|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
المرأة والتعليم العالي لئن جاز للناقد الأدبي أو للمعلق السياسي، أن يتصدى لمقال منشور فيبين أثر انطباعه في نفسه، ويكشف عن وجود الفكر فيه وانحراف القلم عن السداد، فجائز في هذا الباب أن يكون للمستمع حق في أن يتصدى لحديث مذاع، فيظهر أثر وقعه في النفوس ومدى الصواب أو الخطأ في أسلوبه ومراميه. كذلك أقبلت على استماع الحوار الذي دار بين نخبة من ذوي الفكر والثقافة، فيهم المصري والسوري واللبناني والعراقي، ولن أعجب لهذا الاتفاق الذي أتاحه موسم الأونيسكو في بيروت، فإن مندوب الإذاعة العربية لمحطة الشرق الأدنى قد تحين تلك السانحة المواتية فدعا فيها، لحديث مشترك الأساتذة الكرام محمد شفيق غربال بك (1894-1961) وكيل وزارة المعارف المصرية ومن جهابذة التاريخ الحديث في وادي النيل، ومتى عقراوي من قادة الفكر في العراق، وجميل صليبا (1902- 1976) عميد المعهد العالي للمعلمين في سوريا، وعبد الله المشنوق (1904 – 1988) من أعلام الثقافة والصحافة في لبنان. دعي هؤلاء المفكرون، للتحاور في موضوع معاصر خطير يمس الحياة العلمية والاجتماعية في البلاد العربية وهو "المرأة والتعليم العالي" وقد أقبلت على السماع إقبالي على القراءة والاطلاع، وهذا من أجل روائع الحضارة الراهنة، فمَنْ لأجدادنا الأوائل حين كانوا يتفننون في السماع، ويبتغون إليه الوسيلة؟ حتى صار عندهم طريقة في تلقي العلم والمعرفة، فكانوا يخفقون آباط الإبل، فيسمعون بأخفاقها وجوه البيد، سعياً وراء التلقي والسماع، من عالم كبير أو شيخ خطير، ويحرصون كل الحرص حين يروون ويكتبون ما سمعوا، على أن يذكروا مكان السماع، وكيف جرى أمره وخبره ومن كان معهم في حلقته، حتى أدخلوا في الأدب مناهج السماع في الحديث، فأطلقوا على أفذاذ هذا الفن ألقاباً خاصة به، كأن يقولوا كان فلان من أصحاب السماعات العالية، أي أنه كان يأخذ الحديث من الصحابة والتابعين، وللأدب صحابته وتابعوه، سقى الله عهود تلك الحلقات العامرة والمجالس الزاهرة التي كان فيها هواة الشعر والأدب ينصتون للمتحدث أو للناقد مأخوذين بسحر البيان، وفصل الخطاب. أولئك قوم كانوا يقدرون قدر الكلام، فلا يغادرون منه صغيرة ولا كبيرة، إلا تثقفوا بها وتلقوها بالوعي والتمحيص، وسلكت مسامعهم على هون وهدى، لتستقر حتى موتهم، في قلوبهم الذكية، وخواطرهم الصافية. وما أحسب في بدائع هذا العصر منحة هي أجمل من منحة المذياع للأسماع، ولعل المبصرين لا يحلون هذه الهبة الغالية محلها من العناية والرعاية، كما يحلها المكفوفون، ففي استماعنا للأحاديث الممتعة النافعة؛ والمطارحات البارعة، والغناء الحلو الرخيم غنية أية غنية لنا، معشر الفانين على الأرض. بهذا الشعور، كنت أرهف السمع للحوار الطريف الذي دار بين صفوة من أعلام الفكر والثقافة قطف خواطرهم مندوب الإذاعة، قطاف الشميم لطاقة ريا من الأزاهير، جمعها من حدائق أربع: واحدة يتهادى بين أعطافها النيل ويطل عليها النخيل، وثانية ينساب في ميثائها دجلة معيداً سجيس الليالي ذكرى العباسيين وثالثة يموج بردى بين نيربيها، فيبعث أمية حديثة في القرن العشرين، وأما الرابعة فيداعب البحر أذيالها ويترنح الصنوبر والأرز فوق لبنانها. سأل السائل ما رأي السادة المتحاورين في تعليم المرأة تعليماً عالياً؟ وكان الأحرى به أن يسأل ما رأيهم في تعليم الفتاة العربية تعليماً عالياً، لأني أجد كلمة الفتاة هي الحجر الكريم لهذا الخاتم الجميل، وقد استهل الكلام الأستاذ غربال بك ذاهباً إلى أن التعليم في جميع مراحله حق للبنين والبنات على السواء ولا ينبغي أن يقتصر نوع منه على الفتى دون الفتاة، على أن تأخذ منه بما هو أجدى عليها وأولى بها، وأن تراعى في ذلك الحاجة والأسباب، ولعله شاء أن يقول بأن تقبل الفتاة على التعليم الذي يمت إلى حياتها وطبيعتها بسبب، فالطب مثلاً ضروري لها والتدريس، وإن لم يصرح بهذا، والمحاماة والهندسة قد لا تفيد منها إلا بمقدار، فانبرى له الأستاذ المشنوق مستهجناً متهولاً بهذا الرأي، ولو لم أعرف شخصه، لتخيلته من وراء المذياع شيخاً زميتاً، مكور العمامة، مسترسل اللحية طويل السبحة، إذ كانت هجمته برمح وسيف، ولم تكن بقذيفة ورشاش من الرصاص، لن الرأي الذي جاء به يعود زمنه إلى عهد الهجوم بالرمح والسيف، ولعل القارئ أو القارئة ممن لم يستمع لذلك التحاور يعاجلني في أن أبسط رأي الأستاذ المشنوق بتعليم الفتاة العربية، لكني أخشى عليه من فتياتنا الغاليات في العناد، أن يقمن عليه حرباً عواناً ما أحسب خطر البسوس عنده كخطرها، ولن يكون سلاح هؤلاء الفتيات المتأبيات سيوفاً ورماحاً، ولا قذائف أو بنادق، وإنما سيحشدون إليه أدوات المطبخ من كل شوكة وملعقة، لأنه يريد الفتاة للمطبخ، ويريدها للنسل فحسب، ويريدها أن لا تبرح البيت، فهو يحرم عليها بالثلاث أن تتعلم تعليماً عالياً، ويسد باب هذا التعليم في وجهها، ويضع عليه قفلاً ضاع مفتاحه، ويحتدم النقاش بين غربال بك وبين الأستاذ المشنوق حتى يشيع في كلام الطرفين شعور السامع بالدفاع والهجوم، وكانت الحرب منذ وجدت لا تخلو من حكمة وشورى، فقد كان العرب في الجاهلية يستطلعون رأي قس بن ساعدة الأيادي في بعض مغازيهم وأيامهم، وفي العصور الأموية والعباسية، دخلت الحكمة والفلسفة بين المتجادلين، وكذلك كان الشأن في هذا الحوار الذي أخذ شكل حرب فكرية، فأقبل الدكتور صليبا، وأنا أعرف سمته وأناته، وفرق بين الخصمين في الرأي، ولا أدري إن كان قد أتيحت له النجاة، فإن الدخول بين متعاركين، لا يسلم من صدمة أو خدشة، ولعل ذلك لم يبد للمستمعين والمستمعات، وقد يكون ظهر في نظرة أو رمقة أو إشارة، فقال الدكتور صليبا بتعليم الفتاة ما تشاء من ألوان التعليم وفنونه دون حدودٍ أو قيودٍ، لأن أوضاع الحياة قد تغيرت وآراء الناس قد تطورت والمفاهيم العلمية والاجتماعية قد تجددت، وأصبحت المرأة في أيامنا يعوزها أن تتسلح بالدراسة العالية والجامعية أسوة بالرجل، والمجتمع الراهن قائم على كفاية الجنسين ومجهودهما، فينبغي أن تسود فيه العدالة الثقافية لتتقارب الأفهام، وتقل مسافة الخلف بين الرجال والنساء. وكان الدكتور متى عقراوي على طرف النقيض مما جاء به الأستاذ المشنوق، ولو أن هذا التحاور كان دينياً لبرز الغلاة المتطرفون، والزميتون المتشددون، فإذا كان الأستاذ عبد الله من هؤلاء المتصلبين المتزمتين كان الدكتور متى من الغلاة المتطرفين، إذ ارتأى أن تتعلم الفتاة العربية تعليماً عالياً مطلقاً، لا تقف في سبيله طبيعة ولا حاجة، ولا بأس عنده أن تكون المرأة العربية طيارة أو مهندسة أو غوّاصة، وها هنا يقف الأستاذ عبد الله وحيداً في معسكره إذ يكون الثلاثة متقاربين، فيعيد الكرة في الهجوم متفزعاً مما سيؤول إليه الرجل والمرأة في هذا التعليم؟ فهو يخشى أن تنزل النكبة الكبرى في الزواج والأمومة والأسرة، إذا تحقق التعليم العالي للجنسين على السواء، وإني لأعجب للأستاذ المشنوق وهو يعيش في عصر الذرة، ومن المؤمنين بالتطور أن يرتد إلى آراء المعري وشوبنهور وروسو وأمثالهم من أعداء النساء، وقد أكل الدهر على هذه الآراء وشرب، وأدرك الناس سرها وخبرها، وطلع من بعدها لأساطين الفكر وعلماء التربية والاجتماع آراء ومقررات حديثة مبنية على الخبرة والتجاريب تساير الحاجة والزمن وتعد المرأة لحياة يقتضيها هذا العصر ويدعو إليها التطور، وإذا كانت الأمة العربية في نهضة من كبوة متطاولة، فهي بحاجة ماسة إلى الأخذ بالمذاهب المعاصرة في التربية والتعليم، وما له صلة بأسباب الرقي السريع، وبلادنا اليوم محط أنظار العالم، لاسيما بعد أن اقتحم اليهود بهرتها، فإذا كان هؤلاء الدخلاء، والغربيون الأقوياء، آخذين بمذاهب التعليم الحديث في إعداد المرأة إعداداً ثقافياً يلائم الحياة، فهل يرضى الأستاذ المشنوق بأن تلزم المرأة العربية المطبخ ولا تتعداه، وأن تكتفي بالأمومة دون أن تتطلع إلى سواها، وقد ثبت في حربنا الأخيرة مع اليهود أن كل فتاة منهم وكل امرأة، كانت مجندة فيها أو عاملة، ولم يكن أكثرهن أميات أو جاهلات، وإنما كن متعلمات ومثقفات. ولا تثريب علي إذا ذكرت للزميل العزيز الأستاذ عبد الله المشنوق أن هذه النغمة التي يرددها في حواره، أو هذه النقمة التي يحملها في صدره، قد سبقه إلى تردادها الأستاذ عباس محمود العقاد والأستاذ توفيق الحكيم في مصر، وكانت لي معهما مواقف نقد وعتاب حول هذا الموضوع، إذ كنت عذيرة لهما فيما اصطنعا من عداوة للمرأة حين لم يعرفاها على حقيقتها، ولم يؤمنا بكفايتها ومزاياها، أما الأستاذ المشنوق وهو من موجهي التعليم في لبنان، ومن القائلين بمسايرة العصر فكيف تخامره هذه المخالفة القاسية، ولا أقول العداوة التقليدية؟ وكيف تم الأمر فقد انتهى التحاور والنقاش دون أن يجمع أصحابه على رأي واحد أو توجيه شامل، وكان الأحرى بأن لا يضيق على هذا الموضوع ولا يرتجل فيه الرأي والفكر، فقد يقتضي للخوض فيه مناظرة واسعة، أو محاضرة محكمة، يحشد فيها المتكلم حجته البالغة وبرهاناته الدامغة، ويسرد الشواهد من الشرق والغرب، على أن وجه التوفيق فيه أنه جمع نخبة من أعلام الفكر والثقافة، تمرس كل منهم بشؤون التربية والتعليم، ولا أنكر أن تلك السانحة العابرة قد عاجلت المتحاورين فلم يحيروا الجواب الكافي حول الموضوع، وبقيت في أنفسهم آراء لم يعرضوا لها، ولو أن سيدة مثقفة خبيرة بهذا التعليم شاركتهم في الحديث، لكان لها رأي يخالف عن آرائهم أو يمضي معهم فترة، ثم ينعطف إلى وجهته التي ينساب فيها، وقد يكون من الجور أن يتناول الرجال وحدهم ما يتعلق بحياة المرأة وقضاياها، فيدرسوها ويقطعوا بها أمراً أو يتركوها للزمن، دون أن يسألوا المرأة أو يعبأوا برأيها، ولئن جاز هذا في الماضي فتفرد الرجل بالرأي والحكم، كأنه الوصي الأبدي على القاصر الذي لا يرشد، فقد تبدلت اليوم العقول، وتحولت المفاهيم، وأدرك أهل الفكر والوعي أن لا قيام لأمة بغير نسائها، وأرى أن يتاح التعليم في مراحله الابتدائية والثانوية للجنسين على السواء، وأن يكون للمرأة رأي ويد في الإشراف على هذا التعليم، وتحقيق أهدافه ومراميه، أما العالي أو الجامعي فإنه يقتضي وعياً كافياً وثقافة متينة في الفتى والفتاة، ولا يعد هذا التعليم استتماماً للمرحلتين السابقتين، بل ينبغي أن يكون مقصوراً على الموهوبين والنوابغ وذوي الاجتهاد المكين، والرغبة الأكيدة في الجنسين، فليست الدراسة العالية والشهادات الرفيعة، زينة للفتى أو حلة للفتاة، ولا وسيلة للوظيفة، وإنما هي أفق بعيد لقطاف العلم والأدب، وتحقيق الإنتاج الفكري والإبداع الفني، وقد تكون المنالة المادية، من مقاصده وأهدافه، لكنها ليست الغاية ولا النهاية، وخير للفتاة ألف مرة أن تقنع بالتعليم الابتدائي أو الثانوي إذا كانا صحيحين، فإنهما أفضل من تعليم عال أو جامعي يزيد في جهلها ويملؤها سخفاً وغروراً. ومن عجب أن يعالج هؤلاء الأساتيذ المتحاورون تعليم الفتاة العربية تعليماً عالياً، ولا ينظروا إلى تعليمها الراهن، وهل هو قائم على قواعده المحكمة حتى تمضي الفتاة بعده إلى المعاهد العليا والجامعات، فأشبهوا عندي بمعالجتهم هذا الكمال، أناساً بحثوا في كساء الرأس لمن لا يزال عارياً أو حافياً. فإذا بني تعليم الفتاة على دعائمه الراسخة ابتدائياً وثانوياً، صحّ بعد ذلك أن يرفع بناء التعليم عالياً، وحينئذ لا مناص من فتح الأبواب لمن توافر لديها الاقتدار والموهبة والذكاء، وإلا فلا تزيدوا الفتاة زهواً وخيلاء فيما تصنعون لها من بهرج الألقاب التي ما أرى إلا القليل من حامليها، قد رفعوا شأنها وحفظوا حقها. وقد تتفاوت الحاجة إلى التعليم العالي بتفاوت الاستعداد والبلاد، فالتدريس والطب والآداب والفنون، تجدي على المرأة العربية المعاصرة ولا تعوقها عن رسالتها، بل تكون سبباً للتجويد في عملها، وامتداد الآفاق أمامها، ولا ضير على الفتاة الموهوبة بأن تكون مهندسة أو زراعية أو عالمة بالطبيعة والرياضيات، فإن مدام كوري أتمت صنع زوجها، وزوجة فلاماريون الفلكي أدارت وهي في شيخوختها لوالب المنظار الكبير الذي شاب زوجها أمامه وشاخ، وكثير من النساء يشرفن على مزارعهن في أوروبة وأميركا، وقد دلت المرأة التي تعلمت تعليماً عالياً، على أنها أكثر من سواها صلاحاً للحياة الزوجية والمنزلية وأن تعليمها قد زادها تعلقاً بالزوج والولد، وإلماماً بشؤون التربية والبيت، واستطاعت إلى ذلك أن تمارس عملاً تتقنه، وتتكسب منه وتفيد المجتمع، ولم يؤد تعليم المرأة عندنا إلى مضرة أو مساءة، بل فتح للمرأة آفاقاً جديدة صرفتها عن اللهو الفارغ واللغو الثقيل، ولو أنصفنا وقلنا كلمة الصراحة، لوجدنا أن النساء جميعاً يؤثرن في الرجال مهما كابر الرجال، فإن كن متعلمات كان منتوج هذا التأثير أقرب إلى الخير والصواب، وأبعد عن الشرر والضرر. إن هذا العصر يكشف ظلامة المرأة، ويضع حداً لغلو الرجال في تحرجهم من ظهورها، ومهما وضعوا في طريقها من عثرات فإنها قادرة على تذليلها، ماضية في سبيلها، وقد أتاحت لها الحاجة والثقافة، أن تقوم بأعمال كانت وقفاً على الرجال، وقد كانت المعامل في الحرب الأخيرة تدار بأيدي النساء فكن يصنعن القنابل ويربطن أجزاء الطائرات، ويقفن أمام أفران الكهرباء المتوهجة فيصهرن الحديد، وليس عليهن في كل هذا من بأس إذ كانت لهن ساعات يعدن فيها إلى بيوتهن وأهليهن وإلى المطبخ الذي يريده المشنوق(1). وبعد فإن غريزة الأمومة أسمى ما تطمح إليه المرأة مهما كانت مكانتها ومواهبها، ولن يشغلها عن البيت والزوج، وعن الولد والأسرة أي شاغل إذا كانت واعية مثقفة، سليمة الشعور، راجحة التفكير، والتدبير. (1) يخيل إلى من لا يعرف حقيقة الفن الذي اختص به الأستاذ المشنوق من بين أدباء العصر، أنه عدو للمرأة يكره لها الحرية المثلى والثقافة العالية، والصحيح في أمره أنه في أدبه من أنصار المرأة المخلصين، لكنه يصطنع حيناً بعد حين هذه العداوة في صحافته، لأنه قد أتقن فنون الصحافة المعاصرة |
|
| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |