|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
هل المرأة وفية؟ تجول في خاطري قصتان: إنهما لتلوحان كما تتلوى أفعيان، كل واحدة منهما تحمل السم الزعاف. وقد ذكرت وأنا أفكر فيهما قول الجاحظ في أول كتاب "العصا": لا تلد الحية إلا حية. فقلت أي الحيتين ولدت الأخرى؟ أما السم الزعاف فسيرى القارئ مكنونه، وأما القصتان فإحداهما لأديب التهكم الفرنسي "فولتير"، والثانية للزعيمة الصينية زوجة شنغ كاي شيك ولئن كان فولتير حياً بيننا، فلا يعنيني ما سيكون من أمره مع السيدة الصينية هل كان يشكوها إلى محاكم الأدب أو يترك أمرها إلى أهل النقد. وإنما الذي يعنيني وينبغي أن لا يفوتني الاهتمام به أن كلتا القصتين تخلعان لباس الخيانة على المرأة وتدعيان أن لا وفاء عندها ما عاشت بين الرجال... ففي القصة الصينية يؤتى الشيخ الوقور "تشوانغ تشو" لباب الحكمة، ويوهب إتيان المعجزات ويزهد في مناصب الحكم وألقابه، فلما عرضت عليه الوزارة فرّ بزوجته يخبط في الوادي هائماً على وجهه، فراراً من هذه الوزارة التي رأى فيها ظلم الإنسان لأخيه الإنسان، قانعاً بزوجته المخلصة الأمينة، التي كانت تهدهد نفسه بالحب والوفاء فمرّا في بعض الطرق بامرأة مجلببة بالحداد، مكبة على قبر رطب التراب، وبيدها مروحة تلوح بها فوقه، فسألها الحكيم الصيني عن سبب فعلتها، فقالت: إنها عاهدت زوجها على أن تبقى وفية له بعد موته حتى يجف تراب قبره، وقد جاءها خاطب قبل أن يجف هذا التراب، فأكبت على هذا الجدث تنشفه بالمروحة. فيجفل الحكيم من هذه المرأة وتسري في صدره ريبة بوفاء زوجته، وطالما ادعت له أنها وفية مخلصة. وكان شيخنا أشفى على الفناء، فلما دمر عليه الموت اصطنعت زوجته الجزع والإشفاق، فأخذ عليها أن لا تتزوج بعده، وأن تدفنه في جانب مكتبه بداره، ولبست عليه الحداد فلم تدهن ولم تتزين، حتى وفد تلميذه من القرية النائية فاتخذ لها الأحابيل، ظاهرها الأسى وباطنها الهوى، ثم أغراها بالزواج فنقضت عهدها ونكثت وفاءها وغدت بالتلميذ متيمة مغرمة، وقد أرادها على أن تنقل الضريح إلى خربة خلف الدار وأن تعطيه المال، وتعترف له أنها لم تكن تعد زوجها حكيماً عليماً، وما كانت تواتيه حباً. فعلت كل هذا راضية مطمئنة، فإذا أقبلت عليها البهجة بعد العرس بوغتت بنازلة فادحة تفري حشى عروسها الذي أخذ يستغيث طالباً إليها أن تعالجه بمخ رجل مات منذ قريب فإذا أكل المخ عاجله الشفاء، فتسارع المرأة إلى ضريح زوجها، وإنها لتهدمه وتفكه، وإذا بحكيم الصين يناديها من جوف القبر، فبهتت المرأة لهول الخيانة وروعة البغتة. هذا مجمل القصة الصينية المخلوقة. وأما القصة الفرنسية فإن الحكيم البابلي زاديك وقد أصاب عينه العور في سبيل زوجته الأولى إذ كانت هذه الزوجة تكره أن تمد بصرها إلى سحنته فترى عواره، وبقيت تنازعه في أمرها حتى طلقها، وجعلته لا يركن بعدها لوفاء النساء، وما لبث أن تزوج بعدها امرأة كانت تظهر له من البر والوفاء ما لا حد لتصوره، فغدا بها يوماً على ضاحية فرأيا امرأة في لباس الحداد مكبة حيال قبر وهي تحفر مجرى لساقية، فسألاها الخبر، فقالت: إنها نذرت أن تبقى لزوجها وفية بعد وفاته مادامت الساقية تجري إلى جانب قبره، وقد جاءها خاطب يلح في زواجها ويستعجل، فقامت إلى الساقية تحول مجراها لتمضي بعيدة عن القبر، فيكون ذلك تحلة لها من نذر الوفاء. فيوقر الشك في نفس الحكيم زاديك بزوجته الوفية، وتدور أيام فيدركه الوهن، ثم تنخذل قواه فإذا هو على سرير الموت، وامرأته أمامه باكية لاهفة، حالفة بأن تبقى على الوفاء له، فيموت قرير العين بعد أن وصاها بدفنه في بيته، ففعلت، وأقامت على قبره نادبة ناحبة، حتى أتاها صديق له كان يعرف سره ودخيلته، فاصطنع الوجوم لخطبها، وبذل لها الود والمواساة، ثم آل أمرها إلى الغرام فتعاهدا على الزواج. وإن المرأة لفي ثوب عرسها، إذا بعروسها صديق الحكيم زاديك يصرخ من ألم في بطنه وهو مطروح أرضاً فتكب عليه فزعة مفدية، فيقول لها: لا يشفيني سوى أرنبة أنف لرجل مات منذ قريب، فتهب وبيدها سكين فتفتح عن زوجها المتوفى غطاء ضريحه، وإنها لتهم بجدع أنفه إذا به يمسك بيدها ويقول لها؛ لقد كنت يا زوجتي أعظم وفية! وسيعلم القارئ الذي يشغلني وعيه، أي سم عنيت بالقصتين، وأية أفعى كانت كل واحدة منهما تفح وتتلوى، وسيعرف معي أن هاتين القصتين ـ بما أكلت الواحدة من لحم الأخرى ـ عليهما سمات الوضع والتخيل، وفيهما عنصر التهكم والتظرف. كذلك مضت القصتان في آفاق الأدب ودنيا المرأة، ومضى معهما كثير من هذه الأقاويل التي نسجها الخيال واصطنعها الحقد والتشفي، على أنها حقائق راهنة وحجج دامغة على غدر المرأة وبعدها عن الوفاء. وليس لي أن أحاسب الزعيمة الصينية التي طالما شغلتها السياسة عن مثل هذه القصة وقد جاءت بها مرددة مقلدة، وإنما أؤاخذ شيخ الساخرين فولتير بما آخذ به قريع جنسه الشاعر الفريد دوموسيه الذي قال: إن فولتير دسّ الإلحاد والفساد في نفوس الشباب بعصره. وصور الشاعر موسيه في كتاب اعترافاته كيف جنى الشعراء والأدباء بآرائهم وأهوائهم على الحقيقة والواقع. ومن هذا القبيل ما يردده رواة الأخبار من نوادر وأحاديث يتفكهون بها ويتهكمون، على غدر المرأة ومكرها، وأنها لأقاويل تجري في إيثار وفاء الرجل فتزعم أنه وحده الوفي الأمين وأن المرأة هي الخوانة الجحود. وتأملت إلى أية غاية من إفساد المجتمع يمكن أن تجري بالإنسانية مثل هذه الألهيات الهازلة، فيكون منها أبداً غذاء لمظنة الرجل بالمرأة ظن السوء، وقد خلقت من نفسه ليعيشا في مودة ورحمة، حتى استقر في ظن أكثر الرجال خشية من المرأة وريبة فيها، فنفروا من الزواج وآثروا الوحدة والعزوبة. وبلغ من سوء ظنهم أن ارتابوا في كل امرأة، فلو رأوها قانتة لله لقذفوها برجم الظنون، وإذا لمحوها في درب تجاوبت أصداء نفوسهم بالارتياب، فحسبوها ذاهبة للقاء عاشق، وإن أبصروها تتبسم ظنوا تبسمها شباكاً لصاحب ولم يقصروا معرتها في الزواج وإنما عمموها، فهي عندهم ماكرة غادرة في كل مرافق الحياة، وأسباب الصلات. وانتصبت لهؤلاء المرجفين منارات دلتهم على عطفات الطريق الذي سلكوه في عداوة المرأة، وكانت تلك المنارات فلاسفة وأدباء ابتلاهم الله بالعزلة وسوء الظن والوسواس، فصرخ في أواسط أوربة شوبنهور معلناً فساد المرأة وغدرها، ملعلعاً صوته كناقوس على ميت، فأفزع رجال الغرب من النساء، وصاح في الشرق شيخ المعرة مندداً بخبث المرأة ومكرها، فصب عليها في لزومياته سوط عذاب، وجردها من كل الفضائل، وأعمها وأهمها الوفاء...، وكان أبو العلاء ـ يرحمه الله ـ بعيداً عن المرأة، مصاباً بالوسواس العقلي الذي جرّ عليه لوم الناقدين حين بحثوا عقيدته ودخيلته وتحيروا في إيمانه. ولم يخل هذا العصر من لمز المرأة في وفائها كشيخ المتهكمين في الغرب برناردشو، ومثله فريق من أدباء الشرق وخاصة في مصر، فكان من دأب هؤلاء الأقربين أن يتندروا بمقالاتهم ويتظرفوا باتهام المرأة في وفائها ونهضتها، بدلاً من أن يزحزحوا العوائق دونها، ويأخذوا بيدها ويسددوا خطاها، فلو رجعت إلى هؤلاء المتندرين أو المتطيرين لرأيت في حياة كل منهم امرأة لفحت نفسه بجحيم من كيدها فراح يأخذ النساء بجريرتها تشفياً وانتقاماً. ولكن رويد الرجال، أفكان الغدر وقلة الوفاء مقصورين على المرأة وحدها دونهم، أليس فيهم من لم يمس الوفاء قلبه، دأبه الغدر والتنكر، وما أهون عليه إذا أيسر أو تحلل من الشرع أن يفارق فينسى من كانت تألفه في المنزل الخشن. قيدوا الرجال بقيود المرأة ثم انظروا في مواطن وفائه إن كان يظل فيها مكان لوفاء واحد... على أنه، وهو في بحبوحة حريته، ضنين بالوفاء إلا ما ندَر، ولو وفى لملاْ الدنيا إِشادة بصنعه، وقل أن يفي بالحياة الزوجية إذ إن في الرجال من يبني بالمرأة الجديدة والزوجة السابقة لم يغبّر كفنها، أو يفكر في الثانية وهو يمشي مطرقاً وراء نعش الأولى. والرجل بطبعه أقدر على الغدر من المرأة وأكثر فزعاً إلى التحايل والتطاول وإلى التأويل والتعليل فيما ينقض من عهود ويخلف من وعود، وإن في مكر رجال السياسة ونكثهم للمعاهدات والوثائق لأكبر حجة للمرأة على غدر الرجال. وقد شاهدنا في حرب الأمس أية قيمة للمواثيق المحرجة والعهود المغلظة التي كانت من طواغيت العدوان والطغيان. وما كانت كل النساء وفيات، فالغدر والجحود من شيمة الإنسان، وهما من الأدواء التي يشكو منها المجتمع منذ كان، ولعمري إن غدر المرأة وتنكرها في كثير من الأمر لإتيان من الرجل نفسه. ففي القصة التي نشرتها السيدة السياسية الصينية، نتبين أن الحكيم الصيني هو الذي أرسل تلميذه الجميل ليغوي زوجته الوفية، فغلبها على أمرها بالحيلة، والمرأة أضعف من الرجل، كما أن الحكيم البابلي هو الذي بعث بصديقه ليغري زوجته بالاحتيال فترضى به زوجاً جديداً. فهات الرجل الوفي لكي تجد المرأة الوفية، وليس على من ند المعول، ولو شئت الاستشهاد لضاق المجال، ففي تاريخ العرب تقرأ العجب فيما أثر عن المرأة من وفاء، كحديث نسوة أيامى ـ حساناً وغنيات ـ أبين أن يتبدلن بأزواجهن أزواجاً آخرين، ولو أمراء وسلاطين، كان فيهن من لم تتحرج من إيثار الوفاء لزوجها بعد موته على أن ترضى بمحمد زوجاً، فامتدحها النبي مثنياً عليها، بل كان وفاؤها للزوج حياً أو ميتاً، لا يعدله وفاء. وليس بفائتي أن أذكر عمرة بنت النعمان بن بشير التي قتلت باطلاً على غير ذنب، لأنها أبت أن تقر لأعوان مصعب بن الزبير بكفر زوجها، وتبرأ منه كما فعل قومه، فجلدت وقتلت وفاء لزوجها وبقيا على ذكراه. وفيهن من شوهت محاسن وجهها، فدقت ثناياها أو جدعت أنفها لترد خطابها وتصدهم عن إغرائها وابتغائها. كنائلة زوج الشهيد عثمان بن عفان، وخولة بنت زيان بعد مقتل زوجها عبد الله بن الزبير. وبدا غدر الرجل في كثير من حوادث العرب، فإن "النوار" بعد أن سلمت قيادها إلى ابن عمها الفرزدق ليزوجها ممن يراه لها أهلاً، ويعده كفواً، جاء بها إلى مسجد قومه بني مجامع وقال لهم: اشهدوا أنني زوجت نفسي من نوار، فرمحته نوار نافرة وهربت منه إلى الحجاز، مستجيرة بابن الزبير، وكانت قيود الأحكام تمنع مثل نوار أن تنكل عن الزواج بعد أن وكلت إلى رجل أمر هذا الزواج. ولكم كشر رجال مستبدون عن نيوب الغدر والجحود، فإذا قلبت صفحة الزواج، ونشرت صفحة السياسة والصداقة وجدت في تاريخ الغرب والشرق، قديماً وحديثاً، مثالب ليس مع مثلها نهوض حجة للرجال على وفائهم أكثر من النساء. فويح حظ المرأة من الرجل، إنها آسفة متلهفة بعد أن كتب الرجل التاريخ وسجل الحوادث حسبما أملى هواه. ولكن من يدري لعل عهداً يقبل على المرأة فتكتب هي فيه التاريخ، ويقرأ بعدها الرجال حوادث يقول يومئذ ناقدوها: إن المرأة كتبتها حسبما أملى هواها. ولَمَ لا يعود الإنسان بجنسه إلى التصافي والإنصاف فيزيل الرجل من صدره الغل للمرأة، ويؤثر المودة والرحمة، وما الحياة داراً نتعادى فيها ونتفانى، وهي أهون ـ كما قال أبو الطيب ـ من هذا التعادي والتفاني. |
|
| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |