مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 445 أيار 2008
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

اللآلئ الإلهية

لله هذا الفيض الإلهي العجيب، تتفجر ينابيع من أعين البشر، لا من عيون الأرض التي تنبجس من خلال المدر والحجر، أو تنساب في الحدائق والمروج، فتنبت الشجر وتعقد الزهر والثمر، وإنما تفيض هذه الينابيع من النواظر والمحاجر، تثيرها المشاعر الحساسة وتفجرها الفجائع والحسرات، حتى تنسكب على الخدود كاللؤلؤ المنثور، وقد تغلو فتنحدر على النحور، حتى تبلل المحمل كما زعم الشاعر امرؤ القيس الذي فاضت مدامعه صبابة ووجداً.‏

والدمع كما أحسه هذا الملك الشاعر، عزاء القلب اللاهف والنفس المفجوعة، ولقد تمناه امرؤ القيس شافياً ومواسياً، حين تقاذفته الفلوات والخطوب، وحملته على غوارب الغربة والقطيعة، وأي امرئ خلا حسه من بواعث الكآبة واللوعة، التي مهما تقاوى عليها وأبقاها مكفوفة مكبوتة، فلا بد أن يفلت منه ما يشير إليه، بأنه يبكي دمعاً ودماً من قلبه لا من عينيه، فإذا مست هذا القلب الشجون، وأمضته الآلام، تحامل صاحبه على نفسه، وكأنما انقضت ظهره تكاليف الحياة وبغتات القدر فيتهاوى على قلبه أو يمسكه بيديه خشية أن يطير من حدّة الهموم وزحمة الرزايا، وإذا عزّ عليه الصبر واعتراه القنوط أخذ يقلب وجوه السلوى والعزاء، فلا يرى أمامه وجهاً لها ثابتاً مخلصاً فيفزع إلى الدموع والزفرات تمده بالفرج والراحة، ثم يكفكفها ويمسحها، حتى تجف وتنضب، إلا مدامع المنكوبين والمفجوعين وعبرات الوالهات والمثاكيل، فإنها لا تنطفي ولا تهدأ، وما تنتهي أو ترقأ على طويل الزمان والتسكاب، وإنما تزيدها الأيام والآلام غزارة وحرارة، فكأنها ذوب الأرواح الجرحى، بل هي لهب الصدور الذي لا يخمد لظاه بهمود الأجسام.‏

أما دموع المرأة إذا صدقت، فهي كالزهرات العاطرات، أو كقطرات الندى في البكور على الورد والريحان، ومن حق الأدب أن يلم بها واصفاً، وان يتحدث عنها مترجماً وكاشفاً، وسامح الله الشعراء فهم الذين سكبوا من الدموع أكثر مما سكبت النساء، حتى لا تكاد تجد واحداً منهم سواء كان عربياً أم أجنبياً، قد خلا شعره من أدمع ونحيب، وقد يستثيرنا الرفق والعجب لو أن هؤلاء النواحين المتشاعرين، أو الذين تسميهم المجاملة شعراء، قد صدقوا بشعورهم أو دهمتهم كآبة في حياتهم وخيبة، لكانت لهم عندنا معاذير ولكننا نجدهم بكائين بمنظومهم، شاكين فيه بثاً موهوماً، أو هماً مقيماً، وهم الناعمون المترفون في معيشتهم، المستقرون في حياتهم يقولون بنظيمهم ما ليس في قلوبهم، وبحسبي أن أجد لبعض الصادقين في شعرهم الدميع عذراً، قد لا يكون جميلاً أو مقبولاً، وهو أن نفوسهم الرهيفة الشفافة، وطبائعهم الناعمة الوديعة شبيهة بشعور النساء وأمزجتهن الرقيقة اللطيفة، ولا تثريب على بعضهم ممن عبثت بهم الفجائع والمواجع، فلو صفت الحياة وضحكت للشاعر لامرتين، وطابت لأفريد ده موسيه، لما فاضت منهما الدموع بتباريح جرازييلا وحسرات رفائيل، ولما كان في شهور القطيعة والأسى ليالي ألفريد الخالدة...‏

على أن دموع المرأة فرجة من همها وألمها، وراحة لروحها المرهفة، ومن ذا الذي لم يستشف امرأة تغرغرت عيناها بالدموع أو أمسكتها بين الجفون ثم سألت كاوية أو شافية؟ إلا أن البكاء والنساء صنوان، ولقد بكين من يوم حواء، وما أقرب بكاء المرأة إليها وما أحناه عليها، فليس بينها وبينه حجاب ولا حساب، إنها تبكي طفلةً وعجوزاً، وتبكي غنية وفقيرة، تبكي إذا تألمت أو أثمت، وتبكي إذا زلت ثم ندمت، وتدمع من فرط السرور واهتياج الشعور، وتستجيب لها المدامع، إذا حم عندها فراق أو خاب لها رجاء، وتجد نفسها من سرعة البكاء وسهولته ما تجده من افترار البسمات على شفتيها وتسلل الضحكات إلى فمها، وذلك لرقة قلبها، ورهافة حسها ومزاجها.‏

ولقد كانت المرأة العربية إذا تجهم لها الزمان وأمضتها الأحزان، فاض دمعها شعراً، تقوله عفو الخاطر وعلى سجية الفطرة والإلهام، حتى بذت الرجال في صدق الرثاء، وكم فيهم شعراء يتكلفون المراثي ويصطنعون المآسي، للنباهة والظهور، وقديماً استهزأ المتهكمون بالمرأة، وعيروها بالنوح والبكاء حيناً صادقة، وحيناً كاذبة، وقالوا إن الدمع سلاح المرأة، ولنعم السلاح هذا، فهو لا يسفك دماً ولا يدمر بيتاً، أو ليس له الغلاب عليهم أحياناً؟ ولئن عده الرجال سلاح الضعفاء فإن الخالق أعده للنساء، لتتم به أنوثتهن وخصائصهن وبدونه يكن قاسيات القلوب، نابيات الطبع والشعور، وكان المتنبي من هؤلاء المستهزئين، المعيّرين بالحصول من السلاح على البكاء، وكأنه كتب على نفسه إشفاقنا عليه، حين جاءه العيد، وكان كالشريد، لا حبيب عنده يرق لنجواه، فبكى في شعره وشكا، وعلى طرف النقيض من أبي الطيب كان الشاعر ولي الدين يكن، يفدي المرأة، وينافح عنها ويغالي بدموعها، ولما كتب روايته التمثيلية عن عهد من عهود الاستبداد، جعل "هجران" تبكي في حضرة مولاها، لتستدر رحمته، بعد أن أحرقت ستور قصره، لتثأر منه وتنال، فعلمت أن ساعة هلاكها قد اقتربت إذ صرخ فيها:‏

ـ لا تخدعيني بهذه الدموع، فكم خدعت بها سفيراً!‏

ولكم بكى رجال بدموع التماسيح، فنسجوا من حباتها خدعاً وأحابيل، أغروا بها غُفّلاً وغرائر، وهي لعمري شبيهة بدموع النوادب المستأجرات، والمرائيات الداهيات، فأفسد المخلوق ذكراً أو أنثى، أغلى فيض حفرت نبعتيه يد الخالق في رأس الإنسان، وأودعتهما من أسرار الحياة ما أعيا البيان، فإنه ليس في الوجود أروع من دمعة صادقة، هي أفصح في صمتها من شقشقة الكلام وبلاغة اللسان، ولرب عبرة حائرة، إذا فاضت بها الأحزان والآلام، تكاد تكون كاوية للأجسام، لو قدر لها أن تكشف عن حقيقتها وسر لهفتها.‏

ولا أدعو المرأة وأنا أتحدث عن دموعها لأن تبرع وتغلو في تسكابها في كل ما عز وهان، وأن تزيد في عبوس الدنيا كآبة وجهامة، وهي المخلوقة للأنس والسلوى والمواساة، والتخفيف عن مواجع الحياة، فعليها أن تحفظ دمعها غالياً لمشاهد البؤس والحرمان ومواقف البر والحنان، فإذا ألمت نازلة بيتيم أو محروم، أعرب دمعها عن الرحمة، وهزها الإحسان والصدقات، ولئن كذبت الدموع واختلطت شؤونها بشجونها، تبين فيها من بكى ممن تباكى، فإن هنالك امرأة عبرى، مرت في دنيا العرب، ولم ينجب الدهر مثلها، وسوف تبقى دموعها برهاناً على ألمها وحزنها، تلك هي الخنساء شاعرة البكاء، التي بللت شعرها بالدمع الصبيب، وستبقى هذه الوالهة في تاريخ الأدب وعلى فم الزمان، مثلاً شروداً على الصدق والحنان في دموع المرأة.‏

ولئن خلد الخنساء قصيدها في الرثاء، فحفظ الأدب دمعها في عيون الشعر، فكم بكت بعدها شاعرات والهات، كن يسكبن العبرات في صمت وانطواء، ولم يبلغ عويلهن مسامع التاريخ فيخلده في الرثاء كما خلد الخنساء، وقد طواهن النسيان ومسح الزمان على تلك العيون المستعبرة فجفف دمعها، حتى كانت في آخر هذا الركب الشاعرة "عائشة تيمور" على ضفاف النيل.‏

لكأني أراها متلففة برداء الحداد، لا يرقأ لها دمع على بنتها التي بكتها طويلاً، حتى ابيضت عيناها من الحزن كما بكى يعقوب فقد يوسف.‏

ولئن رد على ذلك الشيخ المفجوع قميص ابنه فارتد بصيرا، فهيهات، هيهات... ما ردّ الدهر على "التيمورية" منديلاً ولا قميصاً، ولعل شعرها الباكي يكون في أدبنا العربي رجع الصدى لعويل الخنساء، لكأني أرى صورة هذه الشاعرة الوالهة، تعود ناضرة شابة، تموج على مهاد فلسطين، فتمضي في حمى "نابلس" وتعلو جبل النار لتسفح من هنالك الدمع الغزير على أخيها "إبراهيم".‏

تلك الشاعرة اللهفى هي "فدوى طوقان"(1917 – 2003) فلكم أرسلت الشعر بعد الشعر، في رثاء أخيها إبراهيم طوقان (1905 – 1941) الذي تفتح كالزهر قبل أوانه، وملأ دنيا العرب بعبقريته، وكانت فارغة من الشعراء الملهمين.‏

لقد قصف الداء غصنه الرطيب، وهو في ريق الشباب، فراحت من بعده "فدوى" تفديه بالدمع السخين، والشعر الرصين.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244