|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
المدخل الصحفي في الممارسة النقدية جان ألكسان في مثال ألف ليلة وليلة ـــ د. وفيق سليطين تتوقف هذه المساهمة عند أثر المدخل الصحفي في الممارسة النقدية، وتسعى إلى استكشاف أهمّ الخصائص المميزة لهذا المنحى في التناول، متخذة من قراءة جان ألكسان لـ"ألف ليلة وليلة" أنموذجاً لها، بهدف الكشف عن السمات العامة لهذا التوجّه المخصوص بالدراسة، في محاولة لتبيّن المنطلقات التي تحرّك القراءة، والأسس التي تبنى عليها، وصولاً إلى إقرار بعض النتائج اللازمة عن المدخل المشار إليه. وذلك ما يتبدّى من خلال الانصراف عن مركز النص إلى محيطه من جهة، ومن خلال العناية بالأصول والخطاطات التكوينية للنص المدروس من جهة أخرى، في توجّه يركز على الأوضاع الخارجية، ويتتبع مسارات التداول المختلفة في سياق النشوء والتحول والتوظيف الإيديولوجي السجالي، الذي يتجافى عن دراسة الخصائص البنيوية، والأساليب الفنية، والوظائف الجمالية والمعرفية، مكتفياً بالشرح والتعليق، بعد استيفاء العرض وتوصيف العمل في تاريخه الخاص وسياقه العام. 1ً ــ التقميش النقدي والأسئلة المكبوتة تبدو قراءة جان ألكسان الجديدة لـ"ألف ليلة وليلة"، من هذا الجانب، تجميعاً لآراء عدد من الدارسين في تتابع كاشف عن آلية تقديم الموضوع والنظر إليه، وعن المقاصد الموجّهة للعمل والمتحكّمة بسيرورته، على قاعدة الأداء الإبلاغي الموصول بطرائق العرض والتقديم. يبدأ ذلك مع استهلال الفصل الأول من الكتاب بحديث للدكتورة سهير القلماوي توجز فيه رأيها في حكايات "ألف ليلة وليلة"، ويتلو ذلك تقديم رأي الباحث إحسان سركيس من خلال كتابه "الثنائية في ألف ليلة وليلة"، ومن ثمّ يجري التوقف عند عمل "رينيه خوام" الحلبي الأصل، الفرنسي الجنسية، ليتم إلقاء الضوء على مجمل جهوده في هذا الإطار. في مقابل ما سبق يعرض الباحث، من جهة أخرى، للآراء المتحاملة التي ينسب مسعاها إلى غايات التحريف وسرقة التراث، ويحاول تفنيدها وفضح المضمر فيها، كما في مثال كتاب ميشيل جاك الصادر بالفرنسية، وكذلك في مناقشته لآراء بعض المستشرقين التي تنسب عدداً أو آخر من الحكايات إلى الأرمنية، أو إلى التركية، أو إلى الأصل الصيني. وفي سياق مواجهة التحامل والإغراض ينبري للتعريف بخلفية الحكايات العربية، ويذهب، من بعد، إلى الاستقصاء الميثولوجي، فيعود إلى كتب التاريخ لينقل عن الطبري من كتابه "تاريخ الأمم والملوك"، ويرجع إلى الكتاب المقدّس العبراني، وإلى مقدمة ابن خلدون، وكتاب المسعودي "فردوس الحكمة"، ليعرض ذلك كلّه على ما جاء في كلام شهرزاد، بقصد استخلاص بعض النتائج التاريخية أو سواها. وينتهي من ذلك، أحياناً، إلى القول بآراء غريبة مبنية على مقايسات لا تقلّ عنها في الصفة، كقوله عن "الحصان الطائر": "ومن المفيد أن نذكر ما روته شهرزاد من أن خاصرتي الجواد كانتا ترتعشان وتنتفخان وتعبّان الهواء عباً، فإذا بجوادنا يموج مرتفعاً بسرعة الطائر أو السهم، اضغط على البرغي تخفّ السرعة ثم يجمد الجواد في الجو كالطوافة، ثم ينحدر ويهبط على مهل فلا يهتزّ ولا يرتطم، أليس هكذا تتحرك طائراتنا اليوم"، ومن ذلك أيضاً قوله عن الساحر الذي قدّم رجلاً من ذهب مرصعاً بالحجارة الكريمة، وفي يده بوقٌ من الذهب، يستطيع أن يحمي المدينة، وأن ينفخ في بوقه منذراً قبل وصول العدو.. "أليس هذا ما نسميه اليوم [الرادار]؟". في ختام هذا الفصل من الكتاب، وهو الخامس، يسجل ما ورد في مجلة "بلاي بوي" الأمريكية من أن مفاجآت كثيرة تنتظرنا، منها اكتشاف كومبيوتر ما قبل التاريخ، وهذا ما ظهر ــ بحسب الرأي المنقول عن المجلة ــ في آثار مذهلة انتشلها صيادو سمك أغارقة بشباكهم من أعماق البحر. يسوق الباحث ذلك دون أي تعليق. وفي الفصل السادس يتوافّر على تعريف "ألف ليلة وليلة" في لغات العالم، فيورد ثبتاً بالترجمات المنجزة إلى الفرنسية والإنكليزية والألمانية والإسبانية والروسية...الخ، ويتتبع أثر "الليالي" في أعمال مفكري النهضة وسواهم. ومن خلال ذلك التتبع يقدّم مدوّنة واسعة عن الكتاب، نرى فيها خليطاً من الأقوال والآثار والتخريجات، يتخلّله إثبات مقاطع من بعض الحكايات، أو الاستشهاد بعيّنات حكائية، أملاً في تظهير دلالة أو أخرى. وهو ــ لا شك ــ جهد استقصائي يقوم على ركيزة من قواعد العمل الصحافي وآلياته في التناول الذي لا يخلو من تغييب أسئلة المنهج، وخطوات المحاكمة والاستنتاج والبرهنة، تحت الحضور الكثيف للمعلومات المتراكمة، التي تلفت إلى ذاتها فتحجب غيرها، وتكتفي بتغطية موضوعها تغطية إخبارية تقوم على تدفق في إيراد الأعلام والكتب والتواريخ والمنقولات، دون أن ينتظم ذلك في بناء متقن ينهض على أسس واضحة، ودون إدارة بحثية تتماسك على محاور أساسية، بحيث يمكن أن يتصل بعضها ببعض في لحمة واحدة تتأسس على قواعد وإجراءات، أو على مقولات تصنيفية من شأنها أن تنتج الدراسة على نحو منهجي متسق. 2ً ــ التكوينات النصيّة وتوجيه المنظور يتولّى الباحث في عمله هذا تحرّي أصول الحكايات، جرياً على الدراسات السابقة المؤتلفة أو المختلفة في ردّها إلى أصول هندية أو فارسية أو عربية، ويتابع في هذا المسعى ما ذهب إليه بعض الباحثين من أن هذه المجموعة من الحكايا قد تكاملت في مصر خلال القرن الرابع عشر وأوائل القرن الخامس عشر الميلادي، وإن كانت شواهدها الأولى ترجع إلى القرن العاشر. ولما كان النص هو حصيلة عملية تكوّنه، كان من الطبيعي أن ينصبّ جهد الباحث في هذا المنحى على تقصّي شواهد سيرورته وآثار ولادته ونموّه، وصولاً إلى اكتماله النصّي في طبعته الأولى المعتمدة لديه. وهي الصادرة في كلكتا بالهند إبّان القرن الثامن عشر. على هذا النحو تتوافر قراءة جان ألكسان لنصّ "الليالي" على معاودة النظر في السيرورة المشار إليها، بدءاً من الكلام على الأصول، ثم على ما لحق بالحكايات من تحوير وتشويه، وانتهاءً بما وصلت إليه من أشكال الاستقرار في صيغتها المتداولة. وعلى سبيل النهوض، نوعاً ما، بإعادة بناء هذا المسار يتوقف عند عدد من الشواهد المعتمدة في الدراسات السابقة، ومنها إشارة إحسان سركيس إلى كتاب حكايا فارسي ترجم إلى العربية في القرن الثامن في بغداد، هو كتاب "الألف حكاية" الذي يتضمن حكايات هندية وفارسية، وقد جاء تحت عنوان "كتاب الألف ليلة". ومن المرجّح في رأيه أن هذه المجموعة أخذت بالتنامي في مصر وسورية، وقد تعرّضت للتحويل والتغيير، فاختصرت وتبدّل نظامها، ولم تكفّ بعد ذلك عن التطور، فأدخلت فيها، من بعد، مجموعة من النوادر والأساطير والمغامرات تخضع لرؤية واحدة، وبيئة واحدة، هي بيئة عربية مخصوصة في حقبة من تاريخ الأمة. وعلى هذا الغرار حدث أن تعاورتها جهود وإسهامات كثيرة بالتعديل والحذف والإضافة في هذا المجرى الذي يسرّ انتقالها بين حضارات مختلفة. ومن ذلك ما يلفت إليه ألكسان اعتماداً على جهود "رينيه خوام"، وعلى إشارات بعض الباحثين في تتبّع سيرورتها من المصدر الهندي الذي انتقل إلى بلاد فارس قبل وصوله إلى العرب، إذْ أعيدت صياغته قبل حلول الحقبة الإسلامية، فضلاً عن أن هناك حكايات مختلفة يرجَّح أنها ترجع في أصولها إلى مصر القديمة وبابل واليونان...الخ. في متصل هذه المتابعات القرائية لتكوينات (الليالي) تجري الإشارة إلى وجود حكايات مصرية نشأت في فترة حكم المماليك، وإلى حكايات بغدادية اتخذت مكانها في "ألف ليلة وليلة" بدءاً من القرن التاسع بدلالة الأسماء العربية الواردة فيها، مثل هارون الرشيد والأمين والمأمون وأبي نواس وإبراهيم الموصلي وابنه اسحق. ومن هذه الزاوية في التقصّي ينعطف ألكسان إلى تدقيق نسبة بعض الحكايات إلى "ألف ليلة وليلة"، مناقضاً ما ذهب إليه أنطوان غالان الذي ترجمها منسوبة إلى ليالي "ألف ليلة وليلة"، كما في مثال "علي بابا والأربعين حرامي". و"علاء الدين والمصباح المسحور" وغير ذلك. وعلى موقعها في ثقافته، وعن أثرها في الأدب العالمي عموماً. ومن الواضح أنه في كلّ ما سبقت الإشارة إليه يركز منظوره على الإسهام العربي، ويرى من خلاله، وينخرط في السجال إثباتاً ونفياً، ويحشد ما وسعه من الأقوال والتفاصيل والإشارات الدالة على عمق الأثر العربي الذي يطبع نص "الليالي" متفاعلاً مع ما سبقه، ومطوّراً له بكيفيات خاصة بالذات القومية وتاريخها الحضاري الذي تتقاطر علاماته من بغداد ومصر وسورية. وفي العنوانات الداخلية لفصول الكتاب تأكيد لهذا النزوع، كما في عنوان الفصل الرابع "إنهم يسرقون علي بابا"، وفي الفصل الخامس الخاص بالاستقصاء الميثولوجي لكنوز ألف ليلة وليلة. وعلى الرغم من الجهد الواسع الذي يبذله "ألكسان" في تتبع هذه المسارات، فإن الملاحظة الأساسية التي تسود عمله، هي أنه يدور في فلك المنجز من الدراسات التي انبرت للخوض في هذا المضمار. ومن هنا كانت تبدو أقواله تقميشاً لعدد من آراء الباحثين واجتهاداتهم في قراءة "ألف ليلة وليلة"، على أن ذلك لا يرفع عنه فضيلة التوافّر الجدّي على إغناء البحث بالجمع، والتنسيق، والمقايسة، والتعليل، في وصله بين الجهود المتناثرة، وفتح بعضها على بعض، وتخصيب بعضها ببعض، من داخل هذا التوجه البحثي المنشغل بالتكوينات والسيرورات والمآلات التي انتهت إليها حكايات "ألف ليلة وليلة". وربما كان في ذلك وسواه ما يصل عمله بإجراء المسح الصحفي الذي يتوخى تغطية موضوعه والإحاطة بإطاره العام ومفاصله الأساسية على هذا النحو من التقصّي والشمول. 3ً ــ من النقد التكويني إلى التحصيل المداري في منطلق النقد التكويني أن النص النهائي للعمل الأدبي هو محصلة إنشائه التدريجي، ولهذا قد تكون هناك مجموعة وثائق كتابية تسبق تحقق النص، وقد تتغيّر، كماً ونوعاً، حسب المؤلفين والعصور والأعمال التي هي موضوع البحث. وعلى أساس من هذا التعريف يمكن أن نعدّ قراءة جان ألكسان لنص ألف ليلة وليلة، من بعض جوانبها، ضرباً من هذا النقد الذي يُعنى بإبراز خصوصية النص من خلال الكشف عن السيرورة التي انتهت به إلى ما هو عليه من تحققه واكتماله. وخلاصه هذا التوجّه أن توضيح المسار الذي سلكه العمل الأدبي في تناميه، بما يتطلبه ذلك من توضيح لمجمل القضايا أو العمليات التي تحكّمت في ظهوره، هو مشروع هذه المقاربة النقدية. وإذا كان صاحب القراءة الجديدة، التي نحن في صددها، قد استفاض في جانب أو آخر من جوانب هذا التوجه القرائي، فإن ذلك كان على حساب غيره من الجوانب التي تتصل بتكوين النص السردي، وبما خضع له من تعديلات فنية وأسلوبية، ومن ممارسات تقنية تمسّ البناء وتعيد توجيه الرؤيا الثاوية فيه، فتنحرف بها نسبياً، أو تطوعها كيفياً لمقتضيات رحلة النص وتمايزه التكويني بين البيئات الحضارية المختلفة، ولذلك بقيت أسئلة أساسية من هذا النوع معلقة بين جنبات الدراسة، ولم تنل حقها من التدبّر والإشباع. وفضلاً عن ذلك، فإن جان ألكسان لا يلتزم في قراءته بهذه القواعد، فقد يبدأ بها هنا، وينصرف عنها هناك، في انتقال كيفي بين فصول البحث، فمن الفصل الأول المنعقد حول أصول الحكايات، ننتقل في مثال الفصل الخامس إلى بحث إمكانية المطابقة بين الداخل النصّي والخارج الموضوعي، أو إلى قياس عناصر حكائية من مكونات "الليالي" على رقعة من التاريخ والجغرافيا، بقصد التنسيب القومي وإنتاج المقولات الخاصة التي يمكن ترتيبها عليه. وهنا ــ كما في غيره من التفاصيل المشابهة ــ تتكشف إشارات التوجّه الإيديولوجي في جاهزيات التناول وأغراضها المسبقة، وهو ما يكسب عمل "ألكسان" شحنة سجالية من جهة، ويصرفه عن الخط الأساسي للبحث من جهة أخرى. مما سبق، يلاحظ أن قراءة "ألسكان". أنتجت حصيلتها المركّزة على محيط النص، دون أن تتعمق في لحمته الداخلية، أو في طبقاته السردية، فبقيت تتحرك على مداراته وسطوحه، وتراكم ما استطاعت من المعلومات اللازمة، تأييداً أو تفنيداً، في الوقت الذي كانت تكتفي بتسريب بعض الحكايات إلى متنها لمجرد العرض أو الاستشهاد، كما هو الحال في الفصل الثاني الذي يحكي لقاء شهرزاد بشهريار، وفي الفصل الرابع الذي يبحث ويساجل في حكاية "علي بابا". وعلى خلاف ذلك ينصرف الباحث من تقصّي التكوين إلى تعقب الرحلة إلى الغرب، عارضاً ومقارناً ومنتجاً للأثر في استقبال الآخر له. وإذا كان في هذا المنحى ما يميّز عمله حقاً، وخاصة في الفصل السادس، الذي يعرض فيه لـ"ألف ليلة وليلة في لغات العالم"، فإن ثمّة مأخذاً يمكن أن يسجَّل عليه، ألا وهو نقص المدوّنة المرجعية، المتمثل بتغييب كتاب أساسي وضروري في هذا الموضع من البحث، هو كتاب "ألف ليلة وليلة في نظرية الأدب الإنكليزي" لمؤلفه د. محسن جاسم الموسوي، الذي يتولى بحث هذا الموضوع من عام 1704 (تاريخ ترجمة أنطوان غالان لألف ليلة وليلة) إلى عام 1910م. لقد بدأ الباحث عمله بالإشارة إلى الجدل الذي بلغ حدّ الفضيحة في مصر عام 1985، وانتهى إلى المطالبة بإدانة الحكايات بتهمة الفسق والمجون والإفساد الأخلاقي، وكانت النتيجة حرق آلاف النسخ من الكتاب، وهو ما أعاد إيراده في ختام كتابه تقريباً، وذلك في الفصل الثامن الموسوم بـ"شهرزاد تعدم حرقاً" وفي ردّ هذه النهاية على البداية التفات إلى خط العمل الأساسي من جديد. وهو ما يمكن إخضاعه لآليات النقد التكويني، التي ألمحنا إلى انخراط "ألكسان" في مدخلها نسبياً، على النحو المفضي إلى تقصّي سيرورات الثقافة، وبحث آثر المحيط ومتغيرات التاريخ الاجتماعي في مآلات "الليالي" بضرب من التناول التكويني الاجتماعي ينعطف على ما بدأ به جان ألكسان في قراءته الجديدة لـ"ألف ليلة وليلة". |
|
| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |