مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 445 أيار 2008
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

قفل بغير مفتاح

منذ القديم والمرأة في الشرق والغرب متهمة بإشاعة الأخبار، موصومة بفضح الأسرار، وهذه التهمة الغاشمة قد وصمها بها رجل... هذا الإنسان القوي العاتي، الذي ما يزال يتجنى على النساء ليثأر منهن وينال، فصرن لدى سواد الرجال بعد تلك الوصمة لا يصلحن للسر كاتمات، ولا للغيب حافظات، ولو تتبعنا صحف التاريخ لازدحمت أمامنا الأحداث الجسام، وأطلت منها الأسباب والبغتات، فرأينا فيها المرأة أكتم للسر، وأعلم بمواضعه وأقدر على إخفائه.

قال الرجال الذين كتبوا عن "ماتا هاري" إنها مثلت بين أيدي القضاة العسكريين بفرنسة إبان الحرب العالمية الأولى ـ بنفس صامدة كأنها قلعة الجبل، فلم يستطع واحد من دهاة التحقيق يومذاك أن يستل منها سراً من الأسرار التي دفنت معها، ولو هي باحت بمكنون الضمير، لوفرت على الأعداء كثيراً من مصايد الدمار، ولأغنتهم عن حصون أعدوها لسفك الدماء.

وفي الحرب العالمية الثانية نجحت نسوة وفتيات، غربيات وشرقيات، كانت كل واحدة منهن أبرع من "ماتا هاري" في التسلل إلى مطاوي الأخبار والأسرار، ورب كلمة تحصل عليها من جندي سكير أو ضابط متدله أو قائد هيمان، فتغير وجه المعارك الحربية، ولولا حرص الدول التي كسبت الحرب على إبقاء تلك الدفائن في قيودها الأبدية، لذاع في أيامنا صيت طائفة من النساء ممن غيبهن الكتمان أو طواهن الزمان.

وكانت المرأة من قبل هؤلاء ذات حفاظ على السر في الملمات والخطوب، ألم تحفظ "جوديت" سر قومها وتقتل به "هولوفيرن" في ليلة من ليالي الحصار في بيت المقدس؟

وما بالي أذهب بعيداً، ولدينا في تاريخ المآثر النسوية صفحة غراء لأسماء بنت أبي بكر، فقد أعجل الرسول u وصاحبه أبو بكر الصديق عن ابتغاء الزاد في طريقهما مهاجرين إلى يثرب، فسارعا إلى غار في جبل ثور إخفاء لأْمرهما، وتضليلاً لمن يقفي على أثرهما، لكي يصدهما عن الهجرة إلى المدينة المنورة، فكانت أسماء بنت أبي بكر توافيهما تحت جنح الليل بالزاد والماء، وبما استشفت واستطلعت من أحاديث الأعداء المتربصين، ونيات المتآمرين على رسول الله وصديقه الصديق ولقد أحاط بها فريق من هؤلاء ذات يوم إذ شبه عليهم أمرها، فسألوها عن أبيها، وألحوا بالاستفهام والسؤال، فتجاهلت خبره وكتمت سره، ثم عنفوها مهددين متوعدين، وهي معتصمة بالكتمان حتى لطمها "أبو جهل" لطمة أليمة طار منها قرطها فما دمعت ولا فزعت، وإنما استمدت من الإيمان صبراً على هذا الهوان، وكانت حاملاً متماً؛ فصامدت صمد الجبابرة المذاويد، في وجوه المعتدين والمترصدين حفاظاً على سر محمد...

حين تسأل القلوب أين مكامن الأسرار وآبار الكتمان، تردد الجواب أفئدة النساء المؤمنات الأمينات: هاهنا في صدورنا الحصينة الرصينة...

ففي نوازع الأهواء، كم ذا لقيت الشقاء قلوب بنات حواء، إذ آثرن الكتمان ولو في غير أمان، ولولا العواذل والكاشحون لاستسرت في ثنايا هاتيك الخوافق أخبار وسير، ولحفظت عهود وذمم، ولو أحصينا في الناس من أخلف الوعود ونقض العهود وفضح السرائر ومستور الضمائر، لوجدنا الرجال أكثر عدداً وأبعد أشواطاً من النساء في هذا المضمار، على أن المرأة لم تسلم في أي عصر من العصور من رجال تهكموا بها واصطنعوها للهمز واللمز في كل نكتة ونهزة، وقد زعموا أن ألذ الأشياء عند النساء كشف الخفايا ثم إذاعة ما فيها من أسرار وأخبار، وتزيدوا في تهكمهم هذا فقالوا إن المرأة لا تكتم أمراً ولا تحفظ سراً إلا إذا كان لهذا السر مساس بغمرها...

وقد كان لافونتين صاحب الحكايات الحيوانية ممن عيروا المرأة بفضح الأسرار، فركب في شعره أسطورة عنها، تصور فيها امرأة فضحت زوجها حين زعم بأنه ولد بيضة، فقد نسج خياله سيرة رجل كان يباهي بحفاظ زوجته على الأسرار فقال له صاحبه: إن شئت لها ابتلاء وامتحاناً فمثلك من يبتليها بهذا السر: أظهر الليلة ما تظهره المرأة وقد جاءها المخاض ثم قل لزوجتك بعد قليل لقد ولدت بيضة... واطلب منها أن تكتم هذه الحادثة وانظر بعد فعلتها، فقام الرجل بما وصى به صديقه، أما المرأة فقد ضاق صدرها بهذا الخبر فلم تستطع أن تطويه في أعماقها، بل حملته إلى الجيران، وسرعان ما شاع في كل مكان، وهكذا بلغ الرجل في المساء أنه ولد مائة بيضة.. وهذه الأسطورة التي وضعها لافونتين شاء فيها التهكم بالمرأة والسخرية منها، وهو الساطي بفنه القصصي على أديبنا ابن المقفع الذي كان يغلو في نصح الرجل بكتمان الأسرار حتى أدار حواراً بين أربعة ملوك، في موضوع السر فقال ملك الصين: ـ أنا على ما لم أقدر مني على رد ما قلت.

وقال ملك الهند: ـ عجبت لمن يتكلم بالكلمة، فإن كانت له لم تنفعه، وإن كانت عليه أوبقته.

وقال ملك فارس: ـ أنا إذا تكلمت بالكلمة ملكتني، وإذا لم أتكلم بها ملكتها.

وقال ملك الروم: ـ ما ندمت على ما لم أتكلم قط، ولقد ندمت على ما تكلمت به كثيراً.

لقد أجرى ابن المقفع على لسان أم الأسد مثل هذه المواعظ بقولها: إنني لم أجهل قول العلماء في تعظيم العقوبة وتشديدها، وما يدخل على الرجل من العار من إذاعته الأسرار.. فكان ذكر الرجل في هذا التحذير والموعظة مدعاة لاتهامه هو ـ كما تتهم المرأة ـ بكشف الستار عن خطير الأسرار. فكم سر أفضى به الرجل وكانت المرأة قد غيبته في مطاوي الخفاء، إبقاء على سمعة أو سعادة! أليس في الرجال أصحاب سفارة ووزارة، أو وظيفة وحرفة، قد حلفوهم الأيمان في سبيل الكتمان، وما لبثوا أن كشفوا الأسرار الخطيرة عن خبايا صدورهم وأغوار ضمائرهم طوعاً أو كرهاً، وكانوا لغيرهم سبب شقاء وعذاب.

ولقد بلا الكبراء والرؤساء في أيامنا وفي ما غبر من الزمان، مزايا بعض النساء في الحفاظ والكتمان، فاتخذوا منهن دون الرجال عيوناً وآذاناً، وجعلوا من بعضهن للسر أمينات، وللمهمات حصينات، فأفحموا المتندرين وأسكتوا المستهزئين، ولو لم يستيقنوا من أمانة المرأة وكفايتها، لما وكلوا إليها في أيام الحروب أخطر الأنباء والرسوم تؤديها كعفريت من الجن، ولكم دهمتها من جرائها النكبات والأهوال فتقبلتها بالصبر والرضى والحصافة، وكم تقاذفتها أيدي النوى وانتزعتها من بين أهلها، وترامت بها المفازات والأمصار والأفلاك والبحار، مستعينة على قضاء الحاجات بالكتمان، وكأن لسان حالها ينشد مع المتنبي:

وللسر عندي موضع لا يناله

 

 

نديم ولا يفضي إليه شراب

فذكرني هذا البيت رجالاً لا يأتي عليهم العد، كانت أسرار الناس وأخبارهم ساكنة كامنة في أعماق نفوسهم، فلما رشفوا كؤوس الخمرة ودارت بهم نشوة الصبابة وعبث الدعابة، فضحوا الأسرار المستورة وباحوا بها رخصية هينة، وكانوا هم الظالمين.

لقد افتروا على المرأة فزعموا أنها لا تصلح للسر موضعاً، ولا للخبر كاتماً، ولست بزاعمة مثلهم أو مدعية في مقالي هذا أن كل النساء سواء، ففيهن الطياشة المهذارة التي لا تطيق السكوت عن كل ما يخطر في بالها أو يضطرب في بيتها أو يقع في سمعها فكيف بأخبار غيرها؟ كما أن في الرجال النفاجين الذين لا يكتتمون مرة بل يباهون بكل صغيرة وكبيرة، لا تطمئن جنوبهم ولا تقر لهم قرارة على سر حتى يبيحوه طائعين راضين، فإذا هم أخف أحلاماً من العصافير، ومن عجب أن يرى الرجل المرأة مبيحة الأخبار، هاتكة الأستار، وينسى أن الله اختصها بسحر فيه مفاتح الأسرار ـ وهو الذي ألقى سلاحه منذ الأزل دون سرها الموصد وبابه المرصود، حتى قال أساطين الحكمة من الرجال هذا القول المأثور "المرأة سر مغلق" وبحسبي أن أجيب عن الكتامة الرزان من بنات جنسي، بقول الشاعر:

والسر عندي في بيت له غَلقُ

 

 

قد ضاع مفتاحه والقفل موجود

 

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244