مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 445 أيار 2008
فهرس العدد فهرس الدوريات
 

فتش عن الرجل

تعود أكثر الناس لاسيما الرجال، كلما وقع في الدنيا حادث جلل، أو خطب فادح، أن يقولوا ويرددوا هذا القول: "فتش عن المرأة"، فإذا رأوا قتيلاً أو غريقاً، أو عرفوا شاباً قد انتحر، أو بيتاً سرقه اللصوص، أو زوجاً شريداً هجر بيته وأسرته ليبيت في الحانات، أو خصومة قامت واحتدمت، صرخوا جميعاً بصوت واحد أو دارت بينهم الهمسات والوشوشات قائلين: فتش عن المرأة...

هذا القول الغاشم البغيض، يردده الشرقيون والغربيون في الصدمات والنكبات، ويجعله الصحافيون عنواناً لبعض الأخبار في صدور الجرائد، لما فيه من إغراء وتنبيه، على أن كثيراًَ من المتعلمين والمثقفين إذا اطلعوا عليه أو سمعوه حسبوه لحكيم من حكماء الغرب أو نسبوه لنابليون، ولو رجعوا إلى ذخائر الأدب عند العرب، لوجدوا ثمة شاعراً عربياً مجهولاً سبق بطل الإفرنسيين إلى ذلك المعنى بقوله:

إذا رأيت أموراً

 

 

منها الفؤاد تفتّتْ

فتش عليها تجدها

 

 

من النساء تأتت

ولعل صاحب هذا الرأي كان من أعداء المرأة على نحو ما فعل بعض أدباء الغرب وشعراء العرب في الأيام الخالية، أو على مثال ما يفعل في زماننا توفيق الحكيم الكاتب المصري المشهور بعداوته المصطنعة للمرأة، التي لولاها لما أبدع في فنه، ولما أوحت إليه أشتات الفكر وروائع الأدب، ومثل هذا المعنى كثير في أشعار العرب القدامى والمحدثين، وقد نظمه أديب من هؤلاء في قوله:

إن حادث يوماً أهمك شأنه

 

 

وجهلته فابحث عن النسوان

إني رأيت الشر إلا قله



 

منهن مصدره على الإنسان

لو غاص أعداء المرأة الألداء، أو المتظاهرون بالعداء إلى أعماق الحقيقة والواقع، وتجردوا من كل ضغينة وبغضاء، لما جعلوا المرأة موضع همزهم ولمزهم في كل حين، ولآمنوا ببراءتها أحياناً مما يصمونها به ظلماً وعدواناً، وحاشا أن أزعم أن المرأة معصومة من الشر، كاملة في سجاياها ونوازعها لا تصدر عنها نقيصة ولا دسيسة، فأدعي أنها ملاك من الملائكة، فكم بين النساء من حية رقطاء وداهية شمطاء، تحوك الفتنة وتصمى بالرزايا، كامرأة العزيز التي جنت على يوسف، فلبث في السجن بضع سنين، وهذه المرأة نفسها لو عصمها العزيز من جمال يوسف، لكانت في نجوة من هواها الأثيم.

ومن العجب أن تتعالى أصوات الرجال من حماة الشريعة والقانون، ورعاة الأسر والبيوت، في بلاد الشرق والغرب، بشكاية النساء وتحدر طائفة منهن في مهاوي الزلل والخطيئات، وهم المسؤولون عن خيرهن وشرهن، غير أنهم يجهلون أو يتجاهلون أنهم كانوا مذ كانت المرأة، سبباً في صلاحها أو فسادها، في سعادتها أو شقاوتها، ولو استنطقنا الحَدثَان لسمعنا أن أكثر فجائع الدهر التي حملت المرأة أثقالها، وباءت بالملامة فيها كان سببها الرجل، فهاتيك المرأة التي سلكها الزمان بالخبيثات الآثمات، وهمّ برجمها الراجمون لولا حكمة المسيح u ـ من يدري أنها لولا أحبولة البغي التي أوقعها فيها أحد الرجال، لكانت إحدى القانتات الطيبات.

ولنعد القهقرى إلى تخوم الأزل، حيث وسوس لها الشيطان أن تأكل من شجرة الخلد، لتحظى بملك لا يبلى، فإذا بها تطيعه وتغري آدم بهذا الطعام، فيكتب الخالق على الخلق حياة الأرض، ويسقيهم بعد نصب العيش كأس الفناء، وينطوي البشر جيلاً إثر جيل، يلومون حواء حين تدهمهم الخطوب والهموم، فيقولون لولا حواء...

وقد فاتهم جميعاً أنها لم تكن هي علة الشقاء وإنما كان إبليس، وضميره واسم إشارته في علم النحو ينمان على أنه من طائفة الرجال لا من طائفة النساء، فهل من العدل أن توصم حواء بهذا البلاء، ثم ترث بناتها من بعدها تركة هذا الملام، أبد الأيام والأعوام، فيقال في كل حين، وفي كل محنة: فتش عن المرأة...

ما رأينا في قديم الدهر وحديثه امرأة اخترعت بندقية أو مدفعاً ولا فتاة صنعت مدية أو سهماً، ففي الدنيا رجال سكبوا الحميم على الآمنين، وصبوا سوط عذاب على الأبرياء، لم تبلغ مبلغهم نساء في الجور والعدوان، وإن أوزار الحرب وفوادح الخطوب، مصدرها ابن آدم، لا بنته فهو الذي ابتدع وسائل الدمار وإبادة الحياة، ومن مِن الناس لم يبلغه حديث ابني آدم، إذ قتل أحدهما الآخر طمعاً وحسداً؟ فكانت أول يد تلطخت بالدماء هي يد الرجل!

سلو خبايا المفاسد، ففي مطاويها بغايا، هنّ ضحايا الرجال، لعل الواحدة تقول:

كنت عنده خادماً فأغرى وأغوى....

وتقول الثانية: أحرجوني فأخرجوني...

وتقول الثالثة: خطفوني وتركوني...

وسلوا محاريب العبادة، وصوامع التقديس، ففي أكنافها عذارى زاهدات، فيهن من تقول:

ـ خان حبي، وسحق قلبي...

وتقول الثانية: سلبني مالي وسيطر على ميراثي...

ألا أيها الرجال اللوامون، فتشوا عن أنفسكم، قبل أن تفتشوا عن المرأة، هذه المفاتن الغالية والخلاعات الطاغية لمن تلوح وتبدو؟ وفيم تروح وتغدو؟ أليست لمرضاة الرجال؟

كيف ينشدون في المرأة عصمة وكمالاً، وهم لا يحبون فيها ما يرضي عقولهم دون نفوسهم، وفيهم من ينهي عما يهوي بها إلى السوء ثم يأخذ بيدها إليها ويدلها عليه، وفيهم من يؤثر المتبرجة المتهتكة على الحصان الرزان، وفيهم من يستحي أن يماشي زوجه في الطريق، إذا لم تكن كالدمية في زينتها.

إنها أبداً مرآة لميول الرجال وأهوائهم الظاهرة والباطنة، وكيفما يكونوا يَكُنّ، فهم إذا شاؤوا جعلوها ملاكاً، أو مسخوها شيطاناً.

هي نبع فاشربوا منه سائغاً طهوراً، ولا تعكروه بالقذى وترموه بالحجارة...

هي قيثار فوقعوا على أوتاره الأنغام العِذاب، التي تهدهد الآلام وتنشر الوئام والسلام.

فتشوا عن المرأة في تضميد الجروح، ومواساة المرضى، وإسعاف المساكين.

فتشوا عنها في الأمومة الرحيمة، فهناك أقصى غاية الجود والتفدية، تسهر لينام أولادكم، وتجهد ليستريحوا، وتفديهم بالروح مهما أساؤوا.

فتشوا عنها في العزاء والوفاء، في الحنان والإحسان.

فتشوا عنها وهي أم الرسل والأنبياء الذين كانوا الهدى لضلال الإنسان.

فتشوا عنها وهي والدة الأطباء والعلماء الذين خففوا مواجع البشر، وثقفوا عقولهم وخففوا عنهم...

فتشوا عنها وهي منجبة الأبطال والعباقرة، الذين كتبوا لأمتهم صحائف المجد والخلود.

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244