|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
السوريات في النضال الوطني حين أطلق كلمة المرأة السورية لا أقصد بها طائفة من نساء هذا الوطن دون طائفة، ولا جماعة دون جماعة، وإنما أجعل الكلمة شاملة نساء هذه البلاد التي شارك كبيرها وصغيرها، غنيها وفقيرها، في بناء مجدها الحديث. فإذا تتبعنا أطوار النضال الوطني الذي تمرست به المرأة السورية ووقفت حياتها عليه أسوة بالرجل، وجدنا أن السورية الواعية كانت تتململ من سياسة الضغط والاستبداد أيام الحكم التركي الذي كان باسط الجناح على هذه الديار والأمصار، ثم نما فيها هذا الإحساس وغرسته في نفوس بنيها وبناتها في عهد الانتداب الفرنسي الذي كان ينتهي سلطانه عند عتبة الأبواب، فإذا أغلقت المرأة السورية بابها عليها، بعد عودة من مظاهرة أو مناوءة، بقيت تتعهد نفسها وذويها وتثير فيهم النخوة والحمية حتى يتاح لها يوم آخر. ولست اليوم مؤرخة فأستقصي حوادث الماضي، وأساليب السياسة التي نفخت في الجيل المتحرر الصاعد روحاً عنيفة تجلت في تمرده وجهاده، وقد واكبته المرأة الوطنية وآثرته في كل محنة ومؤازرة، إذ كانت تشعر بشعور أهليها ومواطنيها الذين كانوا الضحايا الأوائل للحرية المنشودة ـ وإنما أفتح الآن عن صفحة مطوية خالدة كتبها الزمان منذ جلا الترك عن هذه الأرض، ليحفظ لنسوة سورية سطوراً غراً محجلة في تاريخ الوعي القومي والنضال الوطني فإذا بعثنا هذا الماضي الذي ضج بالأحداث والخطوب، طلعت علينا دمشق بثورتها لحقها وكرامتها، وأنفتها من عتو الحاكم الغاشم، وقد غضبت لغضبتها حلب الشهباء، عرين "هنانو" و"الجابري سعد الله" فحنا الشمال على الجنوب، وماجت المدائن والقرى بالأباة الساخطين، فيهم الشيخ المسن، والمرأة المخدرة، والفتيان والأطفال هاتفين للخلاص والاستقلال. على أن أروع المظاهر الوطنية ما برزت فيها المرأة السورية، متعلمة وأمية، تتقدم الحشد المرصوص خطيبة تثير الحماسة والكبرياء، أو طالبة غضبى يخفق في قلبها حب الوطن ويعرب نداؤها وسيماؤها عن هذا الحب، ففي جميع الحركات القومية كانت السوريات نسوة وفتيات، يقفن وقفة اللبوءات الأبيّات في وجوه المستبدين، فما لاحت لهن سانحة إلا بادرن فيها إلى إرسال الاحتجاج تلو الاحتجاج إلى الهيئات الدولية والحكومات المحلية معربات عن شعور الأمة في نقمتها وثورتها على سياسة غاصبة غاشمة. في تلك الأيام الشداد، وعلى الرغم من كل تعنت وإحراج لم تتهيب السورية سجناً أو سلاحاً، ولم تخش رصاصاً، فقد تلقته بيدها أو بصدرها دفاعاً عن ولدها وأهلها ولم تنهزم في صدمة ملمة، أو هجمة قاحمة بل ضربت الأمثال للرجال على البسالة والفداء. ولم يكن أشجع من أولئك النسوة المتحجبات اللاتي كن ينطلقن من الأحياء القديمة في دمشق، وقد انقطع الدرب فما يجسر جند المحتل أن يمر به أو يتسلل إليه خشية الحجارة التي كان يرشق بها صداً لعدوانه وطغيانه، أما أولئك الشجيعات فكن ينتزعن من الأرض الحصى، ثم يحملنه في أطراف الملاءات إلى ذويهن من الثائرين، حتى تدمى تلك الأيدي الناعمة وهن لا يبالين خشونة ولا حرجاً. ولقد بقيت هذه الروح النسوية الحماسية قوية مفدّية، تكمن في الأحياء الحديثة حيناً وتظهر في الأحياء القديمة أحياناً، منسرحة من أعماق الميدان إلى جنبات الشاغور ومن سفوح الصالحية إلى عطفات السمانة والقيمرية، وما من هبة مواتية أو وثبة سانحة للرجال في هذا النضال إلا كانت