|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
وداد سكاكيني والبحث عن التميز ـــ أ.د.حسين جمعة تركت المرأة عامة والمتميزة خاصة آثاراً إيجابية في مسيرة الحياة؛ بوصفها شريكة فيها، وصانعة لكثير من أحداثها. وقد تخطى عدد من النساء قديماً وحديثاً جملة من الممنوعات أو الحواجز التي وضعتها الطبيعة أو المجتمع في وجه المرأة، وقَدَّمن نمطاً فريداً من التوازن بين العطاء غير المحدود في مجالات شتى وبين كونهن مادة جمالية يتغنى بها الأدباء ويفتن بها الفنانون... ومن يرغب في العودة إلى الماضي ـ وعلى مختلف الصُّعُد والمستويات ـ فسيجد مواقف فكرية وأدبية ونضالية وسياسية واجتماعية وعلمية ,... صنعتها المرأة بتميز عالٍ وإرادة عظيمة فاقت بهما الرجال... ولست في معرض التفصيل لهذا الشأن أو ذاك، فقد عرضت لأمثلة من ذلك في الكتابين اللذين يحملان الرقمين (17 و18) من سلسلة الكتاب الشهري، واللذين خصصا للحديث عن المرأة الدمشقية بمناسبة اختيار دمشق عاصمة للثقافة العربية... ويكفي أن أثبت (هنا) أن المرأة السورية أكدت حضورها النوعي في معارك التحرر والاستقلال منذ عام (1920 حتى 1946م)؛ فقدَّمت الطعام والماء والعتاد للمقاتلين، وقامت بمهمة الإسعاف ومداواة الجرحى في ساحات المعارك، فتابعت المهمة التي قامت بها أم المؤمنين (أم سلمة) في معارك المسلمين الأولى مع المشركين... ومن يمدُّ نظره إلى زوجة المجاهد (إبراهيم هنانو) وشقيقته أو إلى (رشيدة) زوجة المجاهد (حسن الزئبق) يجد مثالاً حياً على ذلك... فالمرأة العربية السورية صاغت ضروباً من الفداء والتضحية في معارك الاستقلال حتى سقط (95) شهيدة على مدى سنوات عدة. ومن ثم فما زالت المرأة العربية السورية تقدّم ذاتها عروساً لتراب الوطن كما شهدناه مع الأم الشهيدة (غالية فرحات) التي سقطت برصاص جندي صهيوني متوحش في (8/3/1987م) فروَّت تربة بقعاتا ومجدل شمس بدمها الطاهر... هكذا أثبتت المرأة العربية السورية قدرتها العظيمة في مجالات عرفت بأنها للرجال لا للنساء، ثم تميزت حيوية وفاعلية في عدد من المجالات الأخرى كالتربية والتعليم والأدب والإعلام والفن والصحة و... فالمتتبع لمسيرة المرأة في هذه المجالات يدرك أنها كانت تتصف بالجوهر الفاعل وهي تشارك في مسيرة العطاء والتنمية، ما يعني الارتقاء بالقيمة الكونية والإنسانية لها... لذلك كلّه لسنا مع أولئك الدارسين الذين يرون أن أثر المرأة في الحياة والعطاء قد تراجع على الرغم من أن سوق المال قد نزع إلى جعل المرأة مادة للجمال... ولعلّ التقدم النوعي لعطاء المرأة ـ وإن كان نسبياً ومحدوداً ـ قد تجلّى في مظاهر شتى وعلى صعيد الفكر والأدب والفن والإعلام والتربية والعلم ـ خاصة ـ إذ شرعت المرأة العربية تدخل معترك العمل السياسي والفكري والقضائي لتحتل مكانة مرموقة فيه... وكانت قد دخلت بقوة في الحياة الأدبية منذ القرن العشرين، بعد أن أسست جدتها في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر مراكز ثقافية وتربوية، وبنت الصروح المعمارية، وأسست المنتديات الخيرية لخدمة المجتمع كما عرضنا له في كتابينا المشار إليهما سابقاً... ولما كان هذا الكتاب مخصصاً للأديبة الشامية (وداد سكاكيني) التي ولدت في صيدا (لبنان) ـ عام (1913م) وتخرجت في الكلية الإسلامية ببيروت، وعملت في التعليم عشر سنوات ثم انتقلت إلى دمشق وعاشت فيها ورحلت إلى القاهرة فمكثت فيها سنوات حتى قالت فيها أمينة سعيد: "حين يرد ذكر وداد يعتبرها كل شعب عربي واحدة منه؛ فاللبنانيون يعتزون بمنبتها، والسوريون يتمسكون بتوطنها وجنسيتها، والمصريون يرون في إنتاجها أصدق صورة للعقلية الأدبية المصرية. والحقيقة أنهم جميعاً مصيبون ففي وداد نفحة من لبنان وعمق من سورية وحساسية من مصر... وهي إذ تكتب تحملك على أجنحة الأدب إلى آفاق هذه المجموعة من الصفات الثمينة التي أكسبتها توسعاً فنياً وملموساً، وطعمت إنتاجها الفكري شتى عناصر الأدب الغربي". وقد تفرغت ـ منذ وقت مبكر ـ للكتابة في الأدب والثقافة، فأبدعت عدداً من المؤلفات بلغت (20) مصنفاً توزعت بين الخاطرة والمقالة والقصة والرواية والسيرة والنقد والدراسة؛ منها (الخطرات ـ بيروت 1932م) و(مرايا الناس ـ القاهرة ـ 1945م) و(أمهات المؤمنين ـ دراسة ـ القاهرة 1945م) و(بين النيل والنخيل ـ رواية ـ القاهرة 1957م) و(الحب المحرم ـ رواية ـ القاهرة ـ 1947م) و(الستار المرفوع ـ قصص ـ القاهرة ـ 1955م) و(نفوس تتكلم ـ قصص ـ القاهرة ـ 1962م) و(سواد في بياض ـ مقالات ـ دمشق ـ 1959م) و(شوك في الحصيد ـ مقالات ـ دمشق ـ 1981م) و(سطور تتجاوب ـ مقالات ـ دمشق ـ 1987م)... وقد ترجم بعض قصصها إلى الفرنسية والإنكليزية والروسية... لقد ظلت دائمة البحث عن الثقافة الأصيلة، والكلمة الأدبية البديعة... لذا بسطت أجنحة الكلام على أشجان محبة دمشق التي انتقلت إليها بعد زواجها سنة (1934م) من الشاعر (زكي المحاسني 1909- 1972م) وفيها استقرت بعد رجوعها من القاهرة حتى توفيت بدمشق في (3/1/1991م). كان قلبها ينتفض بالذكريات الجميلة عن كل ما يتصل بها، بل إن دمشق جعلتها تغفو على عرش الروح، وهي تهدي إلى الشمس ألقها لتسطع نجمة وضاءة في سمائها... كانت دمشق تذيب بدفئها ونسماتها وجمال غوطتها، ونظام عمارتها الرائع صقيع الوحشة النفسية التي تستشعرها كلما رأت جنود الاحتلال الفرنسي الذين يدنسون شوارعها وحاراتها القديمة... وكانت الكتابة الإبداعية والنقدية تلملم جراحاتها النازفة من أعماق الأحزان لتنطلق بها إلى ألق من الفضاء الحر... والأحلام الشغوف المعتقة بأناشيد النغم الأصيل، والأماني العذاب.... ومن ثم لم تكن ترى الأدب ـ خاصة ـ والثقافة ـ عامة ـ طلاء براقاً تتحدث عنه الأفواه، وتتزين به الأجساد، لم تكن ترى في كل ما تكتبه كلاماً جميلاً يغطي النقائض والعيوب وإنما كانت تراه سبيلاً إلى تبدل جذري يمتد إلى الفكر والسلوك لينقل الوطن والإنسان العربي من صقيع الظلم والقهر والتخلّف والفقر إلى مراتب الرقي والتحرر الإنساني. وعليه فإذا كان هناك خلاف ملموس حول تعريف الموهبة الأدبية إن كانت فطرية أم مكتسبة فإن الأديبة الباحثة (وداد سكاكيني) قد أكدت مفهوم ابن سلام للثقافة والأدب باعتبارهما فطرة وصناعة مكتسبة. فالموهبة الفطرية تتأصل بالتدرب والاكتساب المعرفي والمنهجي والفني... وإلا فإنها ستضمر ـ لا محالة ـ ثم تختفي شيئاً فشيئاً... فوداد سكاكيني انشغلت بالبحث عن الثقافة والأدب، وهي تنتج أدبها الرفيع الخالد، ولاسيما حين رافقت زوجها الشاعر الدكتور (زكي المحاسني) إلى القاهرة سنة (1946م) الذي عيّن ملحقاً ثقافياً في السفارة السورية بمصر... فهناك حرصت على الالتقاء بعميد الأدب العربي (طه حسين) و(عباس محمود العقاد، ومحمود تيمور، وتوفيق الحكيم، وعبد القادر المازني، ومحمد مندور... وغيرهم) وكان لها ذلك... ومن ثم كوّنت مع الدكتورة (سهير القلماوي) و(أمينة السعيد) فريقاً إبداعياً وثقافياً متميزاً في الدفاع عن قضايا المرأة، وخاضت وإياهما معارك أدبية واجتماعية دفاعاً عن بنات جنسهن... وقد برز نشاطها هذا جلياً في بعض كتبها مثل (إنصاف المرأة ـ دراسة ـ دمشق ـ 1950م) و(نساء شهيرات من الشرق والغرب ـ القاهرة ـ 1960م) و(مي زيادة في حياتها وآثارها ـ دراسة ـ القاهرة ـ 1970م) و(قاسم أمين ـ دراسة ـ القاهرة 1972م)... وهي كتب عالجت قضايا المرأة على نحو واضح ودقيق... فالأديبة المبدعة والباحثة الجادة (وداد سكاكيني) كتبت لعالمها الخاص واقعاً ورؤية وتخيلاً للمتوقع المراد، فخلقت في كتابتها نوعاً فريداً من التواصل مع المجتمع العربي، ومع لغة الحياة ولغة التعبير الأدبي... عاشت حياتها ساعية إلى تطوير أدواتها التعبيرية والفنية والثقافية فاستحقت أن ترتقي إلى الصف الأول من الإبداع سواء في كتابتها للخواطر أم للمقالات الأدبية التي نشرت في وقت مبكر في مجلات سورية ولبنانية ومصرية، مثل مجلة (المكشوف) البيروتية. ويبدو لي أن (وداد سكاكيني) ـ وكذلك أمثالها من المبدعين الذين جسّدوا الكتابة عشقاً أبدياً، ونهراً فياضاً بالإبداع ـ استكملت دورة النضج العلمي والأدبي والثقافي والاجتماعي، فغدَت مبدعة متألّقة تمارس الكتابة الحرة، والنقد النزيه والصريح، علماً أنها شاركت في عدد من المؤتمرات والندوات، واشتركت في المهرجان الدولي لشباب العالم والطلبة بموسكو سنة (1957م)... فإذا كانت (وداد سكاكيني) قد فازت بالجائزة الأولى لمسابقة مجلة (المكشوف) عام (1932م) بقصتها (الشيخ حمدي)، فإن عدداً من النقاد والمبدعين قد أثنوا عليها ثناءً عطراً، ومنهم طه حسين الذي قال فيها: "اقرؤوا هذه الكاتبة بروية؛ فهي مجلّية في باب البحث وأدب السيرة..."؛ وقال فيها محمد مندور "إذا كان قرّاء العربية قد عرفوها أديبة قصصية ملتزمة بالقيم الإنسانية الرفيعة فإنهم قد عرفوها ـ أيضاً ـ ناقدة ملتزمة وبخاصة بعد أن أوضحنا أن السيدة وداد سكاكيني أتت إلى الالتزام متأثرة بمفهومه الجديد في الأدب العالمي، بل أتت إليه مسوقة بطبعها المخلص الجريء الذي لا يخشى مسؤولية الرأي ولا يماري فيها"... ولا يفوتنا أن نذكر ما قاله فيها بشارة الخوري (الأخطل الصغير) حين قرأ كتابها الأول: "تصفّحت كتاب (الخطرات) الذي وضعته الأديبة وداد سكاكيني فإذا أنا عند خطرات خليقة بأن تكون غذاء للناشئة فكراً وبياناً وأدباً سهلاً...". لهذا كله فقد سُعدت بها جمعية القصّة والرواية في اتحاد الكتاب العرب حين ضربت الأنموذج الحي والصادق على السير في طريق الإبداع بعكس ما نراه هذه الأيام. فهناك مدعون للأدب والإبداع، إذ ينهضون صباحاً فينظرون في المرآة فتعجبهم صورتهم، فينثرون بين يدي الناس كتابات لا طعم لها ولا رائحة، إذا أحسنا الظن بأن طهاة الكتابة المرتزقة لم يدبجوا لهم كلمات مرصوصة ومقتبسة من هنا وهناك... ما جعلنا نشهد في الساحة الأدبية والثقافية وجوهاً ممسوخة لم تعرف دورة النضج الأدبي، ولم تتزود بالمعرفة والمنهج والنقد الصحيح... ولاسيما أن هذه الساحة أخذت تشهد ولادة أديبات يتبخترن كالطاووس في ردهات الأوساط الأدبية والثقافية، لا حظَّ لهن إلا مسحة من الدلّ والغنج... وما أعظم الاختلاف بين أديبة مبدعة أصيلة، وأخرى مدعية رقطاء؛ ينتابها القلق والاضطراب والمرض... ما يجعلني أسوق كلمة لبرنارد شو في هذا المقام حين قال لمخاطبه: أنت ترى الأشياء كما هي؛ وتقول: لماذا؟ وأنا أحلم بالأشياء بالشكل الذي لم تكن عليه... لذلك كلّه فنحن نضع كتاب وداد سكاكيني (إنصاف المرأة) بين يدي القارئ العزيز باعتباره واحداً من الكتب التي ألفتها في وقت مبكر دفاعاً عن قضايا المرأة، وصدر (القسم الأول) منه في دمشق عام (1950م) علماً أن القسم الثاني لمّا يصدر ـ أصلاًـ . ويعد هذا الكتاب صورة من آرائها النقدية الجريئة في وقتها، ودالاً على نفاذ بصيرتها؛ فضلاً عمَّا يزخر به من سحر البلاغة ونصاعة البيان وقوة التعبير... فهي كما قال عنها الدكتور عمر الدقاق: "من النساء القليلات اللواتي أنجبتهن سورية، وكان لها باع طويل في نهضة المرأة وانفتاحها الفكري، عرفت برصانتها في نتاجها، وقد لا تضارعها أديبة أخرى في تعدد الجوانب وغزارة الإنتاج. فهي كاتبة قصصية عالجت القصة القصيرة في طابعها الاجتماعي ولونها المحلي، وهي من جهة أخرى ناثرة بارزة مارست كتابة المقالة الاجتماعية والأدبية بنجاح"، وهي ناقدة للنقاد والأدباء على السواء. وأخيراً، لا يسعنا إلا أن نقدم هذا الكتاب وكلنا أمل في أن يفيد منه القارئ العزيز باعتباره أنموذجاً يتناول قضية حيوية من قضايا المجتمع العربي في منتصف القرن العشرين. والله من وراء القصد.. |
|
| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |