|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
جزى الله أبا حيان التوحيدي خيراً وخلوداً، فقد جعل في تصانيفه أحاديث للسمر والمنادمة، فيها إمتاع ومؤانسة، ونقد للأخلاق، وصفاء في البيان، فكان فيما رواه عن معاوية: أن جماعة من الكبراء، سألوا معاوية الأموي الأول عما هو أبقى في سرور الحياة وأجمل في النفس وأحلى فقال معاوية: إِنه الحديث... فقد ذقت الطيبات ونعمت بالملذات، وبلغت جهد ما يبتغي المرء من دنياه، فلم أجد أبقى في النفس ولا أمتع للفكر من حلاوة الحديث وسحر الكلام... ولكم هششت لأبي حيان كلما اطلعت على أحاديثه للوزير ابن العارض في ليالي الأدب، ومجالي الشعر والبيان، فقارنت بين التوحيدي محدث الوزير، وبين شهرزاد محدثة الملك شهريار، ذلك يطوي الليالي في الحديث عن العروبة وأنساب العرب، مزهواً بأمجادهم ومآثرهم، راوياً غرر أيامهم وحجولها، أو محدثاً يشكو بثه وهموم نفسه بفوات أيامه حين كان بحضرة الصاحب بن عباد، الذي تجهم له حسداً، وشغله بالوراقة زمناً كاد يذهب معه بصره. وتلك تقص أحسن القصص، لسلوى الملك وإلهائه عن الفتك بها، كما فتك بأمثالها من الحسان، في لياليه الماضيات. قلت لألف ليلة وليلة: حديثنا عن دنياك الخالية التي ألقت على شرقنا الروحاني روعة وفتوناً، وبعثت في آفاق الخيال بغداد بقبابها القاتمة ونهرها الفياض وكرخها المخمور، باهرة الأعاجيب في قصص كالأساطير، عابقة بدخان البخور، وكأنه طيوب نشمها فننسج من سحابها الهفهاف، أكواناً من التهاويل، مواجة بجنيات عبقريات أطلعتهن شهرزاد، هذه المحدثة الساحرة التي صفدت جباراً من الطغاة في أغلال أنوثتها وصباحتها، وكان سلاحها البتار لسانها العذب الخلاب، فخيل إلي أني أرى الملك شهريار، هذا الفاتك العاتي الذي قتل أنضر العرائس وأجمل الغيد، لقد تمثل لي وهو هائج كالأسد، مزبد كالموج، والغضب يتفجر من وجهه وقد كوّر على رأسه عمامة مريشة، غاص فيها رأسه، ولف على كتفه وشاحاً مذهباً مزركشاً وحوله الحجاب والجواري يرفلون في ديباج أذهلهم عن غضبه، وصرخاته تدوّي في أرجاء صرحه الممرد، فتعقد الألسنة، وترجف القلوب هولاً وحزناً على غيد أماليد، سفك دماءهن شهريار، واحدة تلو واحدة عند كل صباح... هذه شهرزاد فلتة من فلتات البيان، وبدعة في الحسان أرسلتها الأقدار لإنقاذ بنات حواء من فتك شهريار، فتبدأ ليلتها بكان يا ما كان في قديم الزمان... ويرهف الملك سمعه مأخوذاً بسحر حديثها، حتى يدرك شهرزاد الصباح، فتسكت عن الكلام المباح. لئن غابت شهرزاد فيما انطوى من آفاق بغداد، فإن أريج حديثها ما يزال يعطر مواهب الأدباء في الشرق والغرب، فيستمدون من فنها ومن وحيها روائع القصص، وهي إن استحوذت على النفوس بأساطيرها وتهاويلها، فإن نساء يعربيات قد ملكن العقول والأسماع بمحادثات رائعات، فيها مطارحة بالشعر ومقارعة بالرأي والحجة ونقد للأحكام، ولعل معاوية الداهية، الذي آثر الحديث عن كل مناعم الحياة، كان مأخوذاً بأحاديث النساء اللاتي كن يجلسن إليه متوددات مؤيدات، أو يفدن عليه ناقمات ناقدات. * * * ما أشبه الحديث الحلو من ذكية واعية بمطفرة ماء قراح، فهي إن لم تنقع الصدى، وترو الغليل بلّت ظمأ العيون، ولعل هذا التصور وقع في خاطر الشاعر حين سمع امرأة تتحدث دون تكلف ولا فضول، فتخلب الألباب بحلاوة نطقها وبراعة وصفها، فراح يقول فيها وفي حديثها:
وسامحه الله كيف يكون مثل حديثها شركاً، وما هو إلا العتق والانطلاق. كان للعرب شغف بهذا اللون من فتون المرأة، وهو حلاوة حديثها، فأحبّ الخلفاء والأمراء أن يطرفوا مسامعهم بحديث النساء كما طربوا بغنائهن، وكان إقبالهم على اقتناء الجواري المحدثات أكثر من إقبالهم على القيان الحسان، فإن ثمن الجارية في عصر الرشيد والمأمون كان يقدر بحظها من الشعر والغناء، وليس على قدر نصيبها من الجمال والدلال. وفي القيان اللاتي ثقفهن إسحاق الموصلي من كانت منية الأسماع والنفوس بحديثها العذب المقال. وهل ملكت كيلوباترا قلب أنطونيو إلا بسحر حديثها، فإنها كانت تطعنه بجمالها وتداويه بكلامها. وقد بالغ الرواة فظنوا أنها أسرت أنطونيو بفتونها، وفاتهم أن أنفها الطويل كان يشوه ذلك الوجه الصبيح. وقد قال فيها أحد علماء الجمال: لو جاء أنف كيلوباترا معتدلاً لتبدل وجه العالم... وهو لاشك يريد أن يعترف أنها لم تفتن الروماني الجبار أنطونيو بجمالها وحده، وأن هذا الجمال لو كمل لكانت كيلوباترة فتنة الدنيا، ولتطاحن عليها ملوك الأرض. وزاحم الرجال النساء على الخلفاء والأمراء، فغصَّ تاريخ الأدب العربي بأخبار الندام دون الندامى، منذ كان يجلس إلى جذيمة الأبرش ندماناه، حتى أعقاب العصور العربية التي كان فيها حفاوة بالمسامرة والمطارحة، وكم في مطاوي أدبنا من أحاديث تنثال عليها الطرافة والحصافة، في كلام مأثور وعاه التاريخ للرجال، ولم يحفظ في تضاعيفه إلا القليل من محادثات النساء ولعل المرأة لم تكن في حسبان الرجال غنية كل الحواس، وغاب عنهم أن المرأة مهما كانت فاتنة الخلقة، سابية الطلعة، ولكنها لا تحسن الكلام، فإن جمالها الصامت معدود في التماثيل. وما كان حديث النساء أدباً كله أو جداً، ولا سيرة أو هزلاً وإنما كانت فيه حكمة وعاطفة، وكان فيه فقه وتشريع، فرواة الحديث النبوي قد صدر كثير منهم في مستهل الإسلام عن أحاديث السيدة عائشة زوج الرسول أعظم محدثة في العرب... وكان الرواة يعنعنون الحديث صُعُداً إلى أم المؤمنين التي بذّت المحدثين بدقة وعيها وروايتها. وهذا لعمري منتهى الفضل والمجد الذي بلغته المرأة العربية. على أن لحديث المرأة في نفس الرجل مهما كانت ثقافته، مشحذة لفكره ورهافة لذوقه وشعوره، بل هو سلوى له ومؤانسة. فكيف إذا كان الحديث من مثقفة لبقة، تحسن التحاور والتنادر، وتتقن المساجلة والمطارحة، وهذا سر مجالس الأدب عند نساء العرب. فكم غلبت بلاغات النساء في الحديث كل خليفة داهية وعامل جبار، مثل ما كان من هند بنت عتبة، وليلى الأخيلية، وأسماء وعائشة بنتي أبي بكر الصديق، ولكم سحرت عائشة بنت طلحة، وولادة بنت المستكفي ألباب الكبراء والشعراء، بسرعة البديهة والذكاء، وبراعة النقد والأدب، وإذا ذكرنا هؤلاء لمعت في الخاطر مجالس حافلة لسكينة بنت الحسين، كان يسابق إليها أكابر الشعراء الأمويين، طمعاً في إصغاء بنت الحسين وعطائها، فكانت تنقد شعرهم وتجزل لهم العطايا، فذاع صيتها في الحديث وفصل الخطاب. لقد غبرت تلك العصور، وترادفت الأجيال، فإذا نحن في أيامنا ولم تبطل المقاييس في حلاوة الحديث، بل صارت به أحفى، إذ جعلته فناً من فنون البيان، لا يؤتاه إلا القليل، وصار لزاماً على المرأة المعاصرة أن تأخذ بأسباب هذا الفن، لتستوفي ثقافتها، وتكون صورة حية في فطرتها وزينتها، فإن اللوح الفني الذي يمثل المرأة الجميلة إنما هو جمال ساكن، وما يكون متحركاً في الحياة إلا إذا أوتيت صاحبته فن الحديث. وغدا هذا الفن الجميل مجلى من مجالي الثقافة والحضارة في بلاد الغرب، وقد ازدهر عند الفرنسيين في عصور النهضة والتجديد بمجالس المترفات من المثقفات والأديبات، أمثال مدام دوسفينيه ودوستال وروكامييه، اللاتي كن يستقبلن في أبهائهن أعلام الأدب والفلسفة، ويستملن أكابر السياسيين إلى مجالسهن، ليتبادلوا معاً الأحاديث والآراء التي كان يتداولها الغربيون في ذلك الحين. ولم يحرم أدبنا العربي ندائد أولئك الغربيات، فإن نساء عربيات كن في مستهل هذا العصر غرر الأحاديث، بسداد الرأي وحصافة الفكر وعذوبة الكلام. أذاكرة منهن "ميّا" في مجالسها أيام الثلاثاء تحت سماء الكنانة؟ ليت الزمان تقدم بي أو تأخر بها، إذن لأتيت مجلسها لا يفوتني كما فات يوماً شيخ الشعراء إسماعيل صبري باشا فخلد الأسف عليه بشعره، ولكنت استمعت فيه لنغمات بيانها ونعمت بحلاوة حديثها، وإن في رجال العرب أدباء ما زالوا، كلما ذكرت "مي" انسابت في مسامعهم أحاديثها، وكأنهم يسمعونها اليوم، فيتمثلونها وقد عقصت شعرها، بعصابة بيضاء، وأخذت طلائع الشيب تبدو على سواد شعرها كأنها نجوم سواطع في حلك السماء، ثم صارت تلك النجوم تتناثر وتلمع ويغيب الدجى، حتى عم البياض الأفق، وغاب ذلك الكوكب الدري. كان يقبل على مجالس "مي" أئمة الشعر والبيان، وأعلام الفلسفة والصحافة، فتدير بينهم مجرى الحديث بوعي شامل لا تصنع فيه ولا تنطّع ثم تدور عليهم بشراب من ماء غير مسكر هو شراب الورد، مشفقة عليهم، فقد كفاهم نشوة واحدة من سحرها الحلال الذي كانت تسكبه في حديثها العذب الأخاذ. وطوى الردى "مياً" وانطوت أحاديثها في صدور الذين سمعوها، وكأنها أزاهير أتى عليها الزمن وما تزال ندايا، فليت سامعيها ممن اتصلوا بحياتها وصداقتها ينشرون اليوم شذا تلك الأحاديث([1]). وكأن "مياً" كانت استهلالة فنية لطلاوة الحديث النسوي، فراحت من بعدها المحدثات يكملن مواهبهن في العقل والجمال بخلابة اللسان واصطناع ما يقتضي الزمان من ثقافة المرأة المعاصرة التي غدت غير قانعة بوعي المعرفة، في حدود انتهت إليها بفطرتها ودراستها بل أخذت سبيلها إلى التحدث في المجالس المختلطة وغير المختلطة، وساعدها على تحقيق الأماني من أحاديثها اللطاف وجود الإذاعات، فكانت وسيلة إلى شحذ لسانها واتساع بيانها، حتى عرفت في أيامنا محدثات في مختلف الإذاعات، بمصر وسورية ولبنان، ممن يتحدثن بمثل ما يتحدث الرجل أو بما تجلت فيه المواهب النسوية والمزايا الفنية، وزدن على ذلك بمثل هديل الحمام وناغم الكلام. ومن حق الأسماع التي أنست بعذب الإلقاء وسحر الأداء والبيان أن أذكر لها لتهدهدها الذكرى ـ صديقتي نابغة الأديبات وفخر الجيل النسوي الجديد الدكتورة سهير القلماوي (1911- 1997) التي طالما حدثت وكان لها الأثر الجميل في أحاديث النساء. * * * شتان بين فن الحديث ولغو الكلام، فكل حديث كلام، وليس كل كلام بحديث، إنه موهبة كالشعر والموسيقى وقد يؤتاها غير المثقفات، فكم من أمية يروق حديثها وتهفو الأسماع إليها، وتكون خيراً من نساء تطفو الرطانة على أشداقهن فيخدعن الساذجات بلغوهن وتكلفهن الكلام فيما يجهلن من ضروب المعرفة. ولقد سئل أحد المحدثين عما دار بينه وبين أناس كلمهم وأطال، فقال تكلمنا كثيراً ولم نتحدث، فذكرني بما تتداوله النساء في أحاديثهن، وما يعيّرهن به الرجال. إنهم ليتندرون عليهن ويزعمون أن المرأة لا تتقن من الحديث إلا الكلام على الطعام وألوانه، والثياب وأزيائها، والخدم ومشاكلهم والملاهي وسلواها، فإن صح هذا في أكثر نسائنا، فإن الرجال، مع سبقهم إلى الثقافة وكثرة تمازجهم واتساع آفاق الحياة أمامهم، ما تزال أحاديثهم إذا جدّوا لا تعدو اللغو في السياسة والأحزاب. وما يكون فن الحديث إلا بعد فن السماع وتسديد الموهبة بالمرانة والاطلاع، فلنسمع كثيراً لنتحدث قليلاً، وليكن كلامنا حين يدعو الكلام، ولنجعله مطابقاً لمقتضى الحال، فإنه إذا خلا من حكمة أو فكاهة أو فائدة، فالصمت خير وأولى. فما أجمل يوماً يعم فيه تعليم البنات، وتتأرج فيهن المواهب تأرج الأزاهير، فيأتي عليهن حين، يكون منهن محدثات، يجددن عهود الغوابر في عصورنا الزاهرة. وما فن الحديث إلا مرآة لثقافة المرأة وذوقها، ودليل على وعيها ولباقتها، ولا يكون سحره حلالاً إلا إذا اشتمل على الخير والهدى، وأدخل المسرة المشروعة على النفوس فكان جمام الروح، ومراح العقول من نكد الدنيا وهموم الحياة. | |||||||||||||||