المرأة فيها الروح التي لا تنام على ضيم ولا تستخذي لضعف أو اضطهاد، تستوي في ذلك المتعلمة وغير المتعلمة لأن الشعور الوطني لا يعوزه إلا قلب خفاق بحب الوطن، مؤمن بحقه وحريته، والنضال من أجله وفي سبيله حتى الفداء، غير أن فئة من المترفات كان نصيبهن في الجهاد أقل من نصيب الفئتين الوسطى والدنيا مناوءة ومراساً، وما عرف تاريخ الكفاح الوطني امرأة مترفة قد انحدرت من برجها إلى الشارع والحومات فدميت يدها أو طعنت في نحرها، ولا تثريب عليها فإن نهضات الأمم في الشرق والغرب وثوراتها الدامية كانت الأعباء فيها ملقاة على كواهل الطبقتين الوسطى والدنيا دون العليا، ولست بمتجنية على فئة من هذه الطبقة التي نعمت وغنمت حين كان غيرها يشقى في البلاء والفداء فإن فيها من النسوة الفضليات من انصرفن في الشدائد والمحن، إلى أعمال الإحسان والإسعاف. وثمة ظاهرة نسوية في هذا النضال لم تبد في بلد عربي غير سورية فقد عرفنا نساء الأقطار الشقيقة والمجاورة ساعيات إلى نهضتهن وإلى مشاركة الرجال في الجهاد الوطني بتوجيه زعيمة أو زعيمات، كن يمشين في الطليعة ويجمعن الكلمة، أو يحفزن الهمة والعزيمة، إلا في سورية فإن نساءها كبريات وصغريات، متعلمات وأميات، كن يستجبن لنداء الوطن دون إرادة خاصة أو قيادة عامة، مندفعات إلى نضال الاحتلال من عند أنفسهن وقد امتلأت قلوبهن بمعاني التحرر والاستقلال، والذود عن حرمة الحمى، فكان الشعور الوطني هو الداعي إلى الجهاد النسوي أسوة بالرجال، لا يبتغين من ذلك حاجة ولا صيتاً، ولا يرتجين جزاء ولا شكوراً، وكانت منهن من مضت إلى النضال متلثمة متكتمة، كما تكتمت من قبل خولة بنت الأزور، وإن في تاريخ الثورة السورية صفحات غراً لم تنشر بعد، قد تلألأت في سطورها بطولة السوريات المناضلات اللاتي كانت الغوطة الخضراء تحنو عليهن وتحميهن من غدر الأعداء، فكم من أم ثكلى وأخت معذبة وزوج والهة كانت تغذي الوطن بالأعزاء من الأبطال والشهداء. فيا لأيام الإضراب الجبار! يوم كان المتظاهرون الثائرون يتألبون على المتارس والحصون، يرشقون العدو بالحجارة، ويتلقون الرصاص متأبين غير هيابين، وكانت النساء تزودهم بما هو أشد من السلاح في بذل المال والأرواح. وليت حسن الخراط يروي من أطباق ثراه نبأ أولئك النسوة المناضلات اللاتي رافقن البطل في تمرده وجهاده، فرفدنه في أكناف الغوطة يوم شد شدته الصاعقة على هجمات الأعداء، حتى إذا وقع البطل شهيداً بكته القلوب بالحسرات، وثارت الثائرات لمصرعه، ومن يدري فرب واحدة منهن قد صارت اليوم شيخة تروي لصبايا الجيل وفتيته، أيام ذلك الصراع الذي بهت العدو ولفّه في بحران فتستهل الرحمة مع الدمعة على الشهيد حسن الخراط، وكم ضمت الغوطة الخضراء جسوم مجاهدات ما أظن الثرى إلا مترفقاً بهن، إذا جادهن الماء نبت فوقهن الزهر، فواحاً بعطر منهن لا يبلى! وفي المحنة الحمراء يوم ثار الجبل لثورة الوطن، وفيه بنو معروف وسلطانهم الأطرش المغوار لا يعرفون الهوان، هبوا أبطالاً مناجيد ونساء مناضلات، فكان الجبل بأجمعه شعلة نار، لدفع الضيم وحماية الجار. وهل كتب التاريخ سيرة أولئك الخاطئات، اللاتي تأبين على الخطيئة إبان إضراب ثقيل طويل، دام شهرين متتابعين، تاب فيه اللصوص والجارمون عن كل منكر لأجل الوطن فاقتدت البغايا بهم فإذا هن تائبات متأبيات على الفحشاء. وإذا كتبت الصفحة الأخيرة من تاريخ النضال للاستقلال كان للسوريات الأبيّات يوم محفوف بالدم والنار، استخففن فيه بالخوف ورضين بالجراح حين تعرضن للموت والخطر فكانت الفئة الأولى التي أسست الهلال الأحمر السوري أول من خف من نسوة الشام إلى العون والفداء في سبيل الجلاء، وفيهن فوج مغامر من أصيلات الوطنية والجهاد هن السيدات: أسماء فارس الخوري، ثريا الحافظ الريس، فاطمة وفلك دياب، سنية وبدرية أيوبي، سامية مدرس، وحياة ومارية العظم، وسواهن من المناضلات وفيهن السيدة الجليلة زهراء العابد. وما تزال المرأة السورية على طوابعها الروحية وحماستها الوطنية لم تتخلف عن النضال في زمن الاحتلال أو في عهد الاستقلال، متتبعة آثاره وأطواره، لم يتسرب إليها الوهن والضجر، على الرغم من طول الجهاد والنضال، وبغتات الانقلاب بعد الاستقلال، فإذا فترت الأحداث والخطوب هدأ النضال النسوي حيناً، وسرعان ما يستجيب بغتة مستجيباً للحاجة والشعور. ولعل أبرز ظاهرة وطنية في حياة السورية المتعلمة وعيها القومي وتتبعها لحوادث التغير والتطور في الأوضاع السياسية والاجتماعية بعناية واستقصاء، لا تعبر حماها الأراجيف ولا تبني رأيها إلا على الحجة والبرهان، ولئن بدا فيما مضى تفاوت في الشعور الوطني والشعبي بين مختلف الطبقات النسوية، فإن مرد هذا التفاوت إلى إيثار الطائفة المترفة أسباب السلامة والعافية، فكان إذا دهم الحمى خطب فادح لملمت هذه الفئة المترفة ما خف من أثقالها وغلا من أحمالها، واتخذت سبيلها هرباً إلى مصر أو لبنان، ناجية من زحمات الأحداث وصدمات الفجاءات، حتى إذا هدأت الشؤون وكان الشعب يومئذ يضمد جراحاته ويتفقد ضحايا العدوان ارتدت تلك الفئة إلى بيوتها حامدة ربها على النجاة والخلاص، وفي الحقبة الأخيرة جمعت الآلام والهموم على إحساس متجاوب متقارب، فعم الشعور الوطني نساءنا جميعاً، مترفات وغير مترفات، فما تحيق بالحمى ملمة من الملمات حتى تسري كهرباء هذا الشعور في عروق الرجال والنساء على السواء، ويتردد صدى السخط من أدنى البلاد إلى أقصاها، وقد تجلى مثل هذا الإحساس مواساة وحدباً على إخواننا النازحين من عرب فلسطين، وفي جهود الجمعيات القومية والخيرية، فنزلت الطبقة العليا إلى السوق بكرائم نسوتها، يجمعن الغذاء والكساء ويسعفن من أمضهم الجرح والتشريد. فإذا كانت المرأة السورية المثقفة قد أدركت بعض حاجتها وغايتها إن تكن بلغت بوعيها وشمائلها طرفاً مما تبتغي من آمالها الوطنية وحقوقها المشروعة، فإنها لم تفرغ من نضالها البريء الذي لم تصطنعه سبيلاً إلى حكم أو منصب أو تمثيل، وهي مجاهدة على الأيام في سبيل الذين لا حيلة لهم ولا وسيلة من المساكين والمحرومين علماً وقوتاً وهي مجندة حياتها وروحها لبيتها وأسرتها، وكرامتها وعروبتها، لا ترتجي من أجل جهادها وتجندها إلا وجه الحق وفناءها ليبقى الوطن. وهذا النضال النسوي بشير بمطلع عهد جديد للمرأة السورية الواعية التي تؤدي رسالتها وتمضي إلى أهدافها دون نصير أو معوان إلا العلم والإيمان، وإن في الرجال المتعصبين المتصلبين من استهان بنهضتها وغرس الشوك في طريقها، فما عليها وهذا شأنها إلا أن تناضل بالحجة والثقافة والأخلاق، دون أن تحيد عن فطرتها وواجباتها الأولى وحينئذ يكثر الورد في طريقها ويقل الشوك، وهي التي تمرست بالآفات والعقبات في نضالها ونهضتها، فلن تعوقها واحدة من دون الوصول إلى غايتها المثلى. |
|
| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |