|
||||||
| فهرس العدد | فهرس الدوريات |
|
الثقافة النسوية المنشودة لم تعرف الإنسانية عصراً قد احتفى بشؤون المرأة كهذا العصر، الذي قيض لها أسباب المعرفة والثقافة، وأعدها لكل مهمة تقتضيها الحضارة الراهنة، حتى إنها سلكت مسالك الرجال في شتى مرافق الحياة، مما دعا أولي الأمر وذوي الرأي إلى الاهتمام بتطور المرأة وتوجيهها نحو ثقافة خاصة تعصمها من الزلل والانحراف، وتضمن لها السمو والسداد فيما خلقت له وندبتها إليه طبيعتها ومواهبها، وقد بدا لي أن أتساءل: وهل ينبغي أن تكون للمرأة ثقافة خاصة غير ثقافة الرجل، وهذا العصر يهدف إلى مساواة الجنسين بالحقوق والواجبات؟ نعم، فإن الحكمة والتجاريب تقضي بأن يكون للنساء ثقافة خاصة إلى جانب الثقافة التي يشاركن فيها الرجال، ولعل المرأة العربية لم تكن في مسيس الحاجة إليها كهذه الأيام لكي تساير العصر في تجديده وتحفزه، وتسير في ركب المثقفين الذين استجابوا لمطالب الحياة وأحاط وعيهم بكل تطور فيها. الثقافة من الكلمات المحظوظة في زماننا، إذ كانت منكمشة في ثنايا المعاجم وفي تصانيف اللغة، لم ترددها أقلام المعاصرين وما صقلتها ألسنتهم إلا منذ عهد قريب، فهي خفيفة اللفظ، كبيرة الحظ من المعاني والأهداف، فيها من قوة الحياة ما يشف عن روح الأمة التي انبثقت منها ويكشف عن أصالتها وطموحها، وإذا قلت إن كلمة الثقافة، حديثة الشيوع، رمزية المعاني فلا يقع في الأوهام أن العرب لم يعرفوها ولم يألفوها، فما أكثر ما وردت في أشعارهم وأخبارهم، وإنما تضاربت أقوالهم في مراميها وتباينت في تداولها، إذ كانت هذه اللفظة كغيرها من الألفاظ المنتزعة من الحياة في البادية، معربة عندهم عن تسوية الرماح وتقويمها، ثم آلت في عصور الفتح والحضارة إلى معان آخر، اقتضاها التعبير الجديد فدخلت باب الرمز والمجاز، ولقد درجنا نحن العرب المعاصرين على فهم هذه الكلمة من نواحيها الاجتماعية الحاضرة، وتوسعنا في الوسائل التي تؤدي إليها وتؤيدها لانبساط آفاق الحياة في أيامنا، وتمازج الثقافات عندنا، فجمعنا بين ما أراد الشرقيون منها وبين ما عناه الغربيون الذين يرون أن أثر الثقافة في الناس كأثر الفلاحة في الأرض، هذه تحرثها وتنقيها، لتؤتي أكلها ويطيب جناها، وتلك تهذب النفوس وتغذي العقول لتسمو الحياة بسموها. كذلك غدا مدلول الثقافة شاغلاً حيزاً كبيراً في الدراسات والبحوث، وعلى ضياء هذا المدلول الحديث أعود إلى الثقافة النسوية المنشودة، فأقول إن وسائل هذه الثقافة أصبحت لدينا ميسورة موفورة، ولعل أقربها تناولاً ونفعاً هي المعاهد العلمية، فهل أصبحت المتعلمات مثقفات؟ وما هي المقاييس التي نقيس بها ثقافتهن والموازين التي يرجح بها قسطاس المثقفات؟ يتفاوت نظر الناس إلى هذه الموازين وتلك المقاييس، فمنهم من يقدرها بالشهادات المدرسية والألقاب العلمية، فلا ترجح عندهم كفة متعلمة إلا بمقدار ما أحرزت منها، وبات أولو الأمر لا يحسبون حساباً لغير ما اصطلح عليه الناس في هذا التقدير، وذلك شأن الأمم اللاتينية التي تزن كل كفاية ودراية بميزان الثبوت والإجازات مهما كان نوعها وحاملها، حتى وقع في حسبان فتياتنا أنها غاية المعرفة ونهاية الثقافة، فابتغين إليها الوسيلة، وسعين بكل ما أوتين من جهد وطاقة مأخوذات بما عقدن عليها من رجاء، حتى إذا ظفرن بها وحظين بالوظيفة المنشودة، فتر فيهن السعي وانقطعن عن كل درس وبحث، نابذات وراء ظهورهن الأسفار والدفاتر التي حفظن نصوصها ليوم معلوم، كان خاتمة المطاف واستقرار النوى، وقد فاتهن أن الثقافة لا توزن بثبت مكتوب، ولا تثبت في طلاء زائل، فهي فيض روحي وعقلي، وقوة سحرية خفية تميز المثقفة من غيرها، وتضيء آفات تفكيرها وحياتها بشعلة الحق والجمال. وفي الناس فريق يخيل إليهم أن مقياس الثقافة النسائية يقوم بأشتات المعرفة النظرية التي تتلقاها الفتاة وهي طالبة، من رياضيات وطبيعات، ومنطق ولغات وأن هدف هذه المعلومات المتنافرة الألوان هو التكسب باسمها والتفاخر بألقابها، وإلا فما جدوى المدرسة والدراسة في نظر هؤلاء إن لم تكن وسيلة لضمان الوظيفة والمرتب، وسبيلاً إلى الشهرة والظهور؟ ما كانت الثقافة لتعرف قيوداً أو حدوداً، فهي عميقة كالبحر، رحيبة كالسماء، شاملة كشعاع الشمس، وحاشا أن تكون رسالتها وغايتها للمنالة والاستغلال، وشتان بين المتعلمة والمثقفة، فقد تحمل الأولى أضخم الشهادات ولكنها جوفاء المعرفة نابية الجانب، بادية الإسفاف في حياتها المنزلية والاجتماعية، فهل تستوي ومن تثقفت وتحررت من السخف وعرفت نفسها ومضت في موكب الحياة على هدى العقل والبصيرة؟ ولو أن روّاغة فارغة، أو متنطعة متراطنة، قد ملأت المجالس بذكرها، أتكون من المثقفات؟. ولا يبعد أن تكون ثمة واحدة على شاكلة هؤلاء تحلت بزينة من المعرفة المصطنعة كطلاء الوجوه وبهرجة الثياب، ولا أطيل في وصف أشباهها ممن تلقين ثقافة عجفاء متخطفة، لم تنفذ إلى الأعماق ولم تصقل الأذواق والأخلاق، أو ممن لا يستطلعن أمساً ولا غداً، غير أنهن يرددن ما يسمعن دون تفكير أو تمحيص، فيسترن ما في نفوسهن من غباء وهراء، وراء ادعاء أو كبرياء ويتشدقن بكلام تؤخذ به الأميات والساذجات. فالمثقفة هي التي تعلمت وتسامت في إيمانها وشعورها، وامتد خيالها وتفكيرها إلى آفاق الوجود. هي التي تنمي معرفتها وتغريها بمنتوج العقول وفيض القرائح، وتستمد من كل ثقافة مسموعة أو منظورة قوة تستعين بها على الحياة هي التي تتبع كل جديد سديد، ولا تبخل بثقافتها على جهود تبذلها لإسعاف الإنسانية البائسة، هي التي تسمعها فلا تسأم حديثها وتود لو أنها لا توجز.. وهي إلى ذلك ربة البيت القؤوم على الأسرة والولد، لا تخرج على طبيعتها وأنوثتها، مهما سمت ثقافتها وتعددت مواهبها. وبعد فما هي الثقافة الخاصة التي ننشدها اليوم للمرأة العربية وهي على وصيد عهد جديد؟ نريد لها ثقافة مكينة تنفذ إلى روحها فتصقلها، وتثير فيها الشوق للخير والإحسان، ثقافة ترفع مستواها وتحفظ تقواها وتشغل فراغها بما يعود على بيتها ومجتمعها بالخير والفائدة، على أن تشتمل هذه الثقافة المنشودة ما يشق للفتاة المعاصرة آفاقاً جديدة ويواتي الحاجة الراهنة، كالفنون الجميلة التي تتفتح فيها مواهب الفتيات من موسيقى وتصوير وزخرفة وتطريز، إلى علم النفس وتربية الطفل وأدب اللغة وما شابه، وإذا قدر لطالبة هذه الثقافة نصيب من ثقافة أجنبية ولم تدعمه بلغة أجدادها وتشعر بشعور بلادها، فإنها تعيش عدوة لقومها، غريبة عن مجتمعها. ولست في مقالي هذا بداعية إلى حرمان الفتاة من الثقافة العامة والجامعية التي تعدها كما تعد الفتى، فإن توافرت الشروط والمواهب فلا ضير على فئة من الفتيات بأن يمضين نحو هذا الأفق البعيد إذا كن يستطعن التحليق والتدويم في أجوائه المتسعة. أما الثقافة النسائية المنشودة، إذا أتيح لها الظهور على قواعد راسخة وتعهدتها ذوات المواهب الفنية والتوجيه المرموق، ممن أوتين معرفة شاملة ومرانة دائبة فإنها تحقق أمنية من أغلى أماني الأمة، بإعداد مثقفات حصيفات، وهل يتسنى للمرأة مشاركة الرجل في معالجة الفقر ونفي الجهل والهوان من الطبقة الدنيا إذا لم تكن مثقفة؟ وكان الأمر يهون لو أن المرأة في بلادنا تقتصر على مثل هذه المشاركة في الإصلاح الاجتماعي مع ما هي عليه من تأخر ثقافي ووعي فكري، لكنها طامحة ملحة في التماس حقوقها السياسية والاجتماعية التي لا يصح أن تحظى بها إلا بعد أن ترقى إلى مستوى الرجل المثقف، والمتعلم المتمرس بالحياة. ومما يبعث الأمل والطمأنينة أن تكون مصر سباقة إلى الأخذ بهذه الثقافة المنشودة، والإفادة من وعي المثقفات ونشاطهن، فأسست للفتيات مدارس خاصة للثقافة النسوية والفنون الطرزية ومعاهد عليا للموسيقى والتصوير والتدبير المنزلي والتربية البدنية والخدمة الاجتماعية والأمومة، حتى بعثت القائمات على نشر هذه الثقافات نهضة حديثة في دنيا المرأة المصرية، فتمنيت أن تقوم في بلادنا السورية حركة جديدة في التعليم النسائي، تؤدي إلى مثل تلك النهضة، لأن هذا التعليم ما يزال مهملاً لا يلقى عناية وتقديراً، وثقافة البنات تجري على المنهاج المرسوم للبنين، وكلاهما يهدف إلى ضمان الوظيفة والمرتب، أكثر مما يهدف إلى التزود بالعلم والمعرفة أو التمرس بالبحث والتوجيه. ومن عجب أن تستثني وزارة المعارف السورية بعثاتها الفنية النسائية من شرط الشهادة في الدراسة الثانوية، فهل يصح لدى علماء التربية مثل هذا الاستثناء، وهم يعلمون أن لا خير يرتجى من إيفاد طالبات مبتدئات إلى مصر والبلاد الأجنبية، وقد شهدت بنفسي حين كنت موظفة بمصر في أرقى معهد فني نسائي أن الطالبة الشرقية إذا لم تكن مزودة بمواهب خاصة وحاملة شهادة الدراسة الثانوية على الأقل مثل البكالوريا أو المتر كوليشن فإنها لا تقبل في المعاهد العالية وكذلك الشأن في أوروبة وأمريكا، ومن أتيح لها أن توفد للدراسة العالية من غير استعداد ولا مؤهلات أصيلة ومكتسبة لقيت خيبة ومهانة أو راحت تلتمس الشفاعات. ولئن كان المراد إيفاد المبعوثات اللاتي من هذا القبيل إلى المدارس المتوسطة، فليس في هذا غير خسارة المال وإضاعة الوقت، لأن مدرسة الصناعات والفنون للبنات بدمشق، تعادل أمثالها من "الثقافة النسوية" و"الفنون الطرزية" بمصر إن لم تكن فوق مستواهما، فإذا كان ذلك القرار الاستثنائي اقتضت رسمه حالة خاصة فلا ينبغي إطلاقه، لئلا تدخل من بابه كثيرات لا ترجى منهن أية فائدة ثقافية أو فنية. إن التعليم النسائي في مصر لم يزدهر في نهضته الحديثة إلا بجهود طائفة من صفوة المثقفات اللاتي أوفدن للغرب للتخصص والدراسة الجامعية والفنية، فأفدن فوائد جلى تجلت فيما عهد به إليهن بعد العودة من تدريس وتوجيه ومراقبة، غير منحرفات عما اضطلعن به وكن بسبيله أو سافرن من أجله، فليت شعري ماذا أفادت سورية من بعثاتها النسائية إلى الغرب؟ فأنا أعرف وغيري يعرف أن أكثر اللواتي أرسلن في بعثات علمية من سورية، قد عدن كأكثر المبعوثين من الطلاب والشباب، مزودات بالشهادات، وقد دخلن غمار التعليم من أجل كسب الحياة، ولم يظهر بينهن إلى اليوم كما لم يظهر في أمثالهن من الرجال، إبداع ونبوغ، ويعود ذلك إلى السبب الأول الذي أتاح لهؤلاء مثل هذا المصير، لأن النبوغ والتألق، أو المواهب والمزايا، لا تصنعها الشهادات ولا تمنحها الجامعات، وإنما هي شرط أصلي ينبغي أن يكون في المبعوث قبل بعثته، بل هي من المقومات الأولى للشخصية، يزيدها العلم والتجدد وضوحاً واقتداراً. ولقد آن للمعارف السورية أن تعنى بالثقافة السورية، وتوجيه الفتاة الوجهة المثلى التي تلائم طبيعتها وتكشف عن مواهبها وتسمو بها فوق المنازع المادية، فإن البيت والمجتمع في حاجة ماسة إلى ثقافة خاصة تسعد بها الأسرة والوطن، ويرتجى من ورائها كل خير عميم. |
|
| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |