مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 445 أيار 2008
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

بطولة المرأة العربية

على الأرض نار، وفوق البحار دمار، والجار يغزو الجار، هذا دأب الظالمين في أيامنا الكالحة السود، يزهقون الحق وفي طغيانهم يعمهون، ساخرين من السلام والوئام، دامرين على الضعاف بالقنابل والحراب، ليقيموا على جماجم الضحايا ملكاً رحيباً.

لقد غلظت قلوبهم، وصفقت وجوههم، فما يعبأون بالدمع المسفوح، ولا بالدم المسفوك.

عجباً.. لا الحضارة نزعت من طباعهم الشراسة، واستلت من صدورهم الحسد والكيد والطمع، ولا الثقافة استطاعت أن تعلمهم معاني الحق والعدل والرحمة، حتى صدق فيهم قول ولي الدين يكن:

يظلم الناس بعضهم منذ كانوا

 

 

طال ظلم الإنسان للإنسان

لم أكد أتمثل أوزار الحرب ورزاياها، حتى أخذني التأمل في بنات جنسي، فرأيت منهن في بلاد الغرب من لففن الرؤوس بالبياض ووضعن على السواعد رباطاً من الصليب الأحمر، فضمدن الجروح وحسمن النزيف، وسارعن للنجدة والإسعاف، ثم هزني الإعجاب بتضحية النساء اللاتي حللن في مختلف المصانع والمصالح محل الرجال.

وعادني التأمل في ساح الشرف ومجال البطولة، فرأيت منهن في قديم الدهر "جان دارك" تقود جيشاً لإنقاذ أمتها من الهوان، إذا ذكرها قومها، طأطأوا الرؤوس وقالوا عليها السلام، ثم قفل الزمان راجعاً وضن بالأنداد، فإذا الحرب الكبرى الثانية تفتح شدقيها لابتلاع الناس، فيكون للمرأة فيها غير المواساة، والحدب على الجريح مهمة يعجز عنها الرجال، وتضؤل حيالها معامع القتال، تلك هي تسقط أنباء السفارات لنقل الأسرار، وإيداع الأخبار والتوصل إلى خطط التعبئات وإدارة الوقيعات.

قلت لنفسي: أين هؤلاء من نساء العرب في ماضيات الحروب. وأين الصدمات التي تلقينها، والمنايا التي رأينها مما تكابد اليوم نساء الغرب على تطاول الزمان وتباين العتاد بينهما فتمثلت من أولئك العربيات أسراباً كن طلائع أو ردائف للأجناد والزحوف، يضربن الدفوف ويصفقن بالكفوف، ويصحن منشدات هاتفات حتى يحتدم الكفاح وتهيج الحماسة في النفوس، فإذا رآهم الجنود، وسمعوا تلك الأهازيج اللاهبة والزغاريد الصاخبة، هبوا هبوب الرياح لينصبوا على الأعداء كانصباب البلاء.

يا يوماً لبطل مقنع، قتل من قتل وطعن من طعن، وهو لا يلوي على شيء فلما رآه خالد بن الوليد في وقعة أجنادين يحسن الكر والفر تساءل: ليت شعري من هذا الفارس المغوار؟ ولما هجم الروم حمل عليهم الفارس المتلفع، فكان يزعزع كتائبهم، ويزحزح مواكبهم حتى ظنه الجنود أنه خالد نفسه، فسألوا قائدهم عن ذلك البطل المغامر، ثم تنادوا إليه وناشدوه كشف الحجاب عن محياه، فما أحار الجواب، ولما ألح عليه خالد أغمد الفارس سيفه وأزاح اللثام عن وجهه، فإذا طلعة وسيمة تشرق بالبهاء والسناء، وإذا هي من بنات حواء، فرفع إليها صرعاها رؤوسهم باسمين، وهم بين الموت والحياة، وكان آخر صوت مر بمسامعهم قول البطلة المجاهدة للزعيم الغطريف خالد بن الوليد: أنا خولة الكندية أخت ضرار بن الأزور من بقايا أولاد الملوك، لم أعرض عنك إلا حياء منك، لأني من ذوات الخدور وبنات الستور، أتيت مع نساء العرب لنشد عضدك في الجهاد.

ولما استخلصت نفسها ونساء قومها من سرايا الروم أنشدت:

نحن بنات تبع وحمير

 

 

وضربنا في القوم ليس ينكر

لأننا في الحرب نار تسعر

 

 

اليوم تسقون العذاب الأكبر

وماذا كان حال الخنساء حين استشهد أولادها الأربعة في وقعة القادسية؟ إنها قالت: الحمد الله الذي شرفني بموتهم شهداء، وأرجو أن يجمعني بهم في مستقر رحمته.

على أن تلك الشاعرة النواحة لم تبك فلذات كبدها لأن الموت تخطفهم في الحرب، وإنما أبكاها صخر طويلاً لأنه مات على فراشه مغدوراً. أفما يزال يدوّي في سمع الزمان حوار أسماء بنت أبي بكر لابنها عبد الله بن الزبير، وقد جاءها مودعاً قبل أن يعود للجهاد، فشيعته بهذا القول: امض في قتالك يا عبد الله فو الذي نفسي بيده لأن أراك مجندلاً صريعاً في سبيل الحق خير من أن أراك مذعناً للباطل....

ولما صلبه الحجاج، ونصب جثته على الجذع عاماً كاملاً ممعناً في التمثيل بها، كانت أمه أسماء تتساءل بتهكم وكبرياء، أما آن لهذا الفارس أن يترجل؟ فأية تضحية تلك التي جادت بها هذه المرأة الكفيفة الشريفة، وأية بطولة تلك التي عزت في الآباء لتكون للأمهات مثلاً على الزمان؟

ثم أذاكرة ضحوة النهار من غزوة أحد؟ أصحرت إليها نسيبة المازنية، فكانت تأسو الجراح وتسقي العطاش، ولما اشتد القتال انتضت سيفها ودمرت على الصفوف المتلاحمة، وطفقت تصول وتجول بين يدي رسول الله، وكم دفعت عنه الأذى وردت الردى، حتى أصيبت بجراح من طعنات الأسنة ورميات السهام وضربات السيوف، فلم تعبأ بنزيفها الصبيب، وقد أخذت بروعة الجهاد، وحلاوة الظفر، فشده من بطولتها المغاوير، وشهد بها الأعداء. ولما أقبلت على النبي المجاهد بارك عليها ودعا لها بالجنة...

وفي الوقعة التي قتل فيها مسيلمة الكذاب حلفت نسيبة بالله لتعودن إلى الجهاد فذهبت إلى اليمامة، وكافحت في حومة الوغى لنصرة الحق وإزهاق الباطل، وعادت مبتورة اليد، دون أن تبالي ما أصابها، فقد أظفرها الله والمجاهدين على المنافقين، وشهدت في المعركة عدو الحق مقتولاً.

وكرّ بي تاريخ العرب صفحات بعد صفحات، وكم في مطاويه من مروءة المرأة وحميتها، فإذا أنا بعائشة أم المؤمنين زوج النبي r قد ركبت هودجها في وقعة الجمل، وإذا السهام تأخذها من كل جانب، وهي تستنفر الأبطال وتدفعهم إلى النضال، حتى صار هودجها من كثرة ما نضحته السهام كظهر القنفذ، وكان المناجيد من المسلمين قد أمسكوا بعنان الجمل فمزقت أيديهم وداستهم الخيول غير أن ذلك العنان لم يخل من قائد يجرّه حتى قطعت عليه عشرات الزنود.

هذه صور من بطولة المرأة في حرب الحسام والسنان. أما بطولتها في تأييد الحق باللسان، بين جبابرة الأمراء والولاة فأبرع وأبدع، وحسبك مثالاً ذوات الجرأة والبلاغة والوفاء في صفوف "صفين" ممن صدعن أسماع الخصوم بحرية القول ومضاء الرأي، أولئك صواحب الإمام علي ـ كرم الله وجهه ـ اللائي وفدن على معاوية، وقرعنه في مجلسه المهيب بالحجة الدامغة والعتب العنيف.

ولئن عدنا إلى خالدات المآثر والمساعي في نبذ الخصام ونشر السلام عند نساء الجاهية، لرأينا حرب داحس والغبراء جرت حروباً بين بني عبس وبني ذبيان ظلت متسعرة متفجرة، كأنها البركان، وقد كادت تلف العرب بجحيمها دهراً طويلاً لو لم تطفئها امرأة رزان، وهي بهية بنت أوس الطائي التي زوجها أبوها من الحارث بن العوف المري، فلما رأته يتهادى في زينة العرس نأت عنه وأبت على نفسها أن تكون زوجاً له، والعرب يقتل بعضهم بعضاً فما زالت تثير حميته وتذكي نجدته حتى خرج لساعته إلى صاحبه خارجة بن سنان، فنهدا إلى المحتربين وأصلحا ذات بينهم ودفعا الديات من أموالهما حتى تهادنوا، وفي هذا تغنى شاعر الجاهلية زهير بن أبي سلمى بقوله:

سعى ساعيا غيظ بن مرة بعد ما

 

 

تبزَّل ما بين العشيرة بالدم

فأقسمت بالبيت الذي طاف حوله

 

 

رجال بنوه من قريش وجرهم

يميناً لنعم السيدان وجدتما

 

 

على كل حال من سحيل ومبرم

تداركتما عبساً وذبيان بعد ما

 

 

تفانوا ودقوا بينهم عطر منشم

وما الحرب إلا ما علمتم وذقتم

 

 

وما هو عنها بالحدث المرجم

كذلك كانت مواقف العربيات المشرفة، سواء كانت الدنيا حرباً أم سلماً، فوا عجباً لتلك الأنوثة الناعمة الوديعة، كيف تستحيل بطولة باهرة وتفدية غالية في خوض الأهوال والنضال، وفي السعي لتوطيد السلام والأمان وهل أرضعت المرأة العربية طفلها إلا من أفاويق العزة والوفاء؟ وهل قصت عليه وهو يافع وفتى إلا أيام العرب وسير أبطالهم وأجوادهم؟ وهل صبت في عزيمته وهو رجل غير الشهامة والطموح والشمم.

وقد يضيق المجال عن تعداد الشمائل والمآثر التي خلدتها ربات البطولة وأمهات الأبطال، ولقد كان أمرهن في ذلك عجباً كأنه من الأساطير، ووالله ما انقطع حبل النسب بين أولئك المنجبات الفضليات وبين خلائفهن الأبيّات في مراحل العصور، وكيف تنقطع وشائج البطولة النسائية وصوت التاريخ ما يزال مدوياً في المسامع والآفاق عن بسالة المرأة العربية التي تسير على غرار الأسلاف في إباء الضيم والاعتزاز بالشرف وحفظ الذمار، سواء في ذلك المسيحية السمحة التي فاض قلبها بالشهامة والوئام، أم المسلمة العصماء التي امتلأت نفسها بالمروءة والسلام، وكيف أكتفي بالكلام على نساء العرب في ماضيات الحروب، والحرب العالمية حافلة بجهادهن، فإن منهن من رفعت عقيرتها بالحق أمام جبابرة الحكام فأنقذت من الردى والهوان من أنقذت وأدارت ملاجئ الإحسان وساعفت في المصحات، ثم انحسرت تلك السنون عن عهد جديد أشرقت فيه تباشير النهضة النسوية الحديثة، على أيدي طائفة من المثقفات الواعيات.

فالمرأة العربية التي شاركت الرجل في بناء الأمة وخلق عبقريتها، وسجل لها التاريخ بطولة في الحرب ومآثر في السلم، ستبقى أبداً مثار الهمم ومنار الظلم ما دامت تولي وجهها شطر المثل العليا، وتغرس في نفوس أولادها حب الخير والحق والوطن.

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244