|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
لحا الله زماناً كانوا يقولون فيه: وأد البنات من المكرمات، لكأني أتخيل أيامه البائدة فأرى على جهامتها في جاهلية جهلاء، امرأة فاجأها المخاض تحت خباء بعيد في ليلة ذات هرير، فلما وضعت حملها اشتد بكاؤها، لا من مواجع الطلق الأليم، وإنما من هول الوأد الفظيع إذ كان حملها أنثى وليس الذكر كالأنثى عندهم في ذلك الحين، فأخذتها بين يديها بلهفة وخشية، وضمتها إلى صدرها بحسرة وقالت لها: أبد الدهر، لن توءدي أو أقتل معك يا بنية... وأقبلت العشية على والدة مطوية على كبد حرى، وقلب تتفطر له السماء، ووالد مسود الوجه كظيم، بين يديه وليدة ساخنة اللحم باكية، وقد توارى بالظلام وفزع إلى حفرة قذف بفلذة من كبده في جوفها، ودسها في ترابها، ثم نفض يديه منها، ونهض مستريحاً من تعيير مر، ووهم فادح، وما هو إلا في الخيال المختل، والعقل المدخول والقلب الغليظ. ولم يكن هذا الوأد الفظيع مقصوراً على طوائف من الناس متقاعسة في حياتها، مسفهة في عقولها وميولها، بل كان شائعاً عند قدماء اليونان، إذ كانت تقضي عندهم بعض التقاليد الدينية أن يقدموا بنتاً من أجمل بناتهم قرباناً للآلهة، في إحدى حفولهم الرائعة، ومثلهم الفراعنة الذين كانوا يقدمون عروساً من أبهى فتياتهم ليلقوها إلى النيل يوم فيضانه، وقد ابتلي فريق من العرب في جاهليتهم السحيقة بكره البنات إذ كانوا يرونهن وبالاً عليهم لفرط ما جسم لهم الوهم من خطر وجودهن، ووصمة العار إذا فسدت حياتهن وتداولتهن أحداث الحرب والأيام من سِباء ويتم وحرمان وهوان، ولقد بلغ من زرايتهم بالإناث أن حرموا عليهن الميراث قبل الإسلام، فكانوا يقولون: لا يرثنا إلا من يحمي الحمى ويذود عن قومه بحد السيف، على أن السائد لدى المتتبعين لأخبار العرب وأشعارهم أن جناية الوأد لم تكن معروفة إلا في قبائل قلائل من كِندة وتميم وربيعة، وكان الحافز لاقتراف هذا المنكر سفاهةَ الرأي فيهم وفساد التخيل وإباء الضيم، ولا جرم في أن جريمة الوأد هذه بصرف النظر عن فظاعتها شيئاً غير يسير من الحب والإشفاق، ثم أليس على قدر الحب تكون التضحية؟ ولقد كان الوائد إما فقيراً حقيراً، غليظ القلب يقتل أولاده سفهاً بغير علم وخشية إِملاق، أو ميسوراً ولكنه فقير العقل يخشى العار والذل وهماً إلى حد الجنون، إذ إن غلوه في الحرص على كرامة بنته كان يصورها له بأشنع الصور وإِليك أبياتاً تصور أعرابياً يتهافت حناناً وإشفاقاً على بنته، ويتمنى موتها خوفاً من تبذل يزري بها وهوانٍ يصير إليه بعده:
ومهما يكن من أمر هذا القول، فإن جريمة الوأد في تلك العهود المظلمة من المظالم والجرائم التي ما اجترمها غير الحمقى والغاشمين، وقد يكون أول من سنها ودعا إليها ناقماً من المرأة أو حَاقداً عليها، ولا ريب في أن أثر الوأد في قلوب الأمهات، كان أشد من طعن الحراب ووخز السنان، وما أشد ما نقم عقلاء العرب وسراتهم من هذه المظلمة الغاشمة في الضحايا الموؤودات، فكانوا يفتدون الولائد بالمال ويستوهبون حياتهن بالمعروف والإحسان، ومن أشهر المفتدين صعصعة التميمي، جد الفرزدق شاعر بني أمية القائل:
فلما أشرقت دنيا العرب بنور الإسلام، عد الوأد من الكبائر والمناكر، وأشار القرآن الكريم إلى الموؤودة برحمة ونصفة بقوله: ]وإذا الموؤودة سئلت بأي ذنب قتلت[ فبرأ الدين نفوس المهتدين من مآثم الجاهلية وكل ظن مرجم، وأنزل الله آياته البينات تسخطاً على الوائدين وتأنيباً لمن يكره البنات، ولكن قوماً تعودوا هذا الكره فما نزعوه من صدورهم الموسوسة، إذ سرى في أعراقهم وجال في أجيالهم، فدرجوا على مجافاة الإناث، فكان إِذا بشر أحدهم بالأنثى تشاءم ونقم، أو توارى من القوم من سوء ما بشر به، وكثيراً ما أدت ولادة البنت عندهم إلى شجار ونقار، بل إلى هجران وطلاق، وقد اتفق أن أعرابية كانت مئناثاً، فلما ولدت بنتاً هجرها زوجها، ولكنه جاورها فكانت تناغي الوليدة بهذه الأبيات:
فما كاد يسمع زوجها بهذه الأبيات، حتى يسارع إليها وإلى طفلته قائلاً: ظلمتكما ورب الكعبة! ولئن نهى الشرع الحنيف عن وأد البنات، فإن نفوس العرب بقيت تجافيهن في الطفولة وفي المعاملة، فكانوا يأنفون من ملاعبتهن طفلات، ويتأبون أن يسرحن ويمرحن بين أيديهم، ولا يجرؤون على اللعب أمامهم، أما الرسول u فقد تأبى على ذلك إذ كان يحنو على بناته وبنات صحبه، ولا يتجافى عن مناغاتهن والرفق بهن صغريات وفتيات، وبذل الرحمة لهن والمعونة، فلما رأى المؤمنون أن "محمداً" أبر بالبنت من أبيها وأن الله لم يختص فاطمة الزهراء بنت محمد بذريته الشريفة إلا تكريماً للإناث ورفعاً لشأنهن أخذوا في برّهن، والحدب عليهن، ولقد حدث سعد بن أبي وقاص الفاتح العظيم وأحد أبطال المسلمين أنه مرض بمكة مرضاً أشرف منه على الموت، فلما عاده الرسول u سأله سعد: إن لي يا رسول الله مالاً كثيراً، وليس يرثني إلا بنتي، فهل أتصدق بثلثي مالي؟ قال محمد لا، ولما سأله سعد قائلاً: فالثلث؟ قال الرسول: الثلث كثير! إنك إِن تركتُ ولدْك أغنياء خير من أن تتركهم عالة يتكففون الناس... وقيل إن عمرو بن العاص رأى معاوية بن أبي سفيان يضاحك طفلته، فتبرم ابن العاص بهذه الملاطفة وقال للخليفة: فو الله إنهن يلدن الأعداء، ويبعدن الأقرباء، ويؤدين الضغائن... فقال معاوية: لا تقل.. فما ندب الموتى، ولا تفقد المرضى، ولا أعان على الحزن مثلهن... وتعاقبت الأيام والأحقاب، فتطورت العقول، وتداولت النساء أشتات التقادير، فأهملهن قوم غاية الإهمال، وأحلهن شعب محلهن من الحرمة والكرامة، فما فرق بين الجنسين في الحقوق والواجبات، حتى صار من النساء في بعض الأمم الراقية الملكة والرئيسة، والحاكمة والزعيمة، دون أي استغراب أو استهجان من الناس، وتبدل نظر الرجال إلى المرأة طوعاً أو كرهاً، فما خفت موازينها إلاَّ عند فريق ما يزال مستأثراً محتكراً، وعلى الرغم من كل تطور في حياتنا الفكرية والاجتماعية فإن في هذه الأمة المتحررة المؤمنة، أناساً ما برحوا يرددون سراً وعلانية: همّ البنات إلى الممات... وقد يكون بعض الحق مع هؤلاء القلقين، لأن أوضاعنا الاجتماعية والسياسية لم تستقر على حال، ولم تنتظم الثقافة كافة الناس، على أن الأثرة الجنسية، والحكرة في الحكم والتوجيه، تتجليان في الطبقة الدنيا التي يسودها الجهل والتقليد، ولكم حدثت أحاديث وعاينت مشاهد حول التجهم للبنات والاستخفاف بشؤونهن ووجودهن، فمن تهديد ووعيد للزوجات الحبليات، ومن هجران وطلاق بعد الوضع والولادة، ومن نقمة وتشاؤم، إلى تحذر وتكدر، كل هذا تراه وتسمعه تذمراً من الإناث، وتنكراً لهن بغير حق، فتعجب لهذا الإنسان الواهم الغاشم، يسل سيفاً من خشب في وجه الخالق وينسى قضاءه وقول القرآن ]يهب لمن يشاء إِناثاً ويهب لمن يشاء الذكور[. وفي زماننا هذا بنات يبنين للحياة، توزن الواحدة منهن بألف من البنين، لاسيما الموهوبة النابغة، والذكية المبدعة، وفيهن من تعول أسرتها وأهلها، وتحمي ذمار قومها، وتخدم وطنها بفنها وعبقريتها أفما آن لها في هذا الأوان أن تخلص من امتهان الفروق الجنسية واستئثارها واستبدادها؟ ومتى تنتزع الثقافة العامة من عقول المتعصبين أوهام الجاهلية الموروثة، نحو هذا الجنس الأنيس الرحيم وقد كتب له القدر منذ القديم ظلم الرجال، واستخفافهم بقدره وخطره. فوا عجبي لقوم ينسون حكم الخالق ويخالفون عن أمره! ولقد ضل المصلحون سواء السبيل، إذ حسبوا أن تعليم المرأة على اختلاف بيئتها ومعيشتها يكفي وحده لرقي الشعوب، وفاتهم أن تعليم الرجل قبلها تعليماً صحيحاً وتهذيب أثرته، هو الذي يكفل الخير والفلاح، لكل أمة وإذا لم يكن للدين وللحضارة إلا حماية الإناث ورعاية الأمور التي ترفع شأنهن وتحفظ كرامتهن وجهودهن لكفاهما فضلاً. فما أجدر إنسان اليوم وقد تطور وتعلم، أو تنور وتفهم بإحياء البنات وتقديرهن تقديراً يعبر عن تجرده من أثرته الموروثة، ويعرب عن استجابته لروح الحق والعدل، وما يكفي من الإحياء أن يتناول المظاهر والجسوم، وإنما ينبغي أن يتصل بالأرواح والعقول فيبعث فيها العزة والكرامة، والهزة للخير والمعروف، وما تنفع في هذا ثقافة زائفة وتبرج وزينة، وتطور في الأزياء، بل الأحياء كل الأحياء بانتزاع الأثرة الجنسية من ظلمات القلوب، وخلق للبنت جديد، يقطع عنها لوم اللائمين والغاشمين، وتهكم المتربصين، فتحيا في ظل العلم والأخلاق، حياة تنفع الأسرة والمجتمع، وترفع شأن الأمة والوطن. | ||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||