مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 445 أيار 2008
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

حاجات ملبيات

هنالك على السفوح المقدسة من عرفات ومنى، حيث يتناوح الأخشبان بهامتيهما العاريتين، وفي عدوة المسعى بين الصفا والمروة تتهادى نساء في الحجيح، متلفعات بالأبراد البيض، مؤتزرات بأنقى الجلابيب، يبتهلن إلى الله بوجوه مشرقةٍ بالرضى، وقلوب فياضة باليقين، جياشة بالحنين إلى بيته الحرام.

وكما يزم الرجل رحاله، ويلملم أحماله، ويطوي البيد أو يمخر البحار، ويطير في الفضاء، ليصل إلى ديار بني هاشم وعبد شمس، بإيمان لا يزعزعه زمان، وآمال ترثها الأجيال من الأجيال، كذلك تسارع نساؤنا في مواكب الرجال، إلى دارة الوحي وكعبة الدين لا يصدهن عن الحج حرب ولا بعد، ولا يعوقهن غد غامض مجهول فإذا بلغن مكة المكرمة، وباشرن فريضة الحج، بدأن من الشعائر بالإحرام فلبسن كالرجال إزاراً ورداء جديدين ناصعين بالبياض، ثم والْينَ التلبية، رافعات بها الأكف، مبدئات ومعيدات، الله أكبر، الله أكبر! لبيك اللهم لبيك... فيتردد هذا الهتاف، ويضيع في زمازم الحجيج كلما علون شرفاً ونجاداً، أو هبطن سفحاً ووهاداً، فمن حول البيت العتيق كم طوفت مسلمات قانتات، مستلمات الحجر الأسود، ميامنات فيه أشواطاً سبعة مباركة وكم وَفين ثمة بالنذور، وتشبثن بالأستار الشريفة، داعيات إلى الله بالرحمة والغفران، وسلامة الإياب إلى الأوطان...

كانت زبيدة بنت المنصور زوج الخليفة العباسي هارون الرشيد تتوق للحج كلما حج الرشيد الذي كان من دأبه أن يغزو عاماً ويحج عاماً، فلما قتل ابنها الأمين، واستولى المأمون على الخلافة، جاءت زبيدة الثكلى حاجة محتسبة عند بيت الله مصابها في ابنها، فأكبت على المبرات، وأجرت عيناً تعرف حتى اليوم باسمها، يجد عندها الحجيج سكناً للهاثهم، ورّياً لظمائهم.. ومن يدري، فلعل السيدة زبيدة ـ يرحمها الله ـ كانت إذا وقفت عند أستار الكعبة تمزج الرحمات بالدمعات، وتنشد قول الحسن بن هانئ في ابنها الأمين:

طوى الموت ما بيني وبين محمد

 

 

وليس لما تطوى المنية ناشر

لئن عمرت دور بمن لا أحبه

 

 

فقد عمرت فيمن أحبّ المقابر

وكنت عليه أحذر الموت وحده

 

 

فلم يبق لي شيء عليه أحاذر

ثم تنثني إلى الصدقات، فتأمر بإمداد المعوزين والمساكين: فتكسو العريان، وتطعم الجائع، وتعطي الفقير... ومن الغريب ألا يسلم عصر من عصور الأدب من مزاحمة الشعراء للنساء، ولو كن في مناسك الحج ومحاريب العبادة والزهادة: "ألم تر أنهم في كل واد يهيمون، وأنهم يقولون ما لا يفعلون؟". كذلك كانوا يرتقبون أسباب الدعابة والصبابة، ويتلمسون مراتع الفتون، فيجيدون داعي القلب، كما يجيبون داعي الرب. على أن أشهر وأكثر من تصدى للنساء بالغزل والثناء هو عمر بن أبي ربيعة، فقد اتخذ من أيام الحج موسماً للهوه ومجانته، وكثيراً ما وقف عند الحطيم هائم النفس يترقب وينشد:

أيها الرائح المجد ابتكارا

 

 

قد قضى من تهامة الأوطارا

من يكن قلبه صحيحاً سليماً

 

 

ففؤادي بالخيف أمسى معارا

ليت ذا الدهر كان حتماً علينا

 

 

كل يومين حجة واعتمارا

وقد بلغ من عبثه وغزله أن نفرت كل حصان رزان من الحج، وأبى أحرار الرجال على نسائهم تأدية هذه الفريضة كلما جاء هذا الشاعر المخزومي إلى تلك المناسك المباركة.

كان عمر يقتحم العقبات، ولا يحجم عن تعقب الحسان وتتبع الغواني في مغاني الطائف أو بين مسارب العقيق وواديه البهيج، مهما لقي من تهديد الخلفاء والمتزمتين، ومن وعيد أصحاب الغيرة على الحرمات، ولكم هجر مكة أناس فراراً من هذا الشاعر الغزل، وخشية تشبيبه بكرائمهم وتنويهه بأسمائهن وكشفه عن معالم الجمال فيهن. أما مواكب النبيلات من شريفات الحجاز أو العراق والشام في مواسم الحج فكانت حافلة بالهوادج والرواحل، مثقلة بالمتاع والزينة.

روي أن عائشة بنت طلحة حجت ذات مرة ومعها ستون بغلاً عليها الرحائل والقباب فعرض لها عروة بن الزبير قائلاً:

عائش يا ذات البغال الستين

 

 

أكل عام هكذا تحجين؟

فأرسلت إليه: نعم يا عُرَيّة! فتقدم إن شئت. فكف عنها وندم على فضوله...

ولم تكن كل النساء في عصر عمر سواء في التنكر للشعراء والتحرج من غزلهم ولهوهم، فالجميلة منهن كانت تتمنى أن يسير في ذكرها الشعر، ولاسيما في شعر عمر بما يزيدها تيهاً بحسنها ويغري بها الخطّاب. وكان الشاعر العَرْجي يتصدى في موسم الحج لمن عناهن بقوله:

من اللاء لم يحججن يبغين حسبة

 

 

ولكن ليقتلن البريء المغفلا

ولكثير عزة وجميل بثينة والأحوص ووضاح اليمن أشعار في بعض الحاجات المترفات، ممن رضين بالأماديح وعدن تياهات بلقيا الشعراء، مباهيات بغزلهم ونسيبهم، حتى أن النواسي على مجونه لحق بجنان جارية الثقفي إلى طريق الحج فقال:

حججت وقلت قد حجت جنان

 

 

فيجمعني وإياها المسير

وقد لقي "وضاح اليمن" أشد الويل والعنت من جراء هيامه بذوات الجمال والدلال، ولحاقه بهن في مواسم الحج إلى البيت الحرام ويحدثنا التاريخ عما فعل أبو الأسود الدؤلي بعمر بن أبي ربيعة إذ شبب بزوجه واقتفى أثرها في الحج حتى أحرجها فأخرجها عن طورها وشكته إلى زوجها أبي الأسود الذي شقت عليه فعلة عمر، فأشقاه بالقصاص.

وكانت لتوبة عمر أوبة وخيبة، إذ عاود التغزل والتشبب بالمصونات المحصنات، حتى إنه ما كان يتورع عن التصدي لنسوة الولاة والخلفاء، فقد تجرأ على فاطمة بنت عبد الملك بن مروان زوج عمر بن عبد العزيز، وعمر أشد الأمويين اعتصاماً بالتقوى والحفاظ على السمعة والشرف، فعز عليه أن لا يذعن عمر بن أبي ربيعة لأمره، فأمر بنفيه وتشريده.

وفي الواقع أن نساءنا في الحج كن في القديم يؤدين هذه الفريضة بشوق وحماسة وحافز ديني عميق، وهنالك كن يشهدن في ذلك الموسم العظيم مباهج الإسلام وعزة الدين وفضل المساواة وكانت الحاجة تعود إلى بلادها سعيدة فرحانة، مزهوة بما نالت من شرف الحظوة بالأرض المطهرة التي فيها أول بيت وضع للناس والتي ضمت قبر الرسول u وصحبه الأكرمين وأطلعت آفاقها المنورة كواكب رجال تسلموا مفاتيح الدنيا وملكوا زمامها وعلموا الناس الحرية والعدالة والمروءة.

أما نساء اليوم من نظائر المترفات بالأمس وفضلياتهن السرّيات فقلما يدور الحج في خواطرهن وهن مستطيعات إليه سبيلاً، إذ إن تيار الحضارة قد جرفهن بريحه العاتية نحو الغرب فسحن في بلاده، وزرن عواصمه الكبرى للمعرفة والسلوى وكان إليها حجهن المنشود.

على أني لا أغمط الحقيقة في هذا الصدد، فإن المصريات الحديثات على أخذهن بأسباب الحضارة المعاصرة، والثقافة الجديدة لا يتخلفن عن شد الرحال إلى الديار المقدسة، ولعل حجهن يكون أغلى أمانيهن في العمر، فقد شهدت من إقبالهن وتلهفهن على هذه الزورة المباركة ما لم أر مثله عند غيرهن من الشرقيات، حتى شاقني الحج مع نخبة منهن لولا اغتراب على اغتراب، ومبارحة الدار دون أطفالي الصغار وما كان أجمل عندي أن أسرح الطرف في تلك الجلابيب البيض من الحرير، التي كانت تتلفف بها النسوة المصريات الحاجات من صبايا ومسنات، متعلمات وغير متعلمات، إنهن ليذهبن إلى الحج بهذا الرداء الناصع الأنيق ويعدن من دارة الوحي إلى مصر يبقين بهذه الثياب عاماً أو بعض عام، يخفقن بها معصوبات الرؤوس بالخمار الأبيض، وما تقع العين على واحدة منهن وهي بين ذوات الملاءات السود حتى تطيف بها وتهتف وحينئذٍ تردد الأفواه: "هذه حَجِيّه.. ربنا ما يحرمناش...".

ولعل أسعد مصرية في أيامنا من الحاجات المثقفات تلك السيدة الجليلة التي نماها الأدب والتقوى، فأنجبت خير البنين والبنات([1]) وأسهمت في بناء النهضة النسوية على ضفاف النيل في مجلتها التي كانت باكورة الآثار الفكرية في حداثة النهضة المصرية.

تلك هي الحاجة الأديبة السيدة "لبيبة أحمد" التي آثرت جوار الكعبة ودار الوحي، فأقامت هناك منذ ربع قرن ولا تزال إلى اليوم مجاورة موّفرة، يعاودها الحنين إلى مصر حيناً بعد حين فتطير إليها على شوق ووفاء، ثم ترتد إلى أكناف البيت العتيق.

وفي غير مصر من بلاد العرب لا يشوق الحج الصبايا والفتيات، من مثقفات وغنيات، توهماً منهن بأن الحج يخلع عليهن الوقار وطول الأعمار، فلا يقبلن عليه إلا بعد أن ينضحن من مباهج الحياة ويجعلن هذا الحج خاتمة المطاف.

فيا مهبط الوحي ويا دارة النبوة والهجرة، إليك تهفو روحي هفهافة كالأجنحة، خالصة صافية كماء النبع، مبتهلة إلى الله أن أراني في يوم قريب، طوافة في البيت الحرام حوّامة على ذلك الصعيد الذي درجت في حماه خديجة الكبرى وفاطمة الزهراء وعائشة أم المؤمنين وأسماء بنت أبي بكر وسكينة بنت الحسين وغيرهن من القانتات الطيبات.

ويا حجيج هذه الأيام من مترامي بقاع الإسلام، يا من طويتم المراحل في غمرة هذه الحرب الضروس إلى بيت الله ومثوى الرسول سلوا ربكم أن يرفع غضبه عن بني الإسلام ويحقن الدماء التي يسفكها أعداء السلام والوئام، ليقيموا على جماجم الضحايا والأبرياء، مجداً لجشعهم وطغيانهم، مصبوغاً بالدماء.



([1]) منهم صديقتي الفنية العظيمة السيدة زينب عبده عميدة المعهد العالي للفنون الجميلة وزوجة الفني العظيم الأستاذ أحمد أحمد يوسف عميد الفنون التطبيقية في القاهرة.

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244