|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
سحر المرأة السحر سلاح أنفذ من السهام وأمضى من الحسام، إنه اختراع الله، أبدعه من روحه ونفخه في المرأة الأولى، فتوارثه عنها بناتها. رف على العيون فكان محبة وهياماً، وطوف في القلوب فخفقت حناناً ووئاماً. طلعت أزاهيره في شقرة الشعر وسواده وسمرة الوجوه وبياضها، وتدلت ثمراته في مجاني النساء فكانت وداعة الدماثة وعذوبة الأنوثة، لم يسكبه الله على كل امرأة ولا آتاه بنات حواء من غير حساب، فمن مسح به الباري على وجهها فهي المحظوظة السعيدة والمرموقة المحسودة، إنه لا يرى بالعينين ولا يمسك باليدين، وهو كالكهرباء يرى أثرها ولا يعرف سرها. ضل من طلبه في اتساع العيون الفواتر وصفحات الخدود السواجي وعلى المباسم الجاذبة، وجار على الصواب من حكم فيه بالمقياس أو أقره بالبرهان. إنه خفي لا تدركه إلا الأرواح الشفافة والأنفس الحساسة. رب راء لامرأة يعرفها أو يصادفها، وكأنها قد صبت في القالب أو نحتت مثل دمية أو تمثال، لكن تنقصها الروح والحياة، ولو جالت في عروقها الدماء لما سكبت عليها من السحر قطرة، ولقد يكون السحر ساكناً كما نراه في الصورة الفاتنة. وكأي من صورة يخيل إليك أن السحر يترقرق في خطوطها وملامحها، فلما نطقت وتحركت، عريت من الصناعة، فإذا هي مموهة مزورة كالدينار الزائف. ولقد يكمن هذا السحر في المرأة كمونه بين الزند والحجر فلا يتراءى حتى يقدحه قادح. كذلك شأن المرأة من الغيد الملاح لا من الجميلات الحسان، تقع العيون عليها وهي صامتة ساكنة، فتحسبها جامدة هامدة مالها في السحر من نصيب، فإذا هي تحور وتمور، وتتدفق الحياة في قسماتها ونظراتها بالسحر المبين، وهذا ما يسميه الناس جاذباً. هذا الجاذب الخالب هو الذي يلعب بالألباب ويعبث بالقلوب، وأحسبه كقاعدة في العلوم الطبيعية، عندما يجري تيار الكهرباء، في الفولاذ يكون المغناطيس، هكذا يكون الجذب في المليحات الفاتنات حين يدب فيهن تيار الحياة، وإنه كشأن الغناء والرنم حين ترجعه المغنيات في أصواتهن الندية الرخيمة، فيكن من المثيرات الساحرات. ما أحيلى السحر حين تصرفها صاحباته في سبيل الحق والخير والجمال فيكن فيه كالملائكة! وما أقبحه عندما يتوسلن به إلى الشر والشقاء والأذى فيكن فيه كالشياطين! ويل لكل ساحرة جائرة، إن لصنعها الخبيث وقعاً أشد من الوقيعة وأفدح إصابة من المصيبة، إن السحر الرهيب يجرف كريح السموم، هو مس الأفاعي وطعم العسل المسموم. بكلمات من هذا السحر الأخاذ قالت حواء لآدم: كل من هذه الثمرة.... وكانت محرمة عليهما فهويا إلى الأرض، وأفسدا الخلود الأول على بني الإنسان فارتموا فوق التراب مكبين على الوجوه يسعى ناس منهم للخلود الآخر في جنات النعيم، وناس يسحبون سحباً لتكوى جباههم على نار الجحيم. كذلك فعلت بسمات سحر من حواء في الإغراء، فجرّت على الدنيا البلاء والشقاء... وها هنا تنفتح أمامي أبواب التاريخ فألج في بيوته وأجول في حجراته، فأرى لسحر النساء سجلاً منشوراً وكان مطوياً دفيناً، وإذا بالأحداث الجسام تخرج من هذه البيوت وتطل من تلك الأسفار، فترتدي الأعمار وتكشف الستار وتهب بين عيني جاثمات قائمات، فأرى فيها كيلوباترا قد أهلكت أنطونيو بهذا السحر العميق، وجوديت تتسلل بهذا السلاح نحو هولوفيرن فتدخل عليه الخيمة، وهو في حصار بيت المقدس، فتغريه ثم بالمدية تفريه، وبومبادور قد أخذت المطرقة وأشعلت الكير فهي تصنع المقصلة قبل أن يخترعها السفاح "غويتين" وماري أنطوانيت تأخذ الشفار فتشحذها لتمضي في جذ الرؤوس وضرب الأعناق، ولويس السادس عشر يبتسم ضاحكاً أمام تلألؤ ناظريها وتثني قدها المياد بالسحر النفاذ، ثم أرنو إلى صحائفنا وأمجادنا فأراها حافلة بسحر بنات حواء، وتخطر في خيالي ملاحة زبيدة وحلاوتها فأتمثلها بارعة متفننة، نفاثة سحر أنوثتها في وجه الرشيد، ليجعل الخلافة بعده لابنها الأمين، وإذا بجيش المأمون يدك بالفارسيين بعد حين صروح العباسيين، ويسفك الأخ دم أخيه، فتروعني هذه الرؤى الحمراء وأستعيذ بالله من كيد الساحرات. ولقد تفقد المرأة سحر الخالق فتعمد إلى سحر المخلوق، تغلو في الزينة والتبرج، لعلها تملك السلاح الذي به تلهو وتعبث، وتحكم وتسيطر فلا يجديها الحسن المجلوب نفعاً، أما قال لها الشاعر: ليس التكحل في العينين كالكحل؟... وثمة سحر آخر يعلو في جوه الدخان ويعبق البخور، وقد جلس في الزاوية رجل قد يكون عبداً زنجياً أو زميتاً رئياً، وربما بسط على طرف الطريق منديلاً عليه الرمل الأحمر، فرسم بأصابعه فوق النجوم المسدسة، وأخذ من جعبته قلماً من قصب، فغمسه بالزعفران وجعل يكتب أسماء حنطوئيل وجرومئيل وأنطش وأرقش.. ثم صور شباكاً وحشاها حروفاً، وجعلها ورقة مستطيلة كالزنار، فطواها وأحكم بقماش من الشمع غطاءها، ثم أداها إلى اللهيفة أو السخيفة مشترية السحر بثمن غير بخس من وفرها أو تقتيرها، وقد تكون أخذته من الزوج غصباً وحرمته العيال، فتعود إلى بيتها تحمل التعاويذ والتهاويل، أو تحل الورق المكتوب في الماء المشروب، وبعض السحر يقضي على شاريته بأن تحرق على النار العود والحصلبان، لترد الزوج البعيد أو الولد الشريد، وقد تفعل ذلك لطلاق الضرة أو الكنة، أو لصفاء العشرة والجيرة، إنه سحر عتيق في الدهر، عرفته بنات جنسي في عهود بابل، يوم كان فيها هاروت وماروت، وعاينه في قصر فرعون حين همّ الكهان بموسى (، عاش مع المصريات، فهو إلى اليوم عند طائفة منهن يسمى "الزار"(1) وله لديهن مواقيت وأخطار، تجري بها الأخبار، وتعلق بها فريق من نساء الطبقة الدنيا حتى صار فيهن المنجمات والناظرات في الفلك، وفي المندل، والحاسبات القارئات في الكف وفي فنجان القهوة، والساكبات الرصاص "والمحليات" برش الماء على مواضع الداء، وفيهن التي تزعم أن الجني يتلبس إهابها فينتبج منها الودجان، وتحمر العينان ويرغو الزبد على الشدقين، وإذا بصوتها الناعم يخشوشن ويتهدج وتلفظ الكلام بصوت أجش، كأنه متدفق من أفواه الرجال، ثم تخاطب الملك الأحمر أو الأصفر، وتتقبل النذور والأجور بالخداع والتدليس. * * * هذا سحر بنات حواء: روح وريحان وبهجة وجمال، أو فتون وجه ورشاقة قد، وحلاوة لسان ولباقة ذوق، وصفاء شعور وهو السحر الحلال، أو بخور وتمائم ونفثات وطلاسم، للكيد والحسد، وهو السحر الحرام، سحر مطبوع وسحر مصنوع، هما قوام عرش المرأة في مملكة الحب والجمال... (1) الزار قصة في كتابي "بين النيل والنخيل". |
|
| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |