|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
إنصاف المرأة لو كشفنا كتاب "كشف الظنون" وهو السفر الجامع لمسميات الكتب القديمة وأوصافها مخطوطة ومطبوعة، لو أننا نقبنا في هذا الكتاب عن التصانيف والمؤلفات التي سميت بالإنصاف، لوجدنا بينها الكثير في شتى الموضوعات، فمنها النَصَفة بين الفقهاء والمحدثين أو بين اللغويين والنحويين، ومنها الإنصاف فيما بين العلماء من خلاف، والإنصاف في تمييز الأوقاف، غير أننا لا نجد كتاباً واحداً اختص بإنصاف المرأة، أو انتصف مؤلفه من ظالميها ووقفه على قضيتها. كذلك كان حظ المرأة من المؤلفين والمصنفين، حتى انبسطت الحضارة العربية، وازدهرت الحياة العقلية والاجتماعية فأخذ شيوخ الأدب يجمعون ما قيل في النساء من طرف ونوادر، سواء في المديح أو التقبيح كما صنع الجاحظ، ولما اتسع نطاق التأليف عند العرب وضع بعض المحدثين والباحثين تراجم ملمومة في غير توحد ولا نسق، لمئات من الفقيهات والمحدثات، والشاعرات والمفكرات، فيها عنعنة واستطراد، وليس فيها النهج العلمي أو الميزان المعهود. لا جرم أن القضية النسوية متوغلة في الدهر متشابكة شائكة، أعضلت آدم، واختلفت الآراء والأهواء فيمن كان سبب المعضلة الكبرى، فتحيز ناس إلى آدم عنفوا حواء واتهموها بالإغراء والإغواء وقد فاتهم أن القرآن ذكر آدم وحده بالغواية والعصيان، ولم يفرد حواء بوسوسة الشيطان. من ذلك الحين ضاقت المرأة باتهام الرجل وأوهامه، فراحت تتظلم وتبحث عن منصف لقضيتها، وقد عاشت خلال العصور وفي كل الأمم والشعوب تسعى إلى غايتها لا تريم عنها، وكانت تطل فترة بعد فترة، من كوى بيتها أو من منافذ خدرها متبسمة متأملة، مشرفة على عالم لابد أن يأتي، ولم يكن يعوقها عن أن تحلم طويلاً في إقبال هذا العالم، فهي في منزلها بين أمومتها ومطبخها، وبين ثقافتها وزينتها ولا تزال تواقة إلى عالمها المنشود، ترتقب اليوم الذي يسوده الإنصاف، وتعم الناس جميعاً حقوق الحياة وكرامة الإنسان. وطال حديث الرجل عن المرأة دون أن يتغير رأيه فيها، وما أكثر الألفاظ التي كررها ورددها على ترادف الأيام حول القضية النسائية، حتى غدا الكلام على المرأة موضوع من لا موضوع لديه، فمن التشهير بالخطيئة المزعومة، إلى ترديد التهمة التقليدية والوصمة الأبدية بالوعظ المكرور والمعاد عن إغراء حواء، والحقيقة العليا عن كل هذا بمعزل، فكان دأب الرجل الذي يعلم والذي لا يعلم أن يستهين بها ويقضي بشؤونها وفق أثرته وهواه، مستعيناً بقوة جسمه وتراث رأيه وحكمه. وقد مرت المرأة بعصور كانت تبدو فيها أو تحتجب، حسبما كانت تقتضي الأوضاع القومية والنظم الاجتماعية فتقاذفتها أمواج التغير والتطور التي كانت بين مد وجزر من خلال تلك العصور حتى استهدفت حياة المرأة وخطواتها لأحداث وصدمات، جعلتها تتخلف حيناً وتقف أحياناً، فإذا تزحزحت الأثقال والأغلال، ولاحت لها بشائر الحرية والخلاص، أخذت ترفع صوتها وحجتها، لتشعر الرجل بأنها إنسان، لا تمثال أو متاع... وأتيح للرجل في خطرات الأدب المغاير والمعاصر أن يصور حياة المرأة ويعبر عن مشاعرها وخواطرها كما تخيل تلك الحياة وتمثل تلك المشاعر والخواطر، لا كما كانت أو كما هي، إذ لم يعرف المرأة على حقيقتها فقد عرفها غير أمه وزوجته، وغير بنته وأخته، وتناول قضيتها وفيها دعواها وشكواها، وكان في كل شأن لها هو الخصم وهو الحكم... أما الرجال الذين صوروا عالم النساء وعبروا عن مظاهره وخفاياه، وخاضوا في شؤونه وشجونه وهماً وزعماً، فكان معظمهم من المفكرين والشعراء في الشرق والغرب، غلب عليهم الطبع الموروث والرأي الذي لم يتغير على الرغم من تغير الحضارة وتطور الثقافة وتبدل الآفاق، فضيقوا الأبواب على المرأة بأشتات المطامع والأحابيل، لكي تبقى حبيسة الدار، وطاهية المطبخ ومربية الطفل، أو لتكون زهرة ندية عطرة يتمتعون منها بشم وضم ونظر، فكانت كتبهم وآثارهم تدور حول هذه الآراء والأهواء، ولم تخرج المرأة في شعرهم وأدبهم، وفي فلسفتهم ومنازعهم من نطاق مخلوقة وجدت على الأرض لتتم سعادتهم وتقوم بخدمتهم... وجاء عصر المرأة، أو هذا العصر الذي طغت فيه حدود وفكت قيود، وثارت ثورات سياسية واجتماعية، طالب فيها الناس بحقوق لهم مغصوبة أو منهوبة، تخطفها الأقوياء، واحتكرها الطغاة والطمعاء وشاعت المعرفة بين النساء في الشرق والغرب، فتطلعت كل واعية أو راقية إلى الشعوب التي جهرت بميثاقها ودستورها في إيمانها بالحقوق الإنسانية للجنسين على السواء، وقارنت المرأة العربية بين غابرها وحاضرها، وبين تخلفها وتقدمها لتتبين بين نساء العالم مكانتها وتعد لنهضتها الراهنة عدتها، فجعلت تستوحي فطرتها وكرامتها، وتمحص ما أدركت من معرفة وثقافة وما عندها من همة وطموح وقد واتاها من أسباب الوعي والتحرر والتقدم ما يعينها على التماس بغيتها التي ينبغي أن تحققها في قريب أو بعيد، فهي لا تسعى إلى اغتصاب حق اختص به الرجل أو اكتساب أمر ينأى بها عما خلقت له، ولا تريد أن تزاحم بالمناكب في غمرة السياسة، وأثرة الأحزاب، وما لا ينبغي للمرأة أن تطحم فيه الجموع من أجله، فتفقد حرمتها وعصمتها وإنما تسعى جاهدة دائبة، مترفقة متمهلة حيناً، ملحة متعجلة أحياناً للوصول إلى حقوقها المعقولة المغيبة التي منحتها إياها الإنسانية، ولم تحرّمها عليها الطبيعة ولا الشريعة. وعاد الأدب في نهضة المرأة التي جدّت ووجدت، يتظرف على حساب النساء فيستهزئ بحركتهن الجديدة، ويزدري أهدافها ويحملهن غرامة الشهرة المصطنعة، وكم أدت المرأة العربية في خلال العصور أمثال هذه الغرامة وذلك الحساب، وإذا بنابغة مصر توفيق الحكيم يمضي على بعد الزمان في ركب "أريستوفان" فيستغل "أهكومته" القديمة ويعيدها سيرتها الأولى إلى دنيا العرب بعد أن يضفي عليها حلة طريفة من عنده، ويسميها "براكسا" أو مشكلة الحكم، عارضاً نساء العصر في صور المتطاولات على الرجال، ومنتهياً من تمثيليته إلى جعل المرأة كدأبه، موضع السخرية والزراية، ولا يدع عدو المرأة سانحة من السوانح دون أن يندد في صدد النهضة النسوية بتورط الشرق في إيمانه الأعمى بالمذاهب الغربية، حتى راح يطمس روح المرأة مدفوعاً بما يسمونه "مركب النقص" إلى آخر هذه التهاويل التي سئم الناس تردادها. وراح كاتب الشرق الأستاذ العقاد ينشر في ذلك الحين كتابه "هذه الشجرة" مشفقاً من توريط المرأة فيما لم تخلق له ولم يخلق لها، فهي لا تصلح عنده لشيء، وليس فيها من المزايا والسجايا ما ترقى به إلى سوية الرجل، فيجد مطاليب المرأة الحديثة سابقة لأوانها، فهي نزوة من نزوات العصر، وطراز حديث من طراز الفكر النسائي يشبه ما تتعلق به المرأة من تجديد الأزياء. وغير هذين الناقمين الصريحين كثير من أدبائنا المعاصرين يتغمغمون ويحجمون في القضية النسوية فلا ينصبون صدورهم في مناوأة المرأة تقية واجتناباً لنصالها في نضالها، وإنما يتمترسون وراء آراء قالها غيرهم في النساء، فهم يروونها على الرواية من غير أن يدلوا بأي رأي فيهن، وناقل الكفر في زعمهم ليس بكافر... كذلك رأت المرأة أن الأدب لا يخلص لها ولا ينصفها، لأن موضوعه الفن والجمال وهي موضوعه أيضاً، ولا نصرة لها كما تشاء عنده، لأن مالك العبد يؤثر أن لا يعتقه ولا يطلقه، فارتدت إلى المجتمع الذي أخذ يتحرر ويخلص من قيوده تنشد فيه النصير المنصف فوجدت أن رجال التشريع والإصلاح لا يتحرجون من إنصافها على ضوء الشرع والعقل والمصلحة العامة في حدود الحاجة القومية والضرورة الاجتماعية، وكانت المرأة العربية تؤمن بربح قضيتها في محكمة العصر، فقيض الله لها من قضاة المجتمع وقادته أنصاراً عادلين أيدوها على إخلاص وبصيرة، وكان في طليعتهم سفير العروبة والكنانة محمد علي علوبة باشا والرائد العظيم علي زكي العرابي باشا وقائد الإصلاح القومي والاجتماعي بمصر النابغة محمد حسن العشماوي باشا وسواهم من المشرّعين المصلحين الذين يرون أن العلم وحده هو الذي ينصف المرأة ويعدها لتسلم رسالتها الموعودة، وقد بادر بعضهم فناشد الحكومة بأن يكون لها يد في هذا الإصلاح والتطور، وقدم الحجة والبرهان على أن للمرأة المتعلمة والمثقفة حق البحث والنظر في أمور تمسها وتهمها، كتعدد الزوجات وحضانة الأطفال والطلاق، واختيار الزوج والتعليم النسائي، ونحو ذلك، ورأى أحدهم بأن تأخذ المرأة حق الانتخاب إذا كانت متعلمة، فكيف تحرم هذا الحق الصحافية والأديبة، والحقوقية والطبيبة، والنابغة الموهوبة، والأستاذة في التربية والتعليم، وأمثالهن من ذوات الفكر والرأي ويقرر لكل أمي وعامي ممن لا يدري شيئاً من شؤون الأمة وقد يمثل الشعب كله رجالاً ونساء، والنساء نصف الأمة، أفلا يحق للمثقفة اختيار من تراه أهلاً لهذا التمثيل، إن لم يتح لها مهما كانت ممتازة متفوقة أن تنوب عن شعبها وبلادها كنيابة الرجال. وكانت الجمعيات النسوية والهيئات الاجتماعية التي تساير التطور وتستجيب لحاجة الزمن تؤمن بهذه الآراء الإصلاحية التي تمس حياة المرأة المعاصرة فكانت تدعو إليها وتسعى في كل سانحة وبادرة إلى تحقيق مطاليبها المشروعة، حتى نضجت هذه الآراء فأتيح للمرأة السورية المتعلمة في هذا العهد التقدمي الجديد أن تسبق غيرها من نساء العرب إلى حق الانتخاب، وقد أظهرت حين مارسته كفاية وحصافة وبعداً عن التحيز والاستغلال الذي يقع بين الرجال. ولا يحسبن الرجل أن أخذ المرأة حق الانتخاب هو كل ما تنشده من الإنصاف، فإن هنالك حقوقاً ألصق بالنساء وأجدى على البيت والمجتمع من الحقوق السياسية كحق الحياة الكريمة والقسمة العادلة وتنسم الحرية المقدسة وغيرها من الأمور التي طمس الرجل حق المرأة فيها، غير أن المجتمع الذي دب فيه الوعي، والزمن الذي يشبه السيل فيجتاح الحدود والسدود، هما الكافلان إنصاف المرأة... فلقد هتف قاسم أمين (1863 –1908) من ضفاف النيل منذ مطلع القرن العشرين، طالباً تحرير المرأة وسفورها، فضحك منه من ضحك وعجب لأمره من عجب، ولكن الزمن حقق بغيته ورأيه واستجاب لندائه، فإذا المرأة العربية في هذا الشرق تخرج من طور العزلة والانقباض، إلى طور التحرر والنشاط. وكيف اتفق الأمر، في غلو المكابرين وأنصاف المخلصين، فإن أشعة الأمل بزغت في هذا العصر من أفق المرأة، فعمت أنوارها الأولى جانب الدنيا ومن هذه الأشعة الساطعة مطالع الزُهر من نسوة معاصرات، تقسمتهن أقطار العرب كما تقسمت الروضات أزاهيرها الفواحة، فطلعت نسوة ممتازات فكراً ثقافة، وعبقرية وشخصية، وجهاداً وإخلاصاً، هن الرعيل الفاتح للنهضة النسوية المعاصرة ففي مصر غير الفقيدات الخالدات، كثيرات عديدات، تتعطر الشفاه عند ذكرهن كالسيدات إنصاف سري وأسماء فهمي وسهير قلماوي وعائشة إقبال راشد وسيزا نبراوي وفي سورية ولبنان وفلسطين والعراق طليعة من أصيلات الرأي والفضل والنبوغ كالسيدات عنبرة سلام الخالدي وسلمى صايغ وابتهاج قدورة، وماري يني عطا الله ونازك العابد، وماري عجمي، وسواهن من طلائع النهضة وبشائرها في كل بلد عربي يتطلع إلى حياة حرة عادلة. وما أتيت بهذه الأسماء إلا مكاثرة ومفاخرة، وليس لأحد أن يقول هؤلاء قلة، وسواد النساء ليس كمثلهن، فأجيب ومتى كان سواد الرجال أفضل، فإن الأفذاذ قليل في الجنسين، ولعل الرجال سيثوبون إلى العدل والتبصر، فلا يتحرجوا من إنصاف المرأة والاعتراف بحقها، حين يجدون هذه الطليعة التي تزيدها الأيام عدداً ومدداً، فيسلسون في العناد وينقلبون من أعداء إلى أصدقاء، وسيكونون معنا في الرأي، بأنه ليس منا بعض نسوة هن حرب علينا وعلى الرجال معاً في ما يصطنعن من عداوة لجنسهن حين ينحرفن عن الحقيقة ويخالفن عن مقتضيات العصر، فيلححن بأن تقتصر المرأة على خدمة البيت وهن أبعد النساء عن البيوت، وأولئك المتطرفات المترفات فإنهن ألد الخصام للجنسين إذ كن بالتبذل والاستهتار والشذوذ من أسباب عداوة الرجال للنساء. على أن الصحيح في الدعوة التي تمكث في الأرض ويذهب كل شيء جفاء دونها هي أن تمضي المرأة إلى طيتها وعلى سجيتها متزودة بالعلم والأخلاق، وقد عرفت نفسها وقدرت التبعات، حتى تستطيع وحدها أن تحل قضيتها بيدها، حسب حاجتها وطاقتها، وحينئذ تكون مثل جيش فاتح، تتداعى أمامه الحصون، وتعنو له الخصوم، فتتحقق لها الآمال ويطلع عليها صباحها الكبير. |
|
| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |