مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 445 أيار 2008
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

قراءة في قـصـص العـــ(443)ــدد ـــ محمَّد قرانيا

ضمّ العدد (443) من مجلة الموقف الأدبي، لشهر آذار عام 2008 سبع قصصٍ، مرتبةً حسب ما يأتي:‏

أولاً: للراشدين فقط. قصة: حمدي البصيري‏

ثانياً: يا هو.و.و. قصة: نزار نجار.‏

ثالثاً: زهرة الشغف. قصة: أيمن الحسن.‏

رابعاً: ليلة في سجن الخليفة. قصة: زياد علي.‏

خامساً: رجل على ناصية شارع. قصة: عصام وجوخ.‏

سادساً: عصفورية. قصة: محمد بدر جبور.‏

سابعاً: غريب يتحدّث لغتي. قصة: مريم عبارة.‏

* * * * *‏

أولاً: للراشدين فقط. قصة: حمدي البصيري‏

يلتقط الكاتب حدث قصته وشخصيتيها الرئيستين من الواقع الاجتماعي الراهن، على الرغم من استلهام اسمي الشخصيتين؛ الذكر والأنثى، من التراث العربي، فاسما "جميل"‏

و "بثينة" يعيدان إلى الأذهان حسّ الانتماء، والهوية العربية، التي بدت في سلوك شخصيتي القصة المعاصرتين باهتة الملامح، بينما هما في التراث العربي الخالد تحملان دلالةً عشقيةً، وحكايةً غنائيةً حَدَتْ بها الركبان، وتناقلتها الألسن شفاهةً وكتابةً، حتى غدت سيرة حبّهما العذري مضرب المثل في الحبّ والإخلاص وشفافية العلاقة.‏

إن "جميل" و "بثينة" المعاصرَين صار للحبّ عندهما معنىً آخر، فلم يكن لحبّهما ذلك الصدى الرومانسي الذي تمور فيه العواطف الإنسانية المجنّحة، وتتشظّى نداوةً وتفانياً آسراً.. وإنما كان حبّاً جافاً جامداً، وذلك بسبب التحوّلات الاجتماعية الساحقة، ومعطيات العصر التقنية، بإيجابيتها وسلبياتها ، التي سلبتهما جمالية العلاقة الزوجية، وأطفأت شعلة التواصل الجسدي، فالشاب "جميل" ظل مدّة عشرين عاماً يكتب في الجريدة نهاراً، ويعمل سائق سيارة أجرةٍ ليلاً، ويدّخر المال، حتى استطاع أن يحصل على بيتٍ في الجمعية السكنية للصحفيين، فلما آل إليه البيت أدخل إليه جهازاً حديثاً لاستقبال المحطّات الفضائية، ينسى أمامها آخر الليل مع زوجته تعب اليوم الطويل.‏

إن دخول التقنية الحديثة البيوت، وبالأحرى مخادع النوم، وما نقلته من برامج فاضحةٍ، عمل على تشكيل ثقافةٍ جديدةٍ، على حساب قيمٍ عربيةٍ راسخةٍ، فـ"بثينة" التي تعتزّ بمنبتها البدوي، وهويتها العربية، بادلت "جميل" الحبّ، ولكنها بعد أن دخلت الفضائياتُ البيتَ، صارت تقضي وقتها أمام الشاشة المبهرة، وكانت أحاديث النساء مدار اهتمامها: "مجموعةٌ من النساء الجميلات حيّينها ضاحكاتٍ، فتكلمت معهن، وشاركتهن شرب القهوة الحلوة، وأكلن بعضاً من موالحها.. أطلعتهن على مذكراتها الخاصة.. كيف التقت جميل وهام بها، أشعاره فيها، حكايا الرواة عنها، تداولن مذكراتها فيما بينهن، ومزقنها بأيدٍ مرحةٍ.. صنعن منها مراوح وزوارق وطائراتٍ ورقية، وأغرينها بالرحيل إلى عالمهن الساحر، تمنّعت بثينة، وتمسكت بفارسها جميل، تعاطفن معها، وأشفقن على الحب الذي كان. قاطعتهن: "سيبقى".‏

إن الكتابة بالرمز حملت فنيتها الجمالية، بتعبيراتها الإيحائية ذات الظلال الوارفة، فقول الكاتب " تداولن مذكراتها فيما بينهن، ومزقنها بأيدٍ مرحةٍ.. صنعن منها مراوح وزوارق وطائراتٍ ورقية.." ينمّ عن إتقانٍ للرمز، ودرايةٍ بالتعامل معه، وإجادة لعبة الرمز والقناع، وتضمينها الرسائل المُرَّة عبر السرد، فنساء الشاشة عملن على طمس الهوية الأصيلة ومزقنها، وعبثن بها، وحاولن منح المرأة هويةً جديدةً، لكن"بثينة" ظلّتْ تحافظ على الخيط الذي يربطها بأرومتها التي نبتت منها. فجسّدت الشاشة ما يحدث في الواقع، وعبّرت عن طغيان الصورة المتحرّكة الوافدة، التي تكثّفت مهمّتها في خلخلة القيم المتوارثة، حين تغري فاتناتُ الشاشة المشاهدَ بأسلوب حياتهن المتحلّل، وبدعوته بصورةٍ مباشرةٍ وغير مباشرةٍ إلى سلخ جلده، والعيش في زمنه، وبتْرِ أيّ صلةٍ بماضيه، لقطع كل آصرةٍ تربطه بثوابته التي ترعرع عليها، وتثقّف بثقافتها.‏

لقد استطاع الكاتب ببساطةٍ متناهيةٍ، أن يرسم لوحةً اجتماعيةً حادّةً لواقعٍ ميؤوسٍ منه، مهّدت له تلك المقدّمات المتحلّلة بعبثيّتها ووجوديتها، فغدت المرأة، ومن ثم، الرجل،أكثر مرونةً في الانقلاب على السلوك التقليدي الرصين المتعارف عليه، فالزوجة على الرغم من تشبّثها بخيوط الماضي، تأثّرت بعروض الشات، فتعلّمت من فاتناتها أصول استقبال الزوج، وأسلوب التعامل معه، وإثارته آخر الليل، وأجرت الإجراءات التجميلية اللازمة على جسدها تبعاً للمواصفات الحداثيةٍ، وقد ظنّت أنها وحدها من يتأثّر بذلك، وتجهل أن زوجها، هو الآخر، يعود عند منتصف الليل متعباً، وفي نفسه رغبةٌ إلى ما يرفّه به عن نفسه، وكانت وسيلته إلى ذلك فاتنات الشاشة أنفسهن، فحينما أعدّت "بثينة" نفسها لليلةٍ ممتعةٍ حسب المواصفات المطلوبة، وهمّت بالدخول على زوجها وهي في أوج زينتها التي تعلّمتها من التلفاز، فوجئت وفغرت فاها من الدهشة، وقد رأت "النساء اللواتي تعاطفن معها، وعلمنها كيف تغدو أجمل النساء، النساء اللواتي شكت إليهن أمر جميل، فعلمنها كيف تعيده إليها فارساً، النساء اللواتي شاركنها شرب القهوة وأكل الموالح، النساء اللواتي أطلعتهن على مذكراتها الخاصة جداً، النساء اللواتي مزقن مذكراتها ضاحكات، وصنعن زوارق وطائراتٍ ورقيةً، النساء الخائنات، يتأوهن عرايا أمامها ويخنّها في بيتها مع جميل، الذي أفرط ذكورته المتوارية منذ شهور عديدةٍ أمامهن، متوسلاً فقط أن يخرجن إليه، ويمنحنه فرصةً..".‏

تجلّت اللعبة الفنية في القصة في انطلاق الكاتب من بنيةٍ تراثيةٍ عشقيةٍ، ثم شدّ بأطراف القصّ إلى منطقة الواقعي الحداثي، فصارت الشخصيتان خاضعتين للمعايير الرائجة، عوضًا عن السحرية والحلم والخيال. وخلال هذه العملية "الاستبدالية" نلمح رؤية الكاتب في الرسالة التي يمرِّرها عبر النصّ، وفحواها أن معطيات الشاشة خداعٌ وشَرَك، ينصبه الآخر لنا، وذلك بتجميل الحياة، كي ننسى اقتناعاتنا، ومشكلاتنا الكبرى، ونحيل الأمر إلى قوى حداثيةٍ تمسك بأيديها خيوط اللعبة.‏

بدت القصة متماسكةً فنياً، وقد تكاملت وحدتها العضوية في تركيزها على الحبّ في زمن العولمة، واستهلاك الإنسان أمام متطلّبات العصر، وقد عملت تقنية المفارقة على إظهار البعدين التراثي والعصري، وتباين النظرة الاجتماعية لأسلوب العلاقة بين الرجل والمرأة بين الأمس واليوم، وقد أحسن الكاتب حين جعل "بثينة" المعاصرة تحمل اسماً خالداً وتتشبّث به، وهي لا تحمله اعتباطاً، بل تعي دلالته وتعيش معناها إلى حينٍ؛ فترفض أن تجاري صويحباتها الحداثيات في ما يرمين إليه، وهي التي انطلقت من حارات دمشق التاريخية، المحيطة بالجامع الأموي، التي تحفل بجماليات مكانيةٍ أثيرةٍ، وتوحي بمعانٍ أصيلةٍ، هي امتدادٌ للبادية العربية التي شهدت الحبّ العذري العفيف للثنائي العشقي"جميل" و"بثينة".‏

لقد خرج الجسد العربي عن مبدأ التسامي الفطري، ودخل متاهةً جديدةً ناتجةً عن الإغراء والافتتان والتبادل داخل أنظمة التواصل وقيم الاستهلاك، بمعنى أنه دخل مفتعِلاً أنظمةَ العلامات ومسارات التداول، وصار (إيروتيكياً) في العلامة وليس بالرغبة، وفي (الموضة) لا بالعضوية الطبيعية، وفي التمثّل والتبادل، لا باللذة والإرواء الحقيقي.‏

تدين القصة الثقافة الاستهلاكية، وتأخذ على الإنسان المعاصر انصرافه عن الجوهر الإنساني إلى العرَض المبتذل، فبرامج الإثارة "سلبت الرجل ذكورته منذ شهور عدّة" كما سلبته من زوجته. وسلبت من الزوجة جمالها الروحي الذي يعدّ منحةً إلهيةً في طبيعة المرأة وإحساسها المرهف النابع من فطرتها الوجدانية المترعة بجمالياتٍ شعوريةٍ هادئةٍ.‏

لكن ما يثير الانتباه هنا، خلوّ البيت من الأولاد، الذين يمكن أن تنعكس عليهم ثقافة التلفاز قبل غيرهم، بمعنى أن الحياة الزوجية التي رصدتها القصة- على الرغم من تطاول الزمن- لم تتمخّض عن إنجاب طفلٍ، أو التلميح إليه على الرغم من الحبّ الذي شغل الزوجين عن كل شيءٍ في مقتبل العمر.. و"بثينة" التي أصرّت على الاحتفاظ بزوجها، وأكّدت بقاء حبّها ودوامه، انجرفت–من حيث لا تدري- وراء ارتداء الثياب المثيرة: "وشدّ الصدر بحمالةٍ أصغر من مقاسه، ليتحفّز أرنبا الصدر، وزمّ الشفتين، وتمرير أحمر الشفاه عليهما. والتطيّب بالعطر.." ولكنها لم تتحرّك فيها عاطفة الأمومة مرّةً واحدةً. وكذلك الزوج الذي تمثّلت فيه خصوصية العنوان "للراشدين فقط" لم يفكّر مرّة في أن يصبح أباً، قبل أن يفقد خصب الذكورة ويغدو أشبه بالشخص الخنثوي أو العنّين. فهل يرمز ذلك إلى أننا في زمن العقم العربي؟!.‏

ثانياً: يا هو.و. و. قصة: نزار نجار.‏

انطلق حدث القصة من سلّة الحياة المعاصرة التي تسيطر فيها أجهزة الإعلام الرسمية على جميع مرافق الحياة، وتفرض رؤيتها على المواطن، سواءٌ أكانت هذه الرؤية سليمةً أم من خلال مرآةٍ مقعّرةٍ.‏

نقلت القصة مشهداً من حيّ شعبيّ قديمٍ من مدننا العربية، واتخذت من (حارة النحاسين الحمَوية) أنموذجاً، فأهل الحيّ فقراء كبيئتهم التي تغصّ بالنفايات والذباب، ثم فجأةً، تنقلب الحارة رأساً على عقبٍ، فتُنظّف الطرق، وترشّ المبيدات، وتُزال القمامة، كل ذلك، لأن مسؤولين بربطاتٍ عنقٍ أنيقةٍ، وياقاتٍ منشّاةٍ سيدشّنون شقّ طريقٍ في الحارة، وستنقل عدسة التلفاز مشاهد حيةً من المكان، الذي شكّل أحد العناصر المكوّنة لبنية النصّ، وحدّد الإطار الذي يقع فيه الحدث، والمساحة المحدّدة التي تتحرّك فيها الشخصيات، التي تُبين عن بعديها الثقافي والاجتماعي.‏

كل ذلك كان مقبولاً في عالم الحارة التي تحتاج إلى أكثر من عملية غسيلٍ وتنظيفٍ كهذه، لكن غير المقبول لدى أهل الحارة البسطاء أن تأتيَ جماعة التلفزيون لتصوّر ما يجري، وتلتقي المذيعةُ الأنيقة ذات الساقين المثيرين والصوت الآسر أبناءَ الحارة، فتحوّلهم وهم يرفلون في فقرهم وحرمانهم إلى قبضايات يعتزّون بحارتهم التاريخية وأبنيتها الأثرية...‏

القصة لقطةٌ واقعيةٌ لجانبٍ من أجهزة الإعلام الرسمية، يهدف إلى إظهار المسؤول بمظهر المنقذ الحضاري، الذي يجاري متطلّبات العصر، ويغطي عمله بالشعارات، لكنه يتعامى عن الحقائق على الأرض، فالشارع الجديد الذي سيشقّ الحارة "هذا الشارع سيكون مفخرةً للحارة، للأجيال القادمة، شارع وأرصفة وكهرباء وماء..." مع أن أهلُ الحارة يرزحون تحت أعباء الحاجة.‏

وحين يتساءل سائلٌ عن الكهرباء المقطوعة والمياه المفقودة تتجاهل فاتنة الشاشة السؤال، وتغيّر الموضوع: "أنتم في الجنة. الحارة سيكون لها حديقة".‏

لقد غالت المذيعة الجميلة "منال" في إغداق الأوصاف الأسطورية على أهل الحارة والشارع الجديد، مما أثار حفيظة المخرج، فهمس بنـزقٍ:‏

"- كفى منال كفى!.‏

ثم تمتم :‏

- هذه المخلوقات ماذا أقول؟.‏

وحين أتت "أم علي" كأنموذجٍ لعقلية أهل الحارة الفطرية، تقدّم الخبز الطازج والقشدة إكراماً للضيوف الغرباء،أصرّ المخرج:‏

ــ هؤلاء المخلوقات لا همّ لها إلاّ بطونها!.‏

ثم أردف آخر:‏

ــ هؤلاء المخلوقات ألعن من الثعالب، وأرذل من العقارب الصفر في الصيف.".‏

إن جهاز التصوير الإعلامي، يدخل أعماق الشخصيات البسيطة، ينير جوانبها، لتنفتح بيسرٍ على التوق العابق بالحياة، بإيقاعها السريع، فتتقافز شخصيات الحارة، تعرض نفسها بطزاجتها وفطريتها وحيويتها، فبدت مخلوقاتٍ بدائيةً، لكنها تنبض بالحياة، وهذا جانبٌ من سرّ نجاح القصة، أيِّ قصةٍ، نظراً لتطعيمها بالحياة، ونبضها بالأفكار والرؤى، وثرائها بواقعيتها، التي صيغت بلغةٍ بسيطةٍ، لا تكلّف فيها، كثّفت تركيزها على سرد تطلّعات شخصياتها رغبةً في عرض الواقع، ومن ثم، تغييره، على الرغم من أنها تعيش حياةً دراماتيكيةً، وهذا ما أضفى على القصة جمالاً فنياً محبّباً.‏

ولقد عمل المقبوس السابق الذي يتأفّف فيه المخرج على فضح الدور الرسمي الذي يتقنّع أصحابه بأقنعةٍ زائفةٍ تُظهر عكس ما تخفي، تماماً كما تُظهر عكس حقيقة ما يجري على أرض الواقع. وبذلك تعرّي القصةُ الطبقة التي تمسك بزمام الأمور، والتي بدت أنها تعيش في وادٍ، وابن الحارة الشعبية المسحوق يعيش في وادٍ آخر.‏

ثالثاً: زهرة الشغف. قصة: أيمن الحسن.‏

العلاقة بين الأدب والفن والحبّ هو مدار قصة "زهرة الشغف" التي تحكي حال أديبٍ يبحث عن موضوع قصةٍ، يمزج ما بين الواقع والخيال، هرباً من الكتابة العادية، بوصف الأدب حالةً إبداعيةً، لذلك أخذ يطوف بالأماكن علّه يحظى بمبتغاه، حتى وجد نفسه فجأةً أمام المقبرة الكبيرة، حيث شاهد جارته التي فاجأته بحضورها، وبسؤالها: "عما يفعل مَن يريد قتل حبيبه الخائن؟" فينصحها بالنسيان، ثم تتناسل من اللقاء العابر قصة حبّ، بين السارد وجارته، التي يلتقيها ثانيةً في حديقة المعهد العالي للموسيقا، وقد أبدى إعجابه بجمالها، وأفضى لها بما يعتمل في قلبه تجاهها، فأعطته روايةً لقراءتها، تناسلت منها قصةٌ أسطوريةٌ جديدةٌ تحكي عن شابٍّ يحبّ فتاةً، لكنها تشترط عليه –حتى تبادله الحب- إحضار زهرة القمر. وزهرةُ القمر دونها أهوالٌ وأهوال، الأمر الذي يستحيل تحقيقه.‏

تشتغل القصة على الأسطورة التي تميّز بين الحبّ، وعشق الجمال، والفن، حيث يندفع الشابّ لتحقيق رغبة حبيبته، وإحضار الزهرة، فينسى في غمرة اندفاعه أنه بصدد كتابة قصةٍ، ويستغرق في جو شاعريّ، عاش الشابُّ العاشقُ في أجوائه، فإذا به–عندما وصل إلى الزهرة- يقع أسير عالمٍ جماليٍّ ساحرٍ، وقعت فيه حبيبته أيضاً: حيث "ظهر القمر قرصاً من الفضة.. وفتحت الزهرة أوراقها بشكلٍ خلاب وساحر، فأصابه الدوار، وكاد يسقط من طوله فاقداً الوعي، لكنه تمالك نفسه، حين ارتسمت حبيبته أمام عينيه، في ثوب زفاف أبيض، كأنها حقل ياسمين، فسكت كل شيء من حوله، إلاّ وجيب القلب"أما آن الأوان يا زهرتي؟".‏

وسرعان ما ابتسمت له، فأشرقت عيناه بالبهجة، كأنما هجره خوفه إلى الأبد، واقترب من الزهرة كي يقطفها، غير أن حبيبته حرّكت- بعصبية ظاهرة- شاهدة يدها اليمنى أمام شفتيها، طالبةً منه ألاّ يفعل، حتى لا يفسد هذه اللحظة الخلاقة.. ".‏

جسدت القصة حالة الصراع النفسي بين الحبّ والجمال، أو بين الجسد والفن، وقد بدا انحياز الكاتب إلى الفنّ، ولاسيما أنه ابتدأ القصة في البحث عن موضوعٍ مبتكرٍ للقصة، وقد التقى مع حبيبته في هذه الرؤيا، التي تنسجم مع الروح الشرقية، خلافاً لروح الحضارة الصناعية المتقدّمة التي عملت على تحوير دوافع الجسد الإنساني وغرائزه، فاستبدلت مبدأ اللذة بمبدأ الواقع، في حين ظلّ العربي يضع العلاقة بين الذكر والأنثى في مكانة تقديسية، وقد استجاب الشابّ لإشارة الفتاة، فلم يقطف الزهرة، مضحياً – بذلك- بتوقه الشبقي، ومنحازاً للجمال، وما التفاتُ العاشق الكاتب في نهاية القصة إلى قلمه وورقته سوى انتصارٍ للإبداع والفن، لكن القارئ الذي تُذكّره هذه القصة بقصة (بجماليون) ربما توقّع - عندما امتنع العاشق عن قطف الزهرة، أن تنطق الزهرة، وتقدّم نفسَها رسولَ محبّةٍ تجمع بين العاشقين، فالزهرة ما تمتعت بالجمال والأريج إلاّ لتبعث السعادة في النفوس.‏

ومع ذلك، فقد بدت القصة لوحةً شاعريةً، صيغت بلغةٍ إنشائية شفّافةٍ موحيةٍ وشائقةٍ، ورفلت بذهنيةٍ فنيةٍ/حضاريةٍ، لا تصوّر العلاقة بين المرأة والرجل بقدر ما تصوّر العلاقة بين الأديب والفن، وإن كان ذلك عبْر المرأة، كرمزٍ فني لتجسيد هذا التقابل بين الذكورة والأنوثة، من خلال رؤيةٍ للعالم قوامها التصوّر الجمالي الذي يستند إلى الموهبة وعشق الفن الإبداعي.‏

رابعاً: ليلة في سجن الخليفة. قصة: زياد علي.‏

ثمانية مشاهد، أو ثماني لوحاتٍ إنسانيةٍ لكنها حالكة السواد، تنطق عتبة العنوان بفحواها، فالسجن المضاف إلى اسم علمٍ أشبه بالأيقونة، هو مأوى"العزيز الذي استعمره الحزن" والحياةُ داخل السجن قهرٌ وامتهان.‏

جسّدت اللوحة الأولى مفهوم العدالة لدى الطالب خليّ البال، وهو يدرس الحقوق في السنة الجامعية الأولى، وقد وجد أن كلمة (العدالة) التي يضعها في مرتبةٍ تلي القداسة، لا وجود لها إلاّ في ورق الكتاب، ترميزاً لنقاء الشابّ وشفافيته.‏

أما اللوحة الثانية، فقد أتت على الفوائد التي يجنيها الطالب من الدراسة الجامعية، وأهمها الحبّ، وإقامة علاقةٍ عاطفيةٍ مع إحداهن. في ترميزٍ لخواء الحياة الجامعية.‏

وتعرض اللوحة الثالثة لحال الإنسان العامل في مكانٍ عامٍّ، وهو يتزلّف لابنة المسؤول، متجاهلاً الآخرين، وكأن المسؤول وابنته مدار الكون. في ترميزٍ لعبودية الإنسان المعاصر.‏

في اللوحة الرابعة، تنـزاح القصة إلى حيّزٍ، آخر مضادّ لمفهوم الجامعة، مكانٍ معادٍ، ومستوىً معاكسٍ للمستوى السابق شعوريًا،يحمل أفقًا سلبياً ضيّقاً، منبوذًا من ذات الكائن، يتمثّل في حيّز السجن، والوقوف على الحالة النفسية للسجين الذي يقبع داخل القفص، وكاد يفقد ملامحه الإنسانية. في ترميزٍ لطغيان السلطة، ورخص المواطن.‏

أما اللوحة الخامسة، فهي توصيفٌ لحالة الضابط، في مكانه الذي تتضخّم فيه شخصيته، فلا يرى أبعد من أنفه. وقد غدا معه المكان أكثر من مجرّد إطارٍ للشخصية، وظهر كمحورٍ تتفاعل معه وفيه الشخصية، مضيفةً إليه سماتها التخصصية.‏

وفي اللوحة السادسة، تتراجع حالة الضابط المتضخّمة عندما يجد نفسه مع مَن يمكن أن يفيده في تحسين وضعه العسكري. حيث تتأسّس بنيةُ المشهد ومقولته على أساس العلاقة بين الضابط والمكان، إذ يغدو الضابط، في ضوء ذلك، وعلى الرغم من ملامحه الإنسانية، رمزاً للسجن، وموازيًا فنيًا له، وتشكّل علاقته بمكتبه من جهةٍ، وبالآخرين من جهةٍ أخرى مشهداً رئيسياً متناقضاً تبعاً لمصلحته، من حيث الدلالة النفسية.‏

وفي المشهد السابع، يتطاول الزمن، ويجد السارد نفسه مفرّغاً من الفرح والحبّ: "ما عاد للفرح لون يسرّ الأحبة. تمزقنا الغربة الفاجرة، فلا أهلنا يألفون السياسة، ولا الأصدقاء الذين كتبنا لهم يردون.. فقد يطاردنا الخوف.. في كل لحظة، وتحرسنا أعين المخبرين..". في ترميزٍ لعدمية الحياة في بلدان العالم الثالث.‏

أما خاتمة المشاهد، فكان نصاً ترميزياً لا تخفى دلالته:‏

"كنت أود أن أقول له عن حبيبته.‏

رأيتك في عينيها دمعة الكبرياء. وكان الحديث يدور عليك ولم تتكلم.‏

فما كان ظني بأن العيون التي تكره الدمع قد نفتقدها.‏

آه بحر.‏

وبحر.‏

ودم. ودم..".‏

إن مجموع المشاهد والترميزات يقدّم صورةً بانوراميةً لما يلاقيه الإنسان مرهف المشاعر، في مقابل صورة الضابط المتضخّمة، وقد كُتب على المواطن أن تكون حياته معاناةً وخواءً وقبض ريح. واعتمادُ القصة على تقنية القطع والمونتاج في مشهد راهنٍ، ومن ثم العودة إلى مشهدٍ آخر مغايرٍ، عبر نقلاتٍ مفاجئةٍ أحياناً، وأحياناً ممهّدٌ لها. إنما هو أسلوبٌ فنيّ للدلالة على أن الجميع يعيشون في (أزمةٍ).‏

خامساً: رجل على ناصية شارع. قصة: عصام وجوخ.‏

تعزف القصة على وتر الحياة القاسية التي يحياها الإنسان، يكدّ ويكدح حتى الرمق الأخير، ثم يلتفت في النهاية إلى الخلف ليقوّم أو يقيّم ما حصد في عمره المديد، فلا يجد سوى الخيبة.‏

يصف السارد معاناته في العمل الوظيفي الذي يكسب منه لقمة عيشه، مبتدئاً من أزمة النقل، والسيارة الهرمة التي تنقل العاملين في رحلتي الصباح والمساء، وهي تشقّ الطرق التي تغرق في اختناقاتها وحفرياتها، ومن ثم، الأمل الذي يشرق في النفوس حين يصل خبر تبديل السيارة المنهكة...‏

يستعرض الساردُ المارّةَ من خلال نافذة السيارة التي هي أشبه بنافذة "إبراهيم عبد القادر المازني" الذي كان يرصد فيها العابرين في الشارع، وهو قابعٌ في بيته. فتراءى للسارد وهو على مقعد السيارة رجلٌ مسنٌّ يقف مرّةً على تقاطع الشارع، ويختفي مرّاتٍ، ويتمادى السارد في التحديق إلى وجهه، والتدقيق في تفاصيل ملامحه: "وجه هو لوحة الزمن.. خطوط تعبٍ.. قتامة حزن دفين لفرح باهت وإشراقة تقى.. لحية كثة بيضاء تماماً طويلة.. عمرته كوفية بيضاء بلا عقال يرتدي معطفاً كتانياً أبيض طويلاً.. طويل القامة.. في ظهره انحناءة.. تقول عنه تقريباً أحدب.. يمسك بيده علبة (بسكويت) وبالثانية كتيبات قصصٍ للصغار.. تتبدل البضاعة يوماً.. طاقات ورد.. لعباً.. دمى صغيرة مقلّدة..".‏

هذه الملامح نقلت السارد إلى زمن الوباء، ولعله زمن النكسة الحزيرانية، وذكّرته بـ"الحاج موسى" الذي تنطبق عليه هذه الملامح. لكن ما أثار شكوكه أن "الحاج موسى" قد قتله القتلة، الذين تنطبق عليهم صفات الصهاينة، حيث منعوا الأهالي من دفنه: "رموه كوحش رهيب في الوادي، ولرغبتهم في الانتقام، صدوا عنه الأهالي.. أبقوه تنهش في كبده أنياب الكلاب البوليسية. ومخالب كواسر الشواهق الحولانية".‏

بعد هذه الرؤية حاول السارد أن يستقصيَ - من النازحين- أمر الرجل، ليتأكّد من حقيقة حياته أو موته، ولكنه بعد السؤال، لم يعثر على ما يشفي غليله، فلما وصل إلى المختار الثمانيني وسأله عنه، قال: " صوفي زاهد.. طاهر‏

" وقد يخلق من الشبه أربعين"‏

وقد........"‏

وحين ظنّ السارد، وهو على مقعد السيارة، أن الرجل المسنّ لاح له بزيّه المعهود، نزل من حافلته الأثرية، وبحث عنه، لكنه اختفى من دون أن يترك أثراً.‏

القصة ذات وقعٍ حادّ على النفس، وقد جسّد السارد شخصية الإنسان النازح الذي يحمل هموم أهله النازحين، فقد ابتدأت القصة بتوصيف معاناة عاملٍ مرهف المشاعر، وانتهت بما ابتدأت به، وقد زاد من معاناته وقوفه على معاناة أحد النازحين الطاعنين في السنّ، رآه يقف على ناصية الشارع، كأنه شاهدٌ على الحياة الخاوية، وهو ينتظر توهّج الإشارة الحمراء، لتقف السيارات، فيتقدّم من سائقيها، يعرض عليهم بضاعته البسيطة، ولعل القصة أرادت القول إن هذا الرجل المسنّ الذي كان طول حياته المديدة فوق أرضه الجولانية عزيزاً مكرّماً، قد نزح عنها مرغماً– فيما إذا كان هو الرجل المعنيّ- وقد أضاعته المدينة، فدفعته لقمةُ العيش للقيام بعملٍ لم يُخلق له... وهذه لمحةٌ إنسانيةٌ بالغة التأثير.‏

لكن ما يمكن ملاحظته على هذه اللقطة الإنسانية الحية، أن الكاتب استغرق في توصيف الملامح الخارجية لشخصية الرجل المسنّ، والتي عبّرت عن حالته النفسية "قتامة حزن دفين مع مزيج لفرح باهت" وهنا يمكن للقارئ أن يتساءل:‏

1- إذا كان حال الرجل يفيض بالقتامة والحزن الدفين، فمن أين له بالفرح ولو كان باهتاً؟. ثم ما الذي يفرحه؟.‏

2- إذا كان الراكب في السيارة يرى الآخرين على الرصيف، فهل يمكن أن يقف على أدقّ تفاصيل ملامحهم عن بعدٍ؟. وهل يستطيع أن يميّز كتيبات قصص الأطفال من غيرها.. والدمى الصغيرة المقلّدة من غير المقلدة؟. مع أن هذه الكتيبات والدمى تقبع في قبضة يد الرجل، وليست معروضةً على الناصية.‏

إن هذه التفصيلات الدقيقة كانت من لوازم القصة، ولو أن السارد ترجّل من السيارة، وتمكّن من الوقوف وجهاً لوجه مع الرجل.. أو لو أن السارد استرجع هذه الصفات التي عهدها في "الحاج موسى" من ذاكرته، ووجدها تنطبق على ملامح الرجل البائع لكان ذلك أجدى...‏

ومع ذلك، فالقصة تنبض بمعاناة النازحين الذين ضيّعتهم المدينة، وغسلت ذاكرة بعضهم، فصدأت بالنسيان: "يممت شطر النازحين استقرئ الوجوه القاحلة.. اقتفي الأثر.. لم أعثر على قليل أو كثير.. لم أقبض على طرف خيط.. نسوه أو تناسوه في زمن التنصّل!..".‏

سادساً: عصفورية. قصة: محمد بدر جبور.‏

القصة مجموعة خواطر وهواجس وهلوسات معقولةٌ وغرائبيةٌ، يمكن تصنيفها ضمن القصة النفسية التي تسبر أعماق الإنسان، فتبوح بالمكنون والمخبوء، الذي يميل إلى القتامة والسوداوية، التي لا يعرف صاحبها الفرح، فالسارد بدا شخصيةً متجهمّةً ترتسم كآبتها على جبينها، كأنها نشرةٌ جويةٌ. ولعل هذا المزاج السوداوي كان نتيجة الزيف الذي أصاب الحياة المعاصرة التي أخفت الحقائق عن العيون، وأظهرت المظاهر المبتذلة والخادعة وروّجتها.‏

تجسد القصة حالةً سكونيةً لشخصيةٍ فقدت الأمل في كل شيء، ودخلت حالة الموات، حتى باتت تنتظر أن ترى اسمها مكتوباً في الأوراق الملصقة على الجدران، التي تحمل أسماء الذين رحلوا عن الدنيا، وقد ضخّمت الهواجس الحالة النفسية حتى بلغت حدّ الهلوسة السريالية، فالعاصفة المطرية–على سبيل المثال- في الصباح الكانوني توقظ الرجل السارد على "دوي صاعقةٍ مرعبٍ، تصمّ له الآذان، وتربط الألسن، يتلوه وهج برقٍ متلاحق، يخطف الأبصار، يتداخل مع هدير رعدٍ، يتردّد صداه في الأرجاء، كان المطر حينها حبالاًَ مشدودة تربط الأرض بالسماء ولا تنقطع، أحس أن القيامة قد نهضت من مرقدها، أو أنها أوشكت على القيام، تملّكه ذعر شديد، ونهض ينظر من النافذة الوحيدة إلى الشارع والحديقة الصغيرة، فرأى كماً هائلاً من كائنات تشبهنا تماماً، ذات قامات منتصبة، يقف كل منها على قائمتين، علت فوقها رؤوسٌ مستديرةٌ في مقدّمها وجوه بها أنوف وعيون وأفواه وآذان، بعضهم ارتدوا كامل ثيابهم.. وآخرون ارتدوا نصفها، فبدت صدورهم عارية، يرقصون ويضحكون ويقهقهون ويتمايلون ويصرخون ويطلقون القبل ويلوحون بأكفهم وبقمصانهم، وقد أخذتهم سعادة لا تقدّر.. كانوا جميعاً يهتفون "معليش شو صار هيفا متل النار" فيرتج الصدى مدوياً: "بص شوف نانسي بتعمل إيه" وآخرون: "واحد تنين تلاته أليسا يا حياتي".‏

وكأن المدينة– من خلال هذا المشهد الغرائبي- لم تعد سليلة التاريخ العربي، وليست صاحبة السطوة الحضارية الآسرة على المستوى الحقيقي لا المجازي، وأنها المدينة الجديدة التي لا تؤخذ عنوةً، بل تبسط يديها لمن يريد زرع ثقافته في تربتها، فغابت عنها الذاكرة، وبدت مدينةً خاويةً، ناسُها من دون أرواحٍ؛ مجرّد آلاتٍ فقدت حيويتها، وبدت وليدة الحداثة، مدينةً مؤقّتةًً تركب الموجة، لها قابلية الانزياح.. مدينةً غرائبيةً فقدت مساجدها وكنائسها ومتاحفها، وغاب عنها الرجال، فانقلبت مدينةً (شبابيةً) تحرّرت من القيود الاجتماعية والخلقية، وتحوّلت حلبةً للرقصٍ والعريٍ والتحلّلٍ، في هالةٍ من الحرية والفوضى والاستهتار، كما لو أنها ما وُجدت إلاّ لتؤدّيَ دورها في الهتاف والهياج. وهي بدعاوى التمدّن الكاسح، والـ(عصرنة) والحداثة العاصفة، تهزّ القوانين، وتعتنق الوهم، وتفرّغ العقل، وترغمنا على رؤية قهر التاريخ وذبحه، ونحن صامتون متجمّدون وعيوننا مفتوحة.‏

إن ترميز القصة الذي مزج بين الواقعية والغرائبية يعبّر عن صدق العنوان (العصفورية) وقد رآها الكاتب مكاناً صغيراً لا يتسع لمجانين الوطن. وهذا الترميز الجمالي يدلّل على تمكّن الكاتب من أدواته الفنية، على الرغم من أن القصة، ليس فيها حدثٌ متحرّك يلفت النظر، سوى هذا المشهد الجنوني، والعاصفة الهوجاء التي عصفت بالناس، الذين لم يروا في الحياة سوى الرقص، وليس لهم مثلٌ أعلى يقتدون به سوى عاريات الشاشة وحلبات الغناء.‏

سابعاً: غريب يتحدّث لغتي. قصة: مريم عبارة.‏

يمكن إدراج هذه القصة ضمن قصص المواجهة الحضارية التي اشتغلت عليها الرواية العربية، حيث صوّرت العلاقة الجدلية بين الشرق والغرب، والتي تصوّر العلاقة بين الأنا والآخر، أو اللقاء الحضاري بين الشرق بعاداته وقِيمه ومعطياته الروحية، وبين الغرب بمعطياته المادية والعلمية والتكنولوجية.‏

إن قسوة الغربة، ونوازع الحنين إلى الأهل والديار، تعتمل في نفس الشخصية الوحيدة في القصة. وهو الشابّ الذي هاجر عن وطنه، تدفعه رغبات للعيش الرغيد، بعيداً عن الأهل والوطن، لكن الحقيقة التي عاينها في غربته وعانى من تبعاتها، كانت من الشدّة بحيث لم يعد يستطيع احتمالها، وهو بعد سنين طويلة ينظر إلى ما جناه في رحلة عمره، فلا يجد سوى الهباء والخواء.‏

أظهرت القصة الفروق الكبيرة بين القيمة الإنسانية التي يشعر بها الإنسان بين أهله، وبين طبيعة حياته بعيداً عنهم، حيث يحرم من أبسط القيم العادية التي يحتاج إليها للعيش في الغربة. فقد كان معزّزاً مكرّماً في وطنه، فلما صار غريباً افتقر إلى أدنى قيم الحياة، حتى إن ما كان ينظر إليه من أعمالٍ قبل الهجرة نظرةً دونيةً، صار عملَه الذي يكسب منه لقمة عيشه!..‏

في الغربة انقطع عن الأهل، فمات من مات في غيابه، وكبر من كبر، فعانى من عزلةٍ لم تحفظ له كياناً، ولا أوجدت له موقعاً يحفظ عليه ماء وجهه: "قطيعة دائمة لكل مصادر الفرح والسرور.. وأنت يا مسكين تدفع ضريبة كل ما تسمع في غربتك، لا تستطيع رفع رأسك كأنك أحد المتهمين بكل ما خلفته أحداث السنوات الماضية...".‏

القصة على الرغم من أن موضوعها قديم، تناوله الكتّاب، كل حسب منظوره، إلاّ أنها تثير كوامن النفس العربية من جديدٍ، وهي ترصد أدق المشاعر الإنسانية التي تعتمل في نفوس المهاجرين، الذين أضاعت الغربة حياتهم، فوافوا النهاية فارغي الوفاض، وهذا ما أشعل الحنين في نفس المغترب الذي بات يحنّ إلى طفولة الريف وجماله، وجمال أهله: "لابد أن شجرة التوت التي كنا نقذفها بالحجارة فيتساقط توتها على التراب نلمه ونتناوله، تكون الآن قد طالت أكثر، ولن أستطيع الوصول إليها... نستيقظ قبل بزوغ الفجر حيث العصافير ما تزال في أعشاشها.. مازالت رائحة الخبز تصاحبني، ورائحة أريج تراب الأرض عند سقوط أول قطرة مطر في فصل الشتاء الذي لا يقابله فوح عطور العالم...".‏

هذه الصور المتدرّجة زمانيًا من الحاضر الحادّ بواقعيته الصادمة، إلى الماضي برومانسيته الشفّافة العذبة، تُظهر جوانب التغيّر النفسي الطارئة على ملامح الشخصية، وذلك من خلال الاسترجاع والاستذكار الواقعي الحالم، الذي لعب وظيفةً تفسيريةً إلى جانب تأديته وظيفة إيهامية، أيْ الإيهام بوعي الحقيقة، يستخلص المرء من خلالها صورة التحوّل السلبي للشخصية، التي تضخّم لديها حجم ما فرّطت في حقّ نفسها، ومن ثم، في حقّ الوطن.‏

إن الغربة/المكان، قد جعلت السارد يعاني اغتراباً مبعثه رفض المغترَب لإنسانيته، وميله إلى تشخيص بعدٍ رمزي، جعله يشعر أنه من طينةٍ أخرى، لكنها دونيةٌ، فهو على الرغم مما تمتّع به من وعيٍ، ظهر عاجزاً عن مواجهة المواقف العادية، فكيف به أمام المواقف القومية المصيرية، حيث لا تبدو العلاقة بينه وبين الآخر علاقة حوار حضاراتٍ، وإنما علاقة صراع حضاراتٍ،وصدامٍ اجتماعيّ وخلقيّ وحضاري، بين قِيمٍ شرقيةٍ شفافة، وقِيمٍ غربيةٍ تسحق الآخر.‏

لقد ظل المهاجر يشعر بأنه جسمٌ غريبٌ، غير قابلٍ للنمو والحياة في تربةٍ غير تربته. مما جعله يحسّ بأنه حبيس تلك الأسوار داخل شرنقته، فعانى اغتراباً خارجياً عن المحيطين به، وهو اغترابٌ امتدّ إلى داخله، فجعله في النهاية أسير صراعٍ داخليّ، أظهره- كما وصف نفسه- وكأنه يعيش قصة آخرين، ويتقمص دورًا صاغته الغربة، كما تمثّل في خصوصية العنوان: " غريب يتحدّث لغتي".‏

جاءت القصة محكمة السبك، على صورة منولوجٍ داخليّ يتناسب وموضوع محاسبة النفس، حيث يبوح الإنسان بما يخالجه من خواطر وهواجس، مما جعل منها لقطةً مؤثّرةً تنمّ عن خبراتٍ نفسيةٍ واجتماعيةٍ وثقافية. ولا شك في أن نكهة تقريع الذات واللوم والندم قد شاعت في أعطاف القصة. ولعل في ذلك درساً وعبرةً لا تفيد السارد الذي تعاون على تعاسته عاملا الغربة والخيبة، بقدر ما تفيد القارئ المثقف. ومحبّي المغامرات.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244