين اعترضوا حافلة وذبحوا ثمانية من الجنود كان بينهم "ممو العين". 14 ــ بعد عودتها إلى "وهران" تحكي قصة "عمي مزيان" الذي ورث من "كلوديل" رواقاً للفنون التشكيلية، لكنه اضطر ــ تحت الضغوط ــ إلى تحويله إلى دكان للمواد الغذائية، وذات يوم نقلت إذاعة البحر الأبيض المتوسط خبر تفجير هذا المحل. 15 ــ كان من آثار الانفجار أن ظهرت ((الجريدة المحلية تتصدرها صورة عمي مزيان إلى جانبه الإرهابي الذي انفجرت فيه العبوة الناسفة وهو يهم بوضعها داخل الرواق إنه هو: "مكحل العينين")). ص 207 ــ 208. إن الكاتب إذ يستعمل المرآة، فلأنها توفر الخلوة. وهي ــ بدورها ــ واسطة لتبرير الخطاب الداخلي. ولكن العملية ليست انغلاقاً على الداخل/الذات، بقدر ما هي انفتاح على الآخر. فالمرأة/الراوية في الوقت الذي تقرأ ذاتها ذوات الآخرين. وهي أيضاً نقلة نوعية في الكتابة الروائية بالجزائر بالقياس إلى فترة السبعينيات من حيث انتقالها من الخطاب الأيديولوجي/السياسي الصارخ ــ الذي يتحدث عن الآخر بوصفات مخططة مسبقاً تختفي فيها الذاتية لتحل محلها النبرة الشعارية التقريرية ــ إلى التمحور حول الذات المبدعة المشعة على المحيط. وإن فعل الكتابة نفسه نتيجة خلوة تؤدي فيه الذاكرة الدور الحاسم. ومن الطبيعي أن ينقطع حبل التذكر من حين لآخر بحكم مستلزمات الواقع العيني من جهة، وبسبب محدودية الطاقة الإنسانية التي لا تمكِّن من أن يظل التذكر خيطاً متصلاً متواصلاً. من هنا جاءت المقطوعات القصصية بمثابة محطات توقف أو استراحة للتزود بنفس جديد يضمن الوصول إلى المحطة الموالية، وبقي السارد بمثابة جسر طويل يربط بينها جميعاً، أو أشبه بخيط يلملم حبات العقيق لتشكل في مجموعها عقداً متكاملاً. نسرح مع "أمين الزاوي" ومن خلال "حروف الزين" في عالم تتعدد شخصياته وقد تزيد عن خمس وعشرين. فيهم الأمي والمتعلم والمثقف والشيخ والشاب والطفل والرجل والمرأة والماركسي والمسيحي.. الخ. والغالب أن تكون "حروف الزين" هي الراوية والمروي عنها والمروي لها، وقد تتحول إلى متلقية ليصبح الراوي هو ممو العين أو صموئيل أو عمي مزيان. لذلك تتنوع الضمائر من غائب إلى متكلم إلى مخاطب، وتتداخل الأزمنة بين ماض وحاضر ثم حاضر فماض، ولكن في النهاية ترتسم في الذهن ملامح واضحة عن كل شخصية وعن المسار الذي سلكته. إن كل الشخصيات التي تحكي عنها "حروف الزين"، إما أنها التقتها أو عاشرتها، باستثناء شخصية واحدة بقيت معها على خط التوازي وهي "مكحل العينيْن" فهي لم تلتق به ولم تعاشرْه. وإذا كان فعل التكحُّل ينبئ عن مظهر من التصنع والافتعال، فإنه أيضاً علامة لأولئك الذين تطرَّفوا وأرادوا أن يتميزوا عن سائر أفراد المجتمع. البنية الروائية ذاتها باعتماد خط التوازي هذا، تجعل الشخصيات/المجتمع في كفة، وممثل التطرف الديني في كفة أخرى، وهو يعني التعدد والتنوع مقابل الأحادية، أو الحرية نقيض القمع والتقييد. ويمكن للقارئ أن يرصد ــ في يسر ــ ظاهرة تسود في الرواية وتتعلق بثنائية اللقاء/فراق بالنسبة للشخصيات التي تعد رئيسية. 1 يتبين من خلال النموذج أعلاه أن كل علاقة هي بين رجل وامرأة وتنتهي بفراق، سواء أكان الفراق عن طريق الطلاق أم الهجرة أم الموت أم لسبب آخر. مما يعني أن العلاقة في مجملها ــ أي باستثناء حالتي الموت ــ بُنيت على "جرف هار" فانهارت. ولعله جرف من الكذب والنفاق والتحايل والعادات البالية التي ما فتئت تكبِّل رغبة المرأة والرجل معاً. وتشير ثنائية اللقاء/فراق بتعدُّدها على سطح الرقعة الروائية إلى اختلالات تنخر كيان المجتمع وتفقده التوازن، وكأن النص في أحد وجوهه يمثل خارطة وطن يعاني من التشرذم والتشظِّي، فيسعى أفراده إلى البحث عن علاقات بديلة تقطع مع وضعية مفروضة، أملاً في تحقيق رغبة منشودة. ويكفي أن نتأمل قليلاً النموذج التالي للوقوف على العلاقة الهشة القائمة واتجاه العلاقة الجنسية المطلوبة. 2 بينما يمثل السهمان الأفقيان المتوازيان علاقة الأخوة بين يعقوب والشاب المهندس من جهة، وبين حروف الزين وفاطي من جهة أخرى، يمثل السهم الثالث الرابطة الزوجية بين يعقوب وفاطي. إلا أن اتجاه الرغبة الجنسية أو الطموح إلى إقامة علاقة بديلة ــ (يعقوب باتجاه حروف الزين، وفاطي باتجاه المهندس) ــ يقلب ميزان الأخوة ليشير إلى ما كان ينبغي أن يحصل. ومادام الذي حصل قد سار في اتجاه معاكس للرغبة الذاتية وتأسس على شيء من العسف والقمع فإنها رابطة واهية لا يمكنها أن تدوم. يبدو أن الميول الجنسية تمثل الهاجس الأساسي الذي يحرك الشخصيات، حتى إننا لا نكاد نصادف شخصية إلاَّ ويحضر معها مشهد جنسي. وما عدا حالات الزواج القليلة كحالة الأب أو يعقوب، فإن باقي الممارسات تتمُّ خارج الإطار الشرعي الزوجي، كما هي الحال بالنسبة لــ "حروف الزين مع ممو العين" و"صموئيل مع نانا" و"زوجة المصري مع أول قادم يطرق بابها". وقد يتعدى الأمر اللاشرعية بالمعنى الزوجي إلى الشذوذ كالذي حدث بين "الضابط وممو العين"، أو ما يحدث بين الشاب والكلاب التي يسهر على تربيتها ويرعاها. غير أن هذه المشاهد الجنسية المحْكية لا أثر فيها للتصوير البورنوغرافي الفج، بل تحضر في السياق بوصفها حالة اضطرارية أفرزها القمع والكبت، وكأنها تتضمن دعوة إلى أن الأمور لا تستقيم على كل المستويات ومنها المستوى الجنسي، إلا إذا تحقق مجال أرحب من الحرية. فهي وحدها الكفيلة بتحقيق الذات وإقامة التوازن وضمان التماسك السري فالمجتمعي، وإلا فإن رقعة الاختلال ستتَّسع أكثر فأكثر، وتزداد القيم انقلاباً. وبالرغم مما يعترض القارئ من أخطاء مطبعية من حين لآخر، إلا أن اللغة الطيِّعة التي يستعملها "أمين الزاوي" من السهولة بحيث تعين على الاسترسال. خاصة وأن يطعِّمها بصور أدبية ترفع التعبير من درجة المألوف إلى اللامألوف، من مثل قوله: ((فحالها كحال الماشي في الوحل بحذاء مثقوب ــ لم تعجبني سرسرته أي "التليفون" التي تشبه تدحرج صينية على سلالم رخامية ــ طار الكلام من فمي، كل الكلام، وصار اللسان بين فكي قطعة من خشب ــ مسحت العمارات المقابلة بعيني ــ ضاعت مني النساء الشاميات الجميلات المتدليات كالعناقيد من البالكونات والنوافذ الأندلسية، حين تحوَّلت نهودهن إلى زبيب يابس.. الخ)). حاولت "حروف الزين" أن ترسم شيئاً في البداية واستعصى عليها الأمر. ولكنها في الواقع كانت ترسم بواسطة الكلمات أو هي ــ على الأصح ــ اللوحة التي يرسمها الكاتب ولا تكتمل إلا باكتمال النص. وإنها إذ تمثل صورة "عمي مزيان" عاشق الفنون والجمال تمثل موقف الكاتب. ((حين نظمت حقيبتي وأردت الانسحاب قالت لي الغزالة التي خرجت من صمتها ومن موتها المحنط وكأنما انتصرت على القناص: لا ترحلي (...) وإذ هجم عليَّ صوتها ببحته التي ذكرتني ببحة صوت أبي عاشقي الأول.. أعدت جواز السفر إلى مكانه. وقابلت اللوحة التي لم تنته، أخذت الريشة وإذا ملامح عمي مزيان تبرز من تحت الخطوط ومن تحت موجات الألوان بقوة. كان مبتسماً كالغزالة)). الراوية: ص: 208. المصدر: يصحو الحرير، أمين الزاوي ــ سلسلة عتبات ــ دار الغرب للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، مارس: 2002 